تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: مُبدِعُها. وإنما هو مُفْعِلٌ، فصُرِفَ إلى فعيلٍ، كما صُرِفَ المؤلمُ إلى الأليمِ، والمسمعُ إلى السميعِ.
ومعنى المبُدعِ: المُنْشيء والمُحْدِثُ ما لم يَسبِقْه إلى إنشاءِ مثلِه وإحداثِه أحدٌ. ولذلك سُمِّىَ المُبْتدِعُ في الدينِ مُبتدِعًا؛ لإحداثِه فيه ما لم يَسبِقْه إليه غيرُه. وكذلك كلُّ مُحدِثٍ فعلًا أو قولًا لم يَتَقدمْه فيه مُتَقدِّمٌ، فإن العربَ تُسَميه مُبتدعًا، مِن ذلك قولُ أعْشَى بنى ثَعْلبةَ في مدحِ هَوْذةَ بنِ علىٍّ الحنفي ¬تقدم تخريجه في ص 380.¥:
يُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرجالِ إذا ... أبْدَوْا له الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا
أي: يُحْدِثُ ما شاء.
وقولُ رُؤْبةَ بنِ العجَّاجِ ¬ديوان رؤبة (مجموعة أشعار العرب) ص 87.¥:
فأيُّها الغاشِى القِذافَ ¬القذاف: سرعة السير. التاج (ق ذ ف).¥ الأَتْيَعا ¬في الديوان: "الأتبعا". والأتيع: المتتابع: أي التسارع في الحمق. التاج (ت ى ع).¥
إن كُنْتَ للهِ التَّقِىَّ الأطْوعَا
فليس وَجْهُ الحقِّ أن تَبَدَّعا
يعنى: أن تُحْدِثَ في الدينِ ما لم يَكُنْ فيه.
فمعنى الكلامِ: سُبحانَ اللهِ، أَنَّى يكونُ له ولدٌ وهو مالكُ ما في السماواتِ والأرضِ، تَشْهدُ له جميعُها بدلالتِها عليه بالوَحْدانيةِ، وتُقِرُّ له بالطاعةِ، وهو بارئُها وخالقُها، ومُوجدُها مِن غيرِ أصلٍ، ولا مِثالٍ احْتَذاها عليه!.
وهذا إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أنَّ مما يَشْهَدُ له بذلك المسيحُ الذي أضافوا إلى اللهِ بُنُوَّتَه، وإخبارٌ منه لهم أن الذي ابْتَدع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، وعلى غيرِ مِثالٍ، هو الذي ابْتَدع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقُدْرتِه.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. يقولُ: ابْتَدع خلقَها، ولم يَشْرَكْه في خلقِها أحدٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 214 عقب الأثر (1135) من طريق ابن أبى جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 110 إلى المصنف وابن أبي حاتم عن أبي العالية. وهو عند ابن أبي حاتم 1/ 214 (1135) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.¥.
وحدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السديِّ: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. يَقولُ: ابْتَدعها فخَلَقها، ولم يَخْلُقْ مثلَها شيئًا يتَمثَّلُ ¬في م: "فتتمثل"، وفي ت 1، ت 3: "فتمثل".¥ به ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 214 (1136) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117)}.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا}: وإذا أحْكَم أمرًا وحَتَمه. وأصلُ كلِّ قضاءٍ: الإحْكامُ والفراغُ منه. ومِن ذلك قِيلَ للحاكمِ بينَ الناسِ: القاضِى بينهم. لِفَصْلِه القضاءَ بينَ الخصومِ، وقَطْعِه الحكمَ بينَهم وفراغِه. ومنه قيل للميتِ: قد قضَى. يُرادُ به: فرَغ مِن الدنيا وفصَل منها. ومنه قيل: ما يَنْقضِى عَجَبِى مِن فلانٍ. يُرادُ: ما ينقطِعُ. ومنه قيل: تَقَضَّى النهارُ. إذا انْصَرم. ومنه قولُه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]. أي: فصَل الحكمَ فيه بينَ عبادِه بأمرِه إيَّاهم بذلك. وكذلك قولُه: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} [الإسراء: 4]. أي: أعْلَمناهم بذلك وأخْبَرناهم به، ففَرَغْنا إليهم منه. ومنه قولُ أبى ذُؤَيبٍ ¬ديوان الهذليين 1/ 19.¥:
وعليهما مَسْرُودتَانِ ¬مسرودتان: درعان. اللسان (س ر د).¥ قَضَاهما ... دَاودُ أو صَنَعُ ¬الصنع: الحاذق بالعمل. التاج (ص ن ع).¥ السوَابِغِ تُبَّعُ
ويُروَى:
*وتَعاوَرَا مَسْرُودتَين قَضَاهما*
ويَعْنى بقولِه: قضاهما: أحْكَمهما. ومنه قولُ الآخرِ في مدحِ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه ¬طبقات فحول الشعراء 1/ 133، وتأويل مشكل القرآن ص 343، وزهر الآداب 2/ 968، وقد نسب البيت إلى الشماخ، والى أخيه جزء، ونسبوه أيضًا إلى الجن.¥:
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتَ بعدَها ... بوَائِقَ في أكْمامِها لم تَفَتَّقِ
ويُروَى: بوائجَ ¬البوائج: جمع بائجة، وهي الداهية. التاج (ب و ج).¥.
