تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: ولئن جئتَ يا محمدُ اليهودَ والنصارَى بكلِّ برهانٍ وحُجةٍ، وهي الآيةُ، بأن الحقَّ هو ما جئتَهم به من فرضِ التحوُّلِ من قِبلةِ ييتِ المقدسِ في الصلاةِ إلى قبلةِ المسجدِ الحرامِ، ما صدَّقوا به ولا تبِعوا -مع قيامِ الحُجَّةِ عليهم بذلك- قبلتَك التي حولتُك إليها، وهي التوجُّهُ شَطرَ المسجدِ الحرامِ.
وأُجِيبتْ {وَلَئِنْ} بالماضى من الفعلِ، وحكْمُها الجوابُ بالمستقبلِ، تشبيهًا لها بـ "لو"، فأجِيبت بما تُجابُ به "لو" لتقارُبِ معنَيَيْهما. وقد مضَى البيانُ عن نظيرِ ذلك فيما مضَى ¬ينظر ما تقدم في ص 372، وينظر معانى القرآن 1/ 84.¥. وأُجِيبتْ {وَلَئِنْ} ¬في م: "لو".¥ بجوابِ الأيْمانِ، ولا تفعَلُ العربُ ذلك إلا في الجزاءِ خاصةً؛ لأن الجزاءَ مُشابهُ اليمينِ في أن كلَّ واحدٍ منهما لا يَتِمُّ أولُه إلا بآخرِه، ولا يتمُّ وحدَه، ولا يصِحُّ إلَّا بما يؤكَّدُ به بعدَه. فلما بدَأ باليمينِ فأُدخِلت على الجزاءِ، صارت اللامُ الأُولى بمنزلةِ يمينٍ، والثانيةُ بمنزلةِ جوابٍ لها، كما قيل: لعمرُكَ لتقُومَنَّ. إذْ كثُرت اللامُ من "لعمرُك" حتى صارت كحرفٍ من حروفِه، فأُجِيبتْ بما تجابُ به الأيمانُ، إذْ كانت اللامُ تنوبُ في الأيْمانِ عن الأيمانِ دونَ سائرِ الحروفِ غيرِها ¬في م، ت 2، ت 3: "غير".¥ التي هي أجوبةُ الأيمانِ، فتدلُّ على الأيمانِ، وتعمَلُ عملَ الأجوبةِ، ولا تدُلُّ سائرُ أجوبةِ الأيمانِ ¬بعده في م، ت 2، ت 3: "لنا".¥ على الأيمانِ، فشُبهت اللَّامُ التي [هى جوابٌ للأيمانِ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فى جواب الأيمان".¥ بالأيمانِ،
لما وصفْنا، فأُجِيبتْ بأجوبتِها.
فكان معنى الكلامِ، إذ كان الأمرُ على ما وصفْنا: [واللهِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ لو أتيتَ الذين أُوتوا الكتابَ بكلِّ آيةٍ ما تبِعوا قبلتَك.
وأما قولُه: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} يقولُ: وما لكَ من سبيلٍ يا محمدُ إلى اتِّباعِ قبلتِهم، وذلك أن اليهودَ تستقبِلُ بيتَ المقدسِ بصلاتها، وأن النصارى تستقبِلُ المشرِقَ، فإني يكونُ لك السبيلُ إلى اتباعِ قبلتِهم مع اختلافِ وُجوهِها؟! يقولُ: فالزَمْ قبلتَك التي أُمرتَ بالتوجُّهِ إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهودُ والنصارى، وتدعُوك إليه مِن قِبلتِهم واستقبالِها.
وأما قولُه: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} فإنه يَعنى: وما اليهودُ بتابعةٍ قبلةَ النصارى، وما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لا".¥ النصارَى بتابعةٍ قبلةَ اليهودِ، فمتوجِّهةٌ نحوَها.
كما حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} يقولُ: ما اليهودُ بتابِعى قبلةِ النصارَى، ولا النصارَى بتابِعى قبلةِ اليهودِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 147 إلى المصنف.¥. قال: وإنما أُنزِلت هذه الآيةُ من أجلِ أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما حُوِّل إلى الكعبةِ، قالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاق إلى بلدِ أبيه ومَولِده، ولو ثبَت على قبلتِنا لكنا نَرْجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذي ننتَظِرُ. فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} إلى قولِه: {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 255 (1365) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وتقدم أوله في ص 624.¥.
وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} مثلَ ذلك.
وإنما قلنا ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك أن اليهودَ والنصارَى لا تجتمِعُ على قبلةٍ واحدةٍ، مع إقامةِ كلِّ حزبٍ منهم على مِلَّتِه. فقال تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يا محمدُ لا تُشْعِرْ نفْسَك رضا هؤلاء اليهودِ والنصارَى، فإنه أمرٌ لا سبيلَ إليه؛ لأنهم مع اختلافِ مِلَلِهم لا سبيلَ لك إلى إرضاءِ كلِّ حزْبٍ منهم، من أجْلِ أنك إن اتبَعتَ قبلةَ اليهودِ أسخَطتَ النصارَى، وإن اتبَعتَ قبلةَ النصارَى أسخَطتَ اليهودَ، فدعْ ما لا سبيلَ إليه، وادْعُهم إلى ما لهم السبيلُ إليه، من الاجتماعِ على مِلَّتِك الحنيفيَّةِ المُسلِمةِ، وقبلتِك قبلةِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه والأنبياءِ من بعدِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145)}.
يعنى بقولِه جلَّ ذكرُه: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} ولئن التمَستَ يا محمدُ رضَا هؤلاءِ اليهودِ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [البقرة: 135]. فاتبَعْتَ قبلَتَهم، يَعنى: فرجَعْتَ إلى قبلَتِهم.
ويَعنى بقولِه: {مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} من بعدِ ما وصَل إليك من العلمِ، بإعلامِى إياك أنهم مقيمون على باطلٍ، على ¬في م: "وعلى".¥ عنادٍ منهم للحقِّ، ومعرفةٍ منهم بأن ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أن".¥ القبلةَ التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فَرضْتُ على أبيكَ إبراهيمَ، صلواتُ اللهِ عليه وسائرِ ولدِه، [ومَن] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "من".¥ بعدَه من الرسلِ، التوجُّهَ نحوَها.
{إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} يعنى: إنك، إذا فعَلتَ ذلك، من عبادي الظلَمةِ أنْفسَهم، المخالِفين أمرى، والتارِكين طاعتي، وأحدُهم [وفى] ¬في الأصل: "فى".¥ عِدادِهم.