تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}.
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ المرضِ السُّقمُ، ثم ¬سقط من: ص.¥ يقالُ ذلك في الأجسادِ والأديانِ. فأخْبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن في قلوبِ المنافقين مرضًا، وإنما عنَى جلّ ثناؤه بخبرِه عن مرضِ قلوبِهم الخبرَ عن مرضِ ما في قلوبِهم مِن الاعتقادِ. ولكن لما كان معلومًا بالخبرِ عن مرضِ القلبِ أنه مَعْنِيٌّ به مرضُ ما هم مُعْتقدوه مِن الاعتقادِ، اسْتَغْنى بالخبرِ عن القلبِ بذلك [والكنايةِ به] ¬في ص: "الكفاية".¥ عن تصريحِ الخبرِ عن ضمائرِهم واعتقاداتِهم، كما قال عمرُ بنُ لَجَإٍ ¬البيت في التبيان 1/ 49.¥:
وسبَّحَت المدينةُ لا تَلُمْهَا ... رأَت قمرًا بسوقِهمُ نَهارَا
يريد: وسبَّح أهلُ المدينةِ. فاستغْنى بمعرفةِ السامعين خبرَه بالخبرِ عن المدينةِ، عن الخبرِ عن أهلِها. ومثلُه قولُ عنترةَ العَبْسيِّ ¬البيت من معلقته الشهيرة، وهو في ديوانه ص 102.¥:
هلَّا سألتِ الخيلَ يابنةَ مالكٍ ... إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِي
يريدُ: هلَّا سألتِ أصحابَ الخيلِ؟ ومنه قولُهم: يا خيلَ اللَّهِ اركبي. يرادُ: يا أصحابَ خيلِ اللَّهِ ارْكَبوا. والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن يُحْصِيَها ¬في ر، ت 2: "يحصيه".¥ الكتابُ ¬في م: "كتاب".¥، وفيما ذكَرنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه.
فكذلك معنَى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}. إنما يعني: في اعتقادِ قلوبِهم الذي يعتقِدُونه في الدينِ، والتصديقِ بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وبما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، مرَضٌ وسُقْمٌ. فاجْتَزأ بدَلالةِ الخبرِ عن قلوبِهم على معناه، عن تصريحِ الخبرِ عن اعتقادِهم.
والمرضُ الذي ذكَره اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه في اعتقادِ قلوبِهم الذي وصَفْناه، هو شكُّهم في أمرِ محمدٍ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، وتحيُّرُهم فيه، فلا هم به مُوقِنون إيقانَ إيمانٍ، ولا هم له مُنكِرون إنكارَ إشراكٍ، ولكنهم كما وصَفهم جلّ ذكرُه، مُذَبْذَبون بينَ ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ¬تضمين الآية 143 من سورة النساء.¥، كما يقالُ: فلانٌ يُمرِّضُ في هذا الأمرِ. أي يُضَعِّفُ العزمَ ¬في ر، ت 2: "للعزم".¥، ولا يصحِّحُ الرَّوِيَّةَ فيه.
وبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك تظاهر القولُ في تفسيرِه مِن المفسِّرين.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}. أي: شكٌّ ¬سيرة ابن هشام 1/ 531، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 43 (112) من طريق سلمة به.¥.
وحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المرضُ النِّفاقُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 43 (111) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}. يقولُ: في قلوبِهم شكٌّ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 30 إلى المصنف عن ابن مسعود وحده.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 43 عقب الأثر (113) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله. وسيأتي تمام هذا الأثر في ص 291.¥.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}. قال: هذا مرضٌ في الدِّينِ، وليس مرضًا في الأجسادِ. قال: وهم المنافقون.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}. قال: في قلوبهم رِيبةٌ وشكٌّ في أمرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 30 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}. قال: هؤلاء أهلُ النِّفاقِ، فالمرَضُ الذي في قلوبِهم الشكُّ في أمرِ اللَّهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 43 عقب الأثر (113) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ}. حتى بلَغ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}. قال: المرضُ الشكُّ الذي دخَلهم في الإسلامِ ¬بعده في ر: "فذلك هو المرض واللَّه أعلم".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}.
قد دلَّلنا آنفًا على أن تأويلَ المرضِ الذي وصَف اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أنه في قلوبِ المنافقين هو الشكُّ في اعتقاداتِ قلوبِهم وأديانِهم، وما هم عليه في أمرِ محمدٍ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأمرِ نبوَّتِه وما جاء به، مُقِيمون.