وأما قولُه: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. فإنه يَعْني بذلك: وإذا أحْكَم أمرًا فحَتَمه فإنما يَقولُ له: كُنْ. فيكونُ ذلك الأمرُ على ما أمرَه اللهُ أن يكونَ وأرادَه.
فإنْ قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}؟ وفي أي حالٍ يقولُ للأمرِ الذي يَقْضِيه: كُنْ. أفى حال عدمِه -وتلك حالٌ لا يَجوزُ أمرُه، إذ كان مُحالًا أن يُؤْمرَ إلا مأمورٌ، فإذا لم يكنِ المأمورُ، اسْتَحال الأمرُ، كما محالٌ الأمرُ مِن غيرِ آمرٍ، فكذلك محالٌ الأمرُ مِن آمرٍ إلا لمأْمورٍ- أم يقولُ ذلك له في حالِ وجودِه، وتلك حالٌ لا يجوزُ أمرُه فيها بالحدوثِ؛ لأنه حادِثٌ موجودٌ، ولا يُقالُ للموجودِ: كُنْ موجودًا. إلا بغيرِ مَعْنَى الأمرِ بحدوثِ عَينِه؟.
قيل: قد تَنازَع المتأوِّلون معنى ذلك، ونحن مُخْبِرون بما قالوا فيه، والعللِ التي بها اعتلَّ كلُّ قائلٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فريق".¥ منهم لِقولِه في ذلك، فقال بعضهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن أمرِه المحتومِ -على وجهِ القضاءِ لمن قضَى عليه قضاءً مِن خلقِه الموجود- أنه إذا أمرَه بأمرٍ نفَذ فيه قضاؤُه، ومضى فيه أمرُه. نَظِيرُ أمرِه مَن أمَر مِن بني إسرائيل بأن يكونوا قِرَدةَ خاسِئين، وهم موجودون في حالِ أمرِه إيَّاهم بذلك، وحَتْمِ قضائِه عليهم بما قضَى فيهم، وكالذي خسَف به وبدارِه الأرضَ، وما أشْبَه ذلك مِن أمرِه وقضائِه، في من كان موجودًا مِن خلقِه في حالِ أمرِه المحتومِ عليه. فوجَّه قائِلو هذا القولِ قولَه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. إلى الخصوصِ دونَ العمومِ.
وقال آخرون: بل الآيةُ عامٌّ ظاهِرُها، فليس لأحدٍ أن يُحِيلَها إلى باطنٍ بغيرِ حُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها. وقالوا: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه عالمٌ بكلِّ ما هو كائنٌ قبلَ كونِه، فلما كان ذلك كذلك، كانت الأشياءُ التي لم تَكُن -وهى كائنةٌ، لعلمِه بها قبل كونِها- نَظائرَ التي هي موجودةٌ، فجاز أن يَقولَ لها: كونى. ويَأمرَها بالخروجِ مِن حالِ العدمِ إلى حالِ الوجودِ، لتَصوُّرِ جميعِها له، ولعلمِه بها في حالِ العدمِ.
وقال آخرون: بل الآيةُ وإن كان ظاهِرُها ظاهِرَ عمومٍ، فتأويلُها الخصوصُ؛ لأن الأمرَ غيرُ جائزٍ إلا لمأمورٍ على ما وصَفْتُ قبلُ. قالوا: وإذْ كان ذلك كذلك، فالآيةُ تأويلُها: وإذا قضى أمرًا؛ من إحياءِ مَيِّتٍ، أو إماتةِ حىٍّ، ونحوِ ذلك، فإنما يقولُ للحى: كُنْ ¬في الأصل: "كان".¥ مَيتًا. وللميتِ: كُنْ حيًّا. وما أشْبَه ذلك مِن الأمرِ.
وقال آخرون: بل ذلك مِن اللهِ جلّ ثناؤُه خبرٌ عن جميعِ ما يُنْشيءه ويُكَوِّنُه، أنه إذا قضاه وخلَقه وأنشَأه كان ووُجِدَ. ولا قولَ هنالك عندَ قائلى هذه المقالةِ إلا وجودُ المخلوقِ، وحدوثُ المَقْضىِّ. وقالوا: إنما قولُ اللهِ: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. نَظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأْسِه، وقال بيدِه. إذا حرَّك رأسَه وأوْمأ بيدِه، ولم يَقُلْ شيئًا. وكما قال أبو النَّجْمِ ¬اللسان (ح ن ق).¥:
قد ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ قالتِ الأنْساعُ للبَطْنِ الْحَقِ ¬الأنساع: جمع نسع، وهو سير مضفور تشد به الرحال، ولحق البطن لحوقًا: ضمر. اللسان (ن س ع، ل ح ق).¥
قِدْمًا فآضَتْ كالفَنِيقِ المُحنِقِ ¬آضت: رجحت. والفنيق: هو الفحل المكرم من الإبل الذي لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم. والمحنق: الضامر. اللسان (أ ى ض، ف ن ق، ح ن ق).¥
ولا قولَ هنالك، إنما عَنَى أن الظَّهْرَ قد لحق بالبطنِ. وكما قال عمرُو بنُ حُممةَ الدَّوْسِىُّ ¬معجم الشعراء ص 17.¥:
فأصْبَحْتُ [مِثْلَ النّسْرِ طارَتْ فراخُه] ¬في معجم الشعراء: "بين الفخ في العش ثاويا".¥ ... إذا رَامَ تَطْيَارًا يُقالُ له قَعِ
ولا قولَ هنالك، وإنما معناه: إذا رام طَيَرانًا وقَع. وكما قال الآخرُ ¬أمالي ابن الشجرى 1/ 313، ومجالس ثعلب ص 189.¥:
امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِى
مَهْلًا ¬في الأصل، م، ت 2، ت 3: "سيلا".¥ رُوَيْدًا قَدْ مَلأْتَ بَطْنى
وأولى الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. أن يُقالَ: هو عامٌّ في كلِّ ما قضاه اللهُ ودبَّره ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "برأه".¥، لأن ظاهِرَ ذلك ظاهِرُ عمومٍ، وغيرُ جائزٍ إحالةُ الظاهرِ إلى الباطنِ مِن التأويلِ بغيرِ برهانٍ؛ لما قد بَينَّا في كتابِنا "كتابِ البيان عن أصولِ الأحكامِ". وإذ كان ذلك كذلك، فأمرُ اللهِ تعالى ذكرُه للشيء إذا أراد تكوينَه موجودًا بقولِه: {كُنْ}. في حالِ إرادتِه جل ثناؤُه إيّاه مُكَوَّنًا ¬في ت 1، ت 2: "تكوينا".¥، لا يَتقدَّمُ وجودَ ¬في م: "وجوده".¥ الذي أراد إيجادَه وتكوينَه، إرادتَه إيَّاه، ولا أمرَه بالكونِ والوجودِ - ولا يَتأخَّرُ عنه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ الشيء مأمورًا بالوجودِ مرادًا كذلك إلا وهو موجودٌ، ولا أن يكونَ موجودًا إلا وهو مأمورٌ بالوجودِ مرادٌ كذلك. ونظيرُ قولِه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. قولُه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25]. بأن خروجَ القومِ مِن قبورِهم لا يَتقدّ
َمُ دُعاءَ اللهِ إيَّاهم ولا يتأخَّرُ عنه.
ويُسألُ مَن زعَم أن قولَه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} خاصٌّ في التأويلِ -اعْتِلالًا بأن أمْرَ غيرِ الموجودِ غيرُ جائزٍ- عن دَعْوةِ أهلِ القبورِ، أقبْلَ خُروجِهم مِن قبورِهم أم بعدَه ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "بعدها".¥، أم هي في خاصٍّ مِن الخلقِ؟ فلن يقولَ في ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخَرِ مثلَه.
وأمَّا ¬في م: "يسأل".¥ الذين زعَموا أن معنى قولِه جل ثناؤُه: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. نظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأسِه أو بيدِه. إذا حرَّكه أو أوْمَأ. ونَظيرُ قولِ الشاعرِ [مُخبرًا عن ناقتِه] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.
والبيت للمثقب العبدى، وهو في ديوانه ص 195.¥:
تقولُ إذا دَرَأْتُ ¬درأت وضين البعير: إذا بسطه على الأرض ثم أبركته عليه لتشده به. التاج (د ر أ).¥ لها وَضِينِى ¬الوضين: بطان عريض منسوج من سيور أو شعر. اللسان (و ض ن).¥ ... أهذا دِينُه أبدًا ودِينِى ¬الدين: العادة. اللسان (د ى ن).¥
وما أشْبَهَ ذلك، فإنهم لا صوابَ اللغةِ أصابوا، ولا كتابَ اللهِ وما دلَّت على صحتِه الأدلةُ اتَّبَعُوا، فيُقالُ لقائلى ذلك: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عن نفسِه أنه إذا قضَى أمرًا قال له: كُنْ. أفتُنْكِرون أن يكونَ قائلًا ذلك؟ فإن أنْكَروه كذَّبوا بالقرآنِ، وخرَجوا مِن الملةِ.
وإن قالوا: بل نُقِرُّ به، ولكنا نَزْعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال. ولا قولَ هنالك، وإنما ذلك خبرٌ عن مَيْلِ الحائطِ. قيل لهم: أفتُجِيزون للمُخْبِرِ عن الحائطِ بالمَيْلِ أن يقولَ: إنما قولُ الحائطِ إذا أراد أن يَميلَ أن يقولَ هكذا فيَمِيلَ؟
فإن أجازوا ذلك، خرَجوا مِن معروفِ كلامِ العربِ، وخالفُوا مَنْطِقَها وما يُعْرَفُ في لسانِها.
وإن قالوا: ذلك غيرُ جائزٍ. قيل لهم: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبرَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أخبرهم".¥ عن نفسِه أن قولَه للشيء إذا أراده أن يقولَ له: كُنْ. فيكونُ. فأعْلَم عبادَه قولَه الذي يكونُ به الشيء، ووصَفه ووكَّده. وذلك عندَكم غيرُ جائزٍ في العبارةِ عما لا كلامَ له ولا بيانَ، في مثلِ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال. فكيف لم تَعْلَموا بذلك فَرْقَ ما بينَ قولِ اللهِ: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. وقولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال؟ وللبيانِ عن فسادِ هذه المَقالةِ موضعٌ غيرُ هذا، نَأْتِى فيه على القولِ بما فيه الكِفايةُ إن شاء اللهُ.
وإذْ كان الأمرُ في قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}. هو ما وصَفْنا، مِن أن حالَ أمْرِه الشيء بالوجودِ حالُ وجودِ المأمورِ بالوجودِ، فَبَيِّنٌ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فتبين".¥ بذلك أن الذي هو أولى بقولِه: {فَيَكُونُ}. [أن يكونَ رفعًا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "رفع".¥ على العطفِ على قولِه: {يَقُولُ}. لأن القولَ والكونَ حالُهما واحدةٌ. وهو نظيرُ قولِ القائلِ: تاب فلانٌ فاهْتَدَى، واهْتَدَى فلانٌ فتاب. لأنه لا يكونُ تائبًا إلا وهو مُهْتَدٍ، ولا مُهْتَدِيًا إلا وهو تائبٌ. فكذلك لا يكونُ أن يَكونَ اللهُ آمِرًا شيئًا بالوجودِ إلا وهو موجودٌ، ولا موجودًا إلا وهو آمِرُه بالوجودِ.
ولذلك اسْتَجاز مَن استجاز نَصْبَ (فيكونَ) مَن قرَأ: (إنما قولُنا لشيء إذا أرَدْناه أن نقولَ له كنْ فيكونَ) ¬النصب والرفع قراءتان سيأتي تخريجهما في موضعه من التفسير.¥ [النحل: 40]. بالمعنى الذي وصَفْنا على معنى: أن نقولَ فيكونَ.
وأمَّا رَفْعُ مَن رفَع ذلك، فإنه رأي أن الخبرَ قد تمَّ عندَ قولِه: {إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ}. إذ كان معلومًا أن اللهَ إذا حتَم قضاءَه على شيء، كان المحتومُ عليه موجودًا، ثم ابْتَدَأ بقولِه: {فَيَكُونُ}. كما قال جلَّ ثناؤُه: {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الحج: 5]. وكما قال ابنُ أحْمرَ ¬المعانِي الكبير 2/ 846، والكتاب 3/ 54.¥:
يُعالِجُ عاقِرًا أَعْيَتْ علَيه ... لِيُلْقِحَها فيَنْتِجُها حُوَارَا ¬الحوار: ولد الناقة ساعة تضعه أمه خاصة. التاج (ح و ر).¥
يُريدُ: فإذا هو يَنْتِجُها حُوَارَا.
فمعنى الآيةِ: وقالوا اتَّخَذ اللهُ ولدًا. سبحانَه أن يكونَ له ولدٌ، بل هو مالكُ السماواتِ والأرضِ وما فيهما، كلُّ ذلك له مُقِرٌّ بالعبوديَّةِ، بدلالتِه على وَحْدانيتِه. فإني يكونُ له ولدٌ، وهو ابْتَدَع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، كما الذي ابْتَدَع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقدرتِه وسلطانِه، الذي لا يَتَعَذَّرُ عليه به شيء أراده، بل إنما يقولُ له إذا قضاه فأراد تكوينَه: كُنْ. فيكونُ موجودًا كما أراده وشاءَه، فكذلك كان ابتداعُه المسيحَ وإنشاؤُه، إذ أراد خَلْقَه مِن غيرِ والدٍ.