تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ}.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}. وقد علمتَ أن الهاءَ والميمَ من قولِه: {مَثَلُهُمْ} كنايةُ جماعٍ ¬في م: "جماعة".¥ من الرجالِ، أو الرجالِ والنساءِ، و {الَّذِي} دلالةٌ على واحدٍ من الذكور، فكيف جعَل الخبرَ عن الواحدِ مثلًا لجماعةٍ؟ وهلَّا قيل: مثلُهم كمثلِ الذين اسْتَوقدوا نارًا؟ وإن جاز عندَك أن تُمثَّلَ الجماعةُ بالواحدِ، فتُجيزَ لقائلٍ رأي جماعةً من الرجالِ فأعْجَبتْه صُوَرُهم وتمامُ خلقِهم وأجسامِهم أن يقولَ: كَأن هؤلاء، أو كأن أجسامَ هؤلاء نخلةٌ؟
قيل: أمّا في الموضعِ الذي مثَّل ربُّنا جلَّ ثناؤُه جماعةً من المنافقين بالواحدِ الذي جعَله لأفعالِهم مثلًا، فجائزٌ حسنٌ، وفي نظائرِه، كما قال جلَّ ثناؤُه في نظيرِ ذلك: {تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [الأحزاب: 19]. يَعْني: [كدَوْرِ أعينِ الذين يُغْشَى عليهم] ¬في ت 1: "كدوران الذي يغشى عليه"، وفي م: "كدوران عين الذي يغشى عليه".¥ من الموتِ. وكقولِه: {مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [لقمان: 28]. بمعنى: إلا كبعثِ نفسٍ واحدةٍ.
وأمّا في تمثيلِ أجسامِ الجماعةِ من الرجالِ في الطولِ وتمامِ الخلقِ بالواحدةِ من النخيلِ، فغيرُ جائزٍ، ولا في نظائرِه، لفرقٍ بينَهما.
فأما تمثيلُ الجماعةِ من المنافقين بالمستوقِد الواحدِ، فإنما جاز لأن المرادَ من ¬في ص: "بمثل".¥ الخبرِ عن مَثَلِ المنافقين ¬في ص، ت 2: "المنافق".¥ الخبرُ عن مثَلِ استِضاءتِهم بما أظهَروا بألسنتِهم من الإقرارِ ¬بعده في ت 2: "والمراد هم الأفراد".¥ وهم لغيرِه مستبطِنون، من اعتقاداتِهم الرديَّةِ، وخلطِهم نفاقَهم الباطنَ بالإقرارِ بالإيمانِ الظاهرِ. والاستضاءةُ - وإن اخْتَلفَت أشخاصُ أهلِها - معنًى واحدٌ لا معانٍ مختلفةٌ، فالمَثَلُ لها ¬في ص، ت 1: "له".¥ في معنى المثلِ للشخصِ الواحدِ من الأشياءِ المختلفةِ الأشخاصِ.
وتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بما أظْهَروا من الإقرارِ باللهِ عزَّ وجلَّ وبمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به، قولًا، وهم به مكذِّبون اعتقادًا، كمثَلِ استضاءة الموُقدِ نارًا. ثم أُسقِط ذكرُ الاستضاءةِ وأُضِيف المثلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدةَ ¬شعر النابغة الجعدي ص 26.¥:
وكيف تواصِلُ من أصْبَحتْ ... خِلالتُه ¬الخلالة والخلة: الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل. اللسان (خ ل ل)، والبيت فيه.¥ كأبي مَرْحَبِ ¬أبو مرحب: كنية الظل. اللسان (ر ح ب)، والبيت فيه.¥
يريدُ: كخِلالةِ أبي مرحبٍ. فأسْقَط "خِلالَةَ"؛ إذ كان فيما أظْهَر من الكلامِ دلالةٌ لسامعيه على ما حذَف منه.
فكذلك القولُ في قولِه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} لما كان معلومًا عندَ سامعيه بما ظهَر ¬في ص، م، ت 1: "أظهر".¥ من الكلامِ أن المثَلَ إنما ضُرِب لاستضاءةِ القومِ بالإقرارِ دونَ أعيانِ أجسامِهم، حسُن حذفُ ذكرِ الاستضاءةِ وإضافةُ المثلِ إلى أهلِه، والمقصودُ بالمثَل ما ذكَرنا. فلِما وصَفنا جاز وحسُن قولُه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}. وتَشْبيهُ ¬في ص، م، ت 2: "يشبه".¥ مثَلِ الجماعةِ في اللفظِ بالواحدِ، إذ كان المرادُ بالمثَلِ الواحدَ في المعنى. وأما إذا أُريد تشبيهُ الجماعةِ من أعيانِ بني آدمَ، أو أعيانِ ذوي الصورِ والأجسامِ بشيْءٍ، فالصوابُ من الكلامِ تشبيهُ الجماعةِ بالجماعةِ، والواحدِ بالواحدِ؛ لأن عينَ كلِّ واحدٍ منهم غيرُ أعيانِ الآخرينَ، ولذلك من المعنى افْتَرَق القولُ في تشبيهِ الأفعالِ والأسماءِ، فجاز تشبيهُ أفعالِ الجماعةِ من الناسِ وغيرهم -[إذا كانت] ¬في ت 2: "إذا كان"، وفي ت 1: "إذ كانوا".¥ بمعنًى واحدٍ - بفعلِ الواحدِ، ثم حذفُ أسماءِ الأفعالِ، وإضافةُ المثَلِ والتشبيهِ إلى الذين لهم الفعلُ، فيقالُ: ما أفعالُكم إلا كفعلِ الكلبِ. ثم يُحذفُ فيقالُ: ما أفعالُكم إ
لا كالكلبِ، أو ¬في ر: "وإلا".¥ كالكلابِ. وأنت تعني: إلّا كفعلِ الكلبِ، وإلّا كفعل الكلابِ. ولم يَجُزْ أن تقولَ: ما هم إلا نخلةٌ. وأنت تريدُ تشبيهَ أجسامِهم بالنخلِ في الطولِ والتمامِ.
وأما قولُه: {اسْتَوْقَدَ نَارًا}. فإنه في تأويلِ: أوْقَد، كما قال الشاعرُ ¬هو كعب بن سعد الغنوي، والبيت في الأصمعيات ص 96، وطبقات فحول الشعراء 1/ 213، وأمالي القالي 2/ 151.¥:
ودَاعٍ دَعَا يا من يُجيبُ إلى النَّدَى ¬الندى: الجود. الصحاح (ن د ى).¥ ... فلم يَسْتَجِبْه عندَ ذاك مُجيبُ
يريدُ: فلم يُجِبْه.
فكان معنى الكلامِ إذن: مثَلُ استضاءةِ هؤلاء المنافقين في إظهارِهم لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين بألسنتِهم من قولِهم: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخرِ، وصدَّقنا بمحمدٍ وبما جاء به. وهم للكفرِ مستبطِنون، فيما ¬في ت 2: "مما".¥ اللهُ فاعلٌ بهم، مثَلُ استضاءةِ موقِدٍ نارًا بنارِه، حتى أضاءت له النارُ ما حولَه. يعني ما حَولَ المستوقِدِ.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن {الَّذِي} في قولِه: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} بمعنى الذين، كما قال جلَّ ثناؤُه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33]. وكما قال الشاعرُ ¬هو الأشهب ابن رميلة، والبيت في الكتاب 1/ 187، والمؤتلف والمختلف ص 37.¥:
فإن الذي حانت بفَلْجٍ ¬فلج: موضع بين البصرة وحمى ضرية. وقيل: هو واد بطريق البصرة إلى مكة، ببطنه منازل للحاج. التاج (ف ل ج).¥ دماؤُهُمْ ... هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالدِ قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ هو القولُ؛ لِما وصَفْنا من العلةِ، وقد أغْفَل قائلُ ذلك فرقَ ما بينَ "الذي" في الآيتين وفي البيتِ؛ لأن {الَّذِي} في قولِه: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} قد جاءت الدَّلالةُ عدي أن معناها الجمعُ، وهو قولُه: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}. وكذلك "الذي" في البيتِ، وهو قولُه: دماؤُهم. وليست هذه الدَّلالةُ في قولِه: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}. فذلك فرقُ ما بينَ {الَّذِي} فما قولِه: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} وسائرِ شواهدِه التي اسْتَشهد بها على أن معنى: {الَّذِي} في قولِه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} بمعنى الجماعِ ¬في م: "الجماعة".¥، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ نقلُ الكلمةِ التي ¬في ص: "إلى"، وفي م: "التي هي".¥ الأغلبُ في استعمالِ العربِ على معنًى إلى غيرِه إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فرُوِي عن ابنِ عباسٍ فيه أقوالٌ: أحدُها: ما حدَّثني به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ضرَب اللهُ للمنافقين مثلًا فقال: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} أي: يُبصِرون ¬في سيرة ابن هشام: "لا يبصرون".¥ الحقَّ ويقولون به، حتى إذا خرَجوا به من ظُلمةِ الكفرِ، أطفئوه بكفرِهم به ونقاقِهم فيه، فترَكهم في ظلماتِ الكفرِ، فهم لا يُبصِرون هدًى، ولا يَسْتقيمون على حقٍّ ¬سيرة ابن هشام 1/ 532، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 52 (168) من طريق سلمة به، وستأتي بقية هذا الأثر في ص 347، 349، 367، 381.¥.
والآخرُ: ما حدَّثنا به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} إلى آخِرِ الآيةِ: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون ¬في ر: "يغترون"، وفي ت 2: "يعبرون".¥ بالإسلامِ، فيناكحُهم المسلمون، [ويُوارِثونهم] ¬سقط من: ص.¥، ويقاسمونهم الفَيْءَ، فلما ماتوا سلَبهم اللهُ ذلك العزَّ، كما سلَب صاحبَ النارِ ضوءَه، {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ}. [يقولُ: في] ¬في ت 1: "قال".¥ عذابٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 50 (158) من طريق أبي صالح به إلى قوله: ضوءه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 32 إلى ابن المنذر والصابوني في المائتين. وستأتي بقية هذا الأثر في ص 348.¥.
والثالثُ: ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ}: زعَم أن أُناسًا دخَلوا في الإسلامِ مقدَمَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ، ثم إنهم نافقوا، فكان مثَلُهم كمثَلِ رجلٍ كان في ظلمةٍ، فأوْقَد نارًا فأضاءت له ¬سقط من: ص، ت 1.¥ ما حولَه من قَذًى أو أذًى، فأبْصَره حتى عرَف ما يَتَّقي، فبينا هو كذلك إذ طُفِئت نارُه، فأقْبَل لا يَدْرى ما يَتَّقي من أَذًى، فكذلك المنافقُ، كان في ظلمةِ الشركِ، فأسْلم فعرَف الحلالَ من الحرامِ، والخيرَ من الشرِّ، فبينا هو كذلك إذ كفَر، فصار لا يعرِفُ الحلالَ من الحرامِ، ولا الخيرَ من الشرِّ، وأما النورُ فالإيمانُ بما جاء به محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، وكانت الظلمةُ نفاقَهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 81 عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 3
2 إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة، إلى قوله: من الشر. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 51 (162) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر. وستأتي بقية هذا الأثر في ص 347، 349، 368.¥.
والآخر: ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ ¬في م: "سعيد".¥، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، عن أبيه، عن جدِّه ¬في ص: "أبيه".¥، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}، إلى {فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}: ضرَبه اللهُ مثلًا للمنافقِ، وقولُه: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ}. قال: أما النورُ فهو إيمانُهم الذي يتكلَّمون به، وأما الظلمةُ فهي ضلالتُهم وكفرُهم الذي ¬زيادة من: ر.¥ يتكلَّمون به، وهم قومٌ كانوا على هدًى، ثم نُزِع منهم فعَتَوا ¬في ر: "فعموا".¥ بعدَ ذلك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 32 إلى المصنف إلى قوله: وكفرهم.
وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 81 عن العوفي به. وستأتي بقية هذا الأثر في ص 369.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني به بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ}: وإن المنافقَ تكلَّم بـ "لا إلَه إلا اللهُ"، فأضاءت له في الدنيا، فناكَح بها المسلمين، وعادَّ ¬في ص، ت 2: "عادا"، وفي ر، ت 1، والدر المنثور: "غازى". والمعنى: شارك. يقال: هم يتعادون. إذا اشتركوا فيما يعاد فيه بعضهم بعضا من مكارم أو غير ذلك من الأشياء كلها. تاج العروس (ع د د).¥ بها المسلمين، ووارَث بها المسلمين، وحقَن بها دمَه ومالَه، فلما كان عندَ الموتِ سُلِبها المنافقُ؛ لأنَّه لم يكنْ لها أصلٌ في قلبِه، ولا حقيقةٌ في عمَلِه ¬في ص، ر، م، ت 2: "علمه".
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 33 إلى المصنف وعبد بن حميد. وسيأتي تمامه في ص 348، 371.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ}: وهي لا إلَهَ إلا اللهُ، أضاءت لهم فأكلوا بها وشرِبوا، وأمِنوا في الدنيا، ونكَحوا النساءَ، وحقَنوا ¬بعده في م: "بها".¥ دماءَهم، حتى إذا ماتوا ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون.
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني أبو تُمَيلةَ ¬في م: "نميلة". وينظر تهذيب الكمال 32/ 22.¥، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ، عن الضحّاكِ بنِ مُزاحمٍ قولَه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ}. قال: أما النورُ فهو إيمانُهم الذي يتكلَّمون به، وأما الظلماتُ فهي ضلالتُهم وكفرُهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 51، 52 (165، 169) من طريق علي بن الحكم، عن الضحاك.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ}. قال: أما إضاءةُ النارِ، فإقبالُهم إلى المؤمنين و ¬سقط من: ص، ر، ت 1، ت 2.¥ الهدَى، وذهابُ نورِهم إقبالُهم إلى الكافرين و ¬تفسير مجاهد ص 197، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 51 (161، 163). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 33 إلى عبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص 370، 378.¥ الضلالةِ ¬في ت 2: "كما".¥.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ}: أما إضاءةُ النارِ، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدى، وذهابُ نورِهم إقبالُهم إلى الكافرين والضلالةِ.
حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: ضرَب مثَلَ أهلِ النِّفاقِ فقال: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}. قال: إنما ضَوْءُ النارِ ونُورُها ما أوقدْتَها، فإذا خمَدت ذهَب نورُها، كذلك المنافقُ، كلما ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 50 (159) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.¥ تكلَّم بكلمةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ وقَع في الظلمةِ ¬¥.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} إلى آخرِ الآيةِ.
قال: هذه صفةُ المنافقين، كانوا قد آمَنوا حتى أضاء الإيمانُ في قلوبِهم