فالمَرَضُ الذي أخْبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنه زادهم على مرضِهم، هو نظيرُ ما كان في قلوبِهم مِن الشكِّ والحيرةِ قيلَ الزيادةِ، فزادهم ¬في م: "فزاد".¥ اللَّهُ بما أحْدَث مِن حدودِه وفرائضِه التي لم يكنْ فرَضها قبلَ الزيادةِ التي زادَها المنافقين - مِن الشكِّ والحَيْرةِ، إذ ¬في م: "إذا".¥ شكُّوا وارْتَابوا في الذي أحْدَث لهم مِن ذلك - إلى المرضِ والشكِّ الذي كان في قلوبِهم في السالفِ، مِن حدودِه وفرائضِه التي كان فرَضها قبلَ ذلك. كما زاد المؤمنين به إلى إيمانِهم الذي كانوا عليه قبلَ ذلك، بالذي أحْدَث لهم مِن الفرائضِ والحدودِ، إذْ آمنوا به، إلى إيمانِهم بالسالفِ مِن حدودِه وفرائضِه - إيمانًا، كالذي قال جلَّ ثناؤه في تنزيلِه: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 124، 125]. فالزيادةُ التي زِيدها المنافقون مِن الرَّجاسةِ إلى رَجاستِهم هو ما وصَفنا، و ¬بعده في م
: "الزيادة".¥ التي زِيدها المؤمنون إلى إيمانِهم هو ما بيَّنا، وذلك هو التأويلُ المُجْمعُ عليه.
ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}. قال: شكًّا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 43 (114) من طريق سلمة به.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: أخْبرنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدَانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}. يقولُ: فزادهم اللَّهُ ¬بعده في م: "ريبة و".¥ شكًّا ¬تقدم أول هذا الأثر في ص 273.¥.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرنا ابنُ المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}. يقولُ: فزادهم اللَّهُ رِيبةً وشكًّا في أمرِ اللَّهِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 30 إلى المصنف وعبد بن حميد. وينظر الفتح 8/ 162.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}. قال: زادهم رِجْسًا. وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ}. قال: شرًّا إلى شرِّهم، وضلالةً إلى ضلالتِهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 74 عن ابن زيد.¥.
وحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا}: فزادَهم ¬في ص، م: "قال زادهم".¥ اللَّهُ شكًّا ¬تقدم أول هذا الأثر في ص 289.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
قال أبو جعفرٍ: والأليمُ ¬بعده في م: "هو".¥ المُوجِعُ. ومعناه: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ. فصُرِفَ مُؤْلِمٌ إلى أليمٍ، كما يقالُ: ضربٌ وَجيعٌ. بمعنى: مُوجِعٌ. واللَّهُ بديعُ السماواتِ والأرضِ. بمعنى: مُبْدِعٌ. ومنه قولُ عمرِو بنِ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبيديِّ ¬ديوان عمرو بن معديكرب (مجموع) ص 136.¥:
أَمِنْ رَيْحانةَ ¬ريحانة: هي ريحانة بنت معديكرب أخت عمرو، وهي أم دريد بن الصمة، كان الصمة سباها ثم تزوجها. الأغاني 10/ 4.¥ الداعِي السَّمِيعُ ... يُؤَرِّقُني وأصحابي هُجُوعُ
بمعنى: المُسْمِعُ. ومنه قولُ ذِي الرُّمَّةِ ¬ديوان ذي الرمة 2/ 677.¥:
وَنرْفَعُ ¬في ص: "بربع"، وفي ر: "ترفع"، وفي ت 2، م: "يرفع". والمثبت من الديوان.
ورفع البعير بنفسه في سيره: بالغ فيه. التاج (ر ف ع).¥ مِن صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ ¬الشمردلة: الناقة الحسنة الجميلة الخلق القوية على السير. اللسان (شمردل).¥ ... يَصُدُّ ¬يصد: يعترض. اللسان (ص د د).¥ وجوهَها وَهَجٌ ¬الوهج: حرارة الشمس والنار من بعيد. اللسان (و هـ ج).¥ ألِيمُ
ويُرْوى: يَصُكُّ ¬هذه رواية الديوان. والصك: الضرب الشديد. اللسان (ص ك ك).¥.
وإنما الأليمُ صفةٌ للعذابِ، كأنه قال: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ. وهو مأخوذٌ مِن الألمِ، والألمُ الوَجَعُ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: الأليمُ المُوجِعُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 44 (119) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.¥.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: حدثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: العذابُ ¬سقط من: م.¥ الأليمُ؛ الموجعُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 44 عقب الأثر (119) معلقا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 30 إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.¥.
وحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ في قولِه: {أَلِيمٌ ¬في ص، ر، ت 2: "الأليم".¥}. قال: هو العذابُ المُوجِعُ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن الأليمِ فهو المُوجِعُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)}.
اخْتَلفت القرَأَةُ ¬في م: "القراءة".¥ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه ¬في ر: "فقراءة".¥ بعضُهم: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. مُخَفَّفةَ الذالِ، مفتوحةَ الياءِ، وهي قراءةُ [عُظمٍ قرَأةِ] ¬في م: "معظم".¥ أهلِ الكوفةِ ¬وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 88.¥. وقرَأه آخرون: (يُكَذِّبُون). بضمِّ الياءِ وتشديدِ الذالِ، وهي قراءةُ [عُظمِ قرأةِ] (4) أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ ¬وهي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي عمرو. السبعة لابن مجاهد ص 143.¥.
وكأنَّ الذين قرَءوا ذلك بتشديدِ الذالِ وضمِّ الياءِ رأَوْا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما أوْجَب للمنافقين العذابَ الأليمَ بتكذيبِهم [نبيَّهم محمدًا] ¬في ص: "نبيه".¥ - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به، وأن الكذِبَ لولا التكذيبُ لا يُوجِبُ لأحدٍ اليسيرَ مِن العذابِ، فكيف بالأليمِ منه؟
وليس الأمرُ في ذلك عندي كالذي قالوا؛ وذلك أن اللَّهَ جلّ ثناؤُه أنْبَأ عن المنافقين في أولِ النبأ عنهم في هذه السورةِ بأنهم يَكْذِبون بدَعْواهم الإيمانَ، وإظهارِهم ذلك بألسنتِهم، خِداعًا للَّهِ - عزَّ وجلَّ - ولرسولِه وللمؤمنين، فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} بذلك مِن قِيلِهم، مع استسرارِهم الشكَّ والرِّيبةَ، {وَمَا يَخْدَعُونَ} بصنيعِهم ذلكَ {إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} دونَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، {وَمَا يَشْعُرُونَ} بموضعِ خديعتِهم أنفسَهم، واستدراجِ اللَّهِ إيَّاهم بإملائِه لهم، {فِي قُلُوبِهِمْ} شكُّ [النفاقِ ورِيبتُه] ¬في م: "أي نفاق وريبة".¥، واللَّهُ زائدُهم شكًّا ورِيبةً بما كانوا يَكْذِبون اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين بقولِهم بألسنتِهم: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ} وهم في قِيلِهم ¬في ص: "قولهم".¥ ذلك كَذَبةٌ؛ لاستسرارِهم الشكَّ والمرضَ في اعتقاداتِ قلوبِهم في أمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم -. فأَوْلَى في حكمةِ اللَّهِ جَلَّ جلالُه أن يكونَ ا
لوعيدُ منه لهم على ما افْتَتح به الخبرَ عنهم مِن قبيحِ أفعالِهم وذَميمِ أخلاقِهم، دونَ ما لم يَجْرِ له ذكرٌ مِن أفعالِهم، إذ كان سائرُ آياتِ تنزيلِه بذلك نزَل، وهو أن يَفْتَتحَ ذكرَ محاسنِ أفعالِ قومٍ، ثم يختِمَ ذلك بالوعدِ ¬في م: "بالوعيد".¥ على ما افْتَتحَ به ذكرَه مِن أفعالِهم، ويَفتتحَ ذكرَ مساوِي أفعالِ آخرين، ثم يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما ابْتَدأ به ذكرَه مِن أفعالِهم. فكذلك الصحيحُ مِن القولِ في الآياتِ التي افْتَتح فيها ذكرَ بعضِ مساوي أفعالِ المنافقين، أن يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما افْتَتح به ذكرَه مِن قبائحِ أفعالِهم.
فهذا هذا ¬سقط من: ص، ر.¥، مع دَلالةِ الآيةِ الأُخرى على صحةِ ما قلنا، وشهادتِها بأن الواجبَ من القراءةِ ما اخترْنَا، وأن الصوابَ مِن التأويلِ ما تَأَوَّلْنا، مِن أن وعيدَ اللَّهِ المنافقين في هذه الآيةِ العذابَ الأليمَ على الكذِبِ الجامعِ معنى الشكِّ والتكذيبِ، وذلك قولُ اللَّهِ جلّ ثَناؤُه: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 1، 2]. والآيةُ الأخرى في "المجادَلةِ": {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [المجادلة: 16]. فأخْبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن المنافقين - بقِيلِهم ما قالُوا لرسولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، مع اعتقادِهم فيه ما هم معتقدون - كاذِبون، ثم أخْبرَ تعالى ذكرُه أن العذابَ المُهِينَ لهم على ذلك مِن كَذِبِهم. ولو كان الصحيحُ مِن القراءةِ على ما قَرَأه القارئون في سورةِ "البقرةِ": (وَلَهُم عَذَاب
ٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبون). لكانتِ القراءةُ في السورةِ الأخرى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لمُكذِّبون). ليكونَ الوعيدُ لهم [مِن العذابِ المهينِ] ¬زيادة من: ر.¥ الذي هو عَقِيبَ ذلك وعيدًا على التكذيبِ لا على الكَذِبِ.
وفي إجماعِ المسلمين على أن الصوابَ مِن القراءةِ في قولِه: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}. بمعنى الكَذِبِ، وأنَّ إيعادَ اللَّهِ فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على ذلك مِن كَذِبِهم - أوضحُ الدَّلالةِ على أن الصحيحَ مِن القراءةِ في سورةِ "البقرةِ": {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. بمعنى الكَذِبِ، وأن الوعيدَ مِن اللَّهِ تعالَى ذكرُه للمنافقين فيها على الكذبِ حقٌّ، لا على التكذيب الذي لم يَجْرِ له ذكرٌ - نظيرَ الذي في سورةِ "المنافقين" سواءً.
وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنَّ "ما" من قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. اسمٌ للمصدرِ، كما أنَّ "أَنْ" والفعلَ اسمان للمصدرِ في قولِك ¬في ر: "قوله"، وفي ت 2: "مثل قوله".¥: أُحبُّ أن تأتيَني. وأنَّ المعنى إنما هو: بكَذِبِهم وتكذيبِهم. قال: وأَدْخل "كان" ليُخْبِرَ أنه كان فيما مضى، كما تقولُ ¬في ص، ت 2، م: "يقال".¥: ما أحسنَ ما كان عبدُ اللَّهِ. فأَنت تعجَبُ من عبدِ اللَّهِ لا من كَوْنِه، وإنما وقَع التعجُّبُ في اللفظِ على كونِه.
وكان بعضُ نحوييِّ الكوفةِ يُنكرُ ذلك من قولِه ويَسْتَخْطِئُه، ويقولُ: إنما أُلْغِيَت "كان" في التعجُّبِ لأن الفعلَ قد تقدَّمها، فكأنه قال: حَسَنًا كان زيدٌ، وحسَنٌ كان زيدٌ ¬في ت 2: "في التعجب لا".¥. يُبْطِلُ "كان"، ويُعْمِلُ مع الأسماءِ والصفاتِ التي بألفاظِ الأسماءِ إذا جاءتْ قبلَ "كان"، ووقعَتْ "كان" بينها وبين الأسماءِ. وأما العِلَّةُ في إبطالِها إذا أُبطِلَت في هذه الحالِ، فتشبيهُ ¬في م: "فشبه".¥ الصفاتِ والأسماءِ بـ "فعَل" و"يَفْعَلُ" التي ¬في م: "اللتين".¥ لا يظهَرُ عملُ "كان" فيهما، ألا ترى أنك تقولُ: يقومُ كان زيدٌ. فلا يظهَرُ عملُ "كان" في "يقومُ"؟ وكذلك: قام كان زيدٌ. فلذلك أُبْطل عملُها مع "فاعل" تمثيلًا بـ "فعَل" و"يفعلُ"، وأُعْملت مع "فاعل" أحيانًا؛ لأنه اسمٌ، كما تُعْملُ في الأسماءِ. فأما إذا تقدَّمت "كان" الأسماءَ والأفعالَ، وكان الاسمُ والفعلُ بعدَها، فخطأٌ عندَه أن تكونَ "كان" مُبْطَلَةً. فلذلك أحال قولَ البصريِّ الذي حكَيناه، وتأوَّل قولَ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ -: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ¬ضبطه في "ر" بضم الياء.¥}. أنه بمعنى: الذي يَكْذِبونه.