تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُم}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَقَالُوا}: وقالت اليهودُ والنصارَى، {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ}.
فإن قال قائلٌ: وكيف جمعَ اليهودَ والنصارَى في هذا الخبرِ، مع اختلافِ مقالةِ الفريقَيْن، واليهودُ تَدْفَعُ النصارَى عن أن يكونَ لها في ثوابِ اللهِ نصيبٌ، والنصارَى تَدْفَعُ اليهودَ عن مثلِ ذلك؟
قيل: إن معنى ذلك بخلافِ الذي ذهبْتَ إليه، وإنما عَنَى به: وقالت اليهودُ: لن يَدْخُلَ الجنةَ إلا من كان هودًا. وقالت النصارَى: لن يَدخُلَ الجنةَ إلا النصارَى. ولكنَّ معنى الكلامِ لما كان مفهومًا عند المخاطَبِين به معناه، جُمِع الفريقان في الخبرِ عنهما، فقيل: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ}.
[كما حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} الآية. قالت اليهودُ: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان يهوديًّا. وقالت النصارَى: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان نصرانيًّا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 492 عقب الأثر (1094) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
وأما قولُه: {مَنْ كَانَ هُودًا}. فإن في الهودِ قولين: أحدُهما، أن يكونَ جمعَ هائدٍ، كما عُوطٌ جمعُ عائطٍ ¬العُوط: الناقة إذا لم تحمل سنين من غير عُقْر. التاج (ع و ط).¥، وعُوذٌ جمعُ عائذٍ ¬العُوذ: الحديثات النِّتاج من الظباء والإبل والخيل ومن كل أنثى. التاج (ع و ذ).¥، وحُولٌ جمعُ حائلٍ ¬الحُول: كل حامل ينقطع عنها الحمل سنة أو سنوات حتى تحمل. التاج (ح و ل).¥، فيكونَ جمعًا للمذكرِ والمؤنثِ بلفظٍ واحدٍ، والهائدُ: التائبُ الراجعُ إلى الحقِّ.
والآخرُ، أن يكونَ مصدرًا أدَّى ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ عن الجميعِ، كما يقالُ: رجلٌ صَوْمٌ، وقَوْمٌ صَوْمٌ، ورجلٌ فِطْرٌ، وقومٌ فِطرٌ، ونسوةٌ فِطْرٌ.
وقد قيل: إن قولَه: {إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا}. إنما هو: إلا مَن كان يهودِيًّا. ولكنَّه حُذِفَت الياءُ الزائدةُ، ورجَع إلى الفعلِ من اليهوديةِ. وقيل: إنه في قراءةِ أُبيٍّ: (إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا) ¬معانى القرآن للفراء 1/ 73، وفيه أنها قراءة ابن مسعود أيضًا.¥.
وقد بَيَّنّا فيما مضَى معنى النصارَى، ولِمَ سُمِّيَت بذلك وجُمِعت كذلك، بما أَغْنَى عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في ص 32 - 34.¥.
وأما قولُه: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}. فإنه خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن قولِ الذين قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}. أنه أمانيُّ منهم يَتَمَنَّوْنها على اللهِ، بغيرِ حقٍّ ولا حُجَّةٍ ولا برهانٍ، ولا يقينِ علمٍ بصحةِ ما يَدَّعون، ولكنْ بادِّعاءِ الأباطيلِ وأمانيِّ النفوسِ الكاذبةِ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}: أمانيُّ يَتَمَنَّوْنها على اللهِ كاذبةٌ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 207 عقب الأثر (1095) معلقًا.¥.
وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}. قال: أمانيُّ تَمنَّوْا على اللهِ بغيرِ الحقِّ ¬اْخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 207 عقب الأثر (1095) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)}.
وهذا أمرٌ من اللهِ جل ثناؤُه لنبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بدعاءِ الذين قالُوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} إلى أمرٍ عَدْلٍ بين جميعِ الفِرَقِ؛ مُسلِمِيها ويهودِها ونصاراها، وهو إقامةُ الحجةِ على دَعْواهم التي ادَّعَوْا من أن الجنةَ لا يَدخُلُها إلا من كان هودًا أو نَصارَى. يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يا محمدُ، قلْ للزاعمِين أن الجنةَ لا يدخُلُها إلا من كان هودًا أو نصارَى، دون غيرِهم من سائرِ البشرِ: هاتُوا حُجَّتَكم ¬في م: "برهانكم".¥ على ما تزعُمون من ذلك، فنُسَلِّمَ لكم دَعْواكم، إن كنتم في دَعْواكم -مِن أن الجنةَ لا يدخُلُها إلا من كان هودًا أو نصارى- مُحِقِّين.
والبرهانُ: هو البيانُ والحجةُ والبيِّنةُ.
كما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}. يقولُ: هاتوا بَيِّنَتَكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 207 (1097) من طريق شيبان، عن قتادة بنحوه.¥.
وحدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}: هاتُوا حُجَّتَكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 207 عقب الأثر (1096) عن أبي زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}. قال: حُجَّتَكم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 207 عقب الأثر (1096) معلقًا.¥.
وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}. أي: حجَّتَكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 207 عقب الأثر (1096) من طريق ابن أبي جعفر.¥.
وهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ دعاءٍ للقائلين: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}. إلى إحضارِ حجةٍ على دَعْواهم ما ادَّعَوا من ذلك، فإنه بمعنى تكذيبٍ من اللهِ لهم في دَعْواهم وقيلِهم؛ لأنهم لم يكونوا قادِرين على إحضارِ برهانٍ على دَعْواهم تلك أبدًا.