تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)}.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: أوَ لم يكُنْ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعلَمُ أن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأن اللهَ له مُلكُ السماواتِ والأرضِ حتى قيل له ذلك؟
قيل: بَلَي، فقد كان بعضُهم يقولُ: إنما ذلك مِن اللهِ جل ثناؤه خبرٌ عن أن محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد علِم ذلك، ولكنه ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قد".¥ أَخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ التقريرِ، كما تفعَلُ مثلَه العربُ في خطابِ بعضِها بعضًا، فيقولُ أحدُهم لصاحبِه: ألم أُكْرِمْك، ألم أُفْضِلْ ¬في م: "أتفضل".¥ عليك. بمعنى إخبارِه أنه قد أكرَمَه وأَفضَل ¬في م: "تفضل".¥ عليه. يُرِيدُ: أليس قد أكرمتُك، أليس قد أفْضلْتُ ¬في م: "تفضلت".¥ عليك. بمعنى: قد علِمتَ ذلك.
قال: وهذا قولٌ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ لا وجهَ له عندنا، وذلك أن قولَه جل ثناؤه: {أَلَمْ تَعْلَمْ}. إنما معناه: أمَا عَلِمتَ. وهو حَرْفُ جَحْدٍ أُدخِلَ عليه حرفُ استفهامٍ، وحروفُ الاستفهامِ إنما تَدْخُلُ في الكلامِ؛ إمَّا بمعنى الاسْتِثْباتِ، وإمَّا بمعنى النفىِ، فأمَّا بمعنى الإثباتِ، فذلك غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ، ولا سيَّما إذا أُدخِلتْ على حروفِ الجحدِ، ولكنَّ ذلك عندي، وإن كان ظهَر ظُهورَ الخطابِ للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فإنما هو مَعْنِيٌّ به أصحابُه الذين قال لهم ¬سقط من: م.¥ اللهُ جل ثناؤه: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا}. والذي يَدُلُّ على أنَّ ذلك كذلك قولُه جل ثناؤه: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}. فعاد بالخطابِ في آخرِ الآيةِ إلى جميعِهم، وقد ابتدأ أوَّلَها بخطابِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقولِه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. لأنَّ المرادَ بذلك الذين وصَفتُ أمرَهم مِن أصحابِه، وذلك مِن كلامِ العربِ مستفيضٌ بينهم فصيحٌ، أن يُخْرِجَ المتكلِّمُ منهم ¬سقط من: م.¥ كلامَه
على وجهِ الخطابِ منه لبعضِ الناسِ، وهو قاصدٌ به غيرَه، وعلى وجهِ الخطابِ لواحدٍ، وهو يَقْصِدُ به جماعةً غيرَه، أو جماعةٍ ¬بعده في م: "و".¥ المخاطَبُ به أحدُهم، وعلى وجهِ ¬في م: "هذا".¥ الخطابِ للجماعةِ والمقصودُ به أحدُهم، مِن ذلك قولُ اللهِ جل ثناؤه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} ثم قال: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الأحزاب: 1، 2]. فرجَع إلى خطابِ الجماعةِ، وقد ابتدَأ ¬في ت 1: "ابتدئ".¥ الكلامَ بخطابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. ونظيرُ ذلك قولُ الكُمَيْتِ بنِ زيدٍ في مدحِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬الأبيات في الحيوان للجاحظ 5/ 170.¥:
إلى السِّراجِ المُنِيرِ أحْمَدَ لا ... يَعْدلُنِى رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ
عنه إلى غَيرِه ولو رَفَعَ النَّـ ... ـاسُ إلىَّ العُيُونَ وارْتَقَبُوا
وقِيلَ أفْرَطْتَ بل قَصَدْتُ ولو ... عَنَّفَنى القائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا ¬ثلب: لام وعاب، وقيل: الثلب: شدة اللوم والأخذ باللسان. التاج (ث ل ب).¥
لَجَّ بتَفْضِيلِكَ اللِّسانُ ولو ... أُكْثِرَ فيك الضِّجَاجُ واللَّجَبُ ¬اللجب: ارتفاع الأصوات واختلاطها. التاج (ل ج ب).¥
أنتَ المُصَفَّى ¬في ت 1، ونسخ الحيوان: "المصطفى".¥ المَحْضُ المُهَذَّبُ في النِّـ ... ـسْبَةِ إنْ نَصَّ ¬نص: رفع. اللسان (ن ص ص).¥ قَوْمَك النَّسَبُ
فأخرَجَ كلامَه على وجهِ الخطابِ للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهو قاصدٌ بذلك أهلَ بيتِه.
فكنَى عن وصفِهم ومدحِهم بذكرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وعن بنى أُمَيَّةَ بالقائلين المُعَنِّفينَ؛ لأنه معلومٌ أنه لا أحدَ يُوصَفُ [من المسلمين] ¬سقط من: م.¥ بتعنيفِ مادحِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتفضيلِه، ولا بإكثارِ الضِّجاجِ واللَّجَبِ في إطنابِ القِيلِ بفضلِه. وكما قال جَمِيلُ ¬في الأصل: "جرير".¥ بنُ مَعْمَرٍ ¬التبيان 1/ 401.¥:
ألا إنَّ جِيرَانى العَشِيَّةَ رَائِحُ ... دَعَتْهُم دَواعٍ مِن هَوًى ومَنادِحُ ¬المنادح: المفاوز، وأرض مندوحة: واسعة بعيدة. التاج (ن د ح).¥
فقال: ألا إن جيرانى العشيةَ. فابْتَدَأ الخبرَ عن جماعةِ جيرانِه، ثم قال: رائحُ؛ لأن قصْدَه في ابتدائِه ما ابْتَدَأ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "به".¥ مِن كلامِه الخبرُ عن واحدٍ منهم دونَ جماعتِهم. وكما قال جَمِيلٌ أيضًا في كلمتِه الأُخرَى ¬البيت في أمالي القالي 2/ 74، والأغاني 1/ 117.¥:
خَلِيليَّ فيما عِشْتُما هل رَأيْتُما ... قَتِيلًا بَكَى من حُبِّ قاتِلِه قَبْلِي
وهو يُريدُ قاتلتَه ¬في الأصل: "قاتله"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "قاتليه".¥؛ لأنه إنما يَصِفُ امرأةً، فكنَى بوصفِ ¬في م: "باسم".¥ الرجلِ عنها وهو يَعْنِيها. فكذلك قولُه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وإن كان ظاهرُ الكلامِ على وجهِ الخطابِ للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فإنه مقصودٌ به قصدُ أصحابِه، وذلك بيِّنٌ بدلالةِ قولِه: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} الآياتِ الثلاث بعدَها، على أنَّ ذلك كذلك.
وأمَّا قولُه: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. ولم يقُلْ: مِلكُ السماواتِ. فإنه عنَى بذلك مُلْكَ السلطانِ والمملكةِ دونَ المِلْكِ، والعربُ إذا أرادت الخبرَ عن المملكةِ التي هي مملكةُ سلطانٍ، قالت: ملَك اللهُ الخلقَ مُلْكًا. وإذا أرادت الخبرَ عن المِلْكِ قالت: ملَك فلانٌ هذا الشيء، فهو يَمْلِكُه مِلْكًا ومَلَكَةً ومَلْكًا.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ألم تعلَمْ يا محمدُ أن لي مُلكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما دونَ غيرِي، أحْكُمُ فيهما وفيما فيهما ما أشاءُ ¬بعده في ت 3: "إذا أشاء".¥، وآمُرُ فيهما وفيما فيهما بما أشاءُ، وأنْهَى عمَّا أشاءُ، وأَنْسَخُ وأُبَدِّلُ وأغيِّرُ مِن أحكامى التي أحْكُمُ بها في عبادي ما أشاءُ إذا أشاءُ، وأُقِرُّ منها ما أشاءُ.
وهذا الخبرُ وإن كان مِن اللهِ عزّ وجلَّ خطابًا لنبيه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على وجهِ الخبرِ عن عَظَمتِه، فإنه منه جل ثناؤه تكذيبٌ لليهودِ الذين أنْكَروا نسْخَ أحكامِ التوراةِ، وجحَدوا نبوَّةَ عيسى ومحمدٍ ¬في م: "أنكروا محمدًا".¥ صلى الله عليهما، لمجيئِهما بما جاءا به مِن عندِ اللهِ بتغييرِ ما غيَّرَ اللهُ مِن أحكامِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "حكم".¥ التوراةِ، فأخبَرهم اللهُ أن له مُلْكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما، [وأنَّ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فإن".¥ الخلقَ أهلُ مَمْلَكتِه وطاعتِه، عليهم السمعُ له والطاعةُ لأمرِه ونهيهِ، وأن له أمْرَهم بما شاءَ، ونهيَهم عمَّا شاءَ، وإقرارَ ما شاءَ، ونسْخَ ما شاءَ، وإنساءَ ما شاءَ مِن أحكامِه وأمْرِه ونهيهِ، ثم قال لنبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وللمؤمنين معه: انقادُوا لأمرِي، وانْتَهُوا إلى طاعتي فيما أَنْسَخُ وفيما أتْرُكُ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "أنزل".¥، فلا أنْسَخُ مِن أحكامى ولا ¬زيادة من: الأصل.¥ حدودي وفرائضي، ولا يَهِيدَنَّكم ¬في الأصل: "يهتدنكم"، وفي ت 1: "يهدينكم". وهاده الشيء يَهيده: أفزعه. التاج (هـ ى د).¥ خلافُ مُخالفٍ لكم في أمرِي ونهيي، ون
اسخِي ومنسوخِي، فإنه لا قَيِّمَ بأمرِكم ¬في ت 1، ت 3: "يأمركم".¥ سوأي، ولا ناصِرَ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "يأمر".¥ لكم غيرى، وأنا المنفردُ بوَلايتِكم والدفاعِ عنكم، والمتوحِّدُ بنُصْرَتِكم بعزَّتى وسُلطانى وقوَّتى على مَن ناوَأَكم وحادَّكم، ونصَب حَرْبَ العداوةِ بينَه وبينَكم، حتى أُعْلِىَ حُجَّتَكم، [وأجعلَها عليهم] ¬في الأصل: "وأجمل الظفر عليكم"، وفي ت 1، ت 3: "وأجعل عليهم"، وفي ت 2: "وأجعله عليهم".¥ لكم.
و"الوَلىُّ" ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "معناه".¥ فَعِيلٌ، مِن قولِ القائلِ: وَلِيتُ أمرَ فلانٍ. إذا صِرْتَ قيِّمًا به، فأنا أَلِيه، وهو ¬في ت 1: "فأنا".¥ وَلِيُّه وقَيِّمُه. ومِن ذلك قِيل: فلانٌ ولىٌّ عهدِ المسلمين. يعنى به القيِّمَ بما عُهِد إليه مِن أمرِ المسلمينِ.
وأمَّا "النصيرُ"، فإنه فَعِيلٌ، مِن قولِك: نصَرتُك أنصرُك، فأنا ناصرُك ونصيرُك. وهو المُؤَيِّدُ والمُقَوِّى.
وأمَّا معنى قولِه: {مِنْ دُونِ اللهِ} فإنه: سِوَى اللهِ وبعدَ اللهِ. ومنه قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ ¬ديوانه ص 21.¥:
يا نَفْسُ ما لَكِ دُونَ اللهِ مِن وَاقِى ... ومَا عَلى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ باقى
يُريدُ: ما لكِ سوى اللهِ وبعدَ اللهِ مَن يَقِيكِ المكارهَ.
فمعنى الكلامِ إذن: وليس لكم أيُّها المؤمنون بعدَ اللهِ مِن قَيِّمٍ بأَمْرِكم ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "يأمركم"، وغير منقوطة في الأصل.¥، ولا نصيرٍ يؤَيِّدُكم ويقوِّيكم، فيُعِينَكم علَى أعدائِكم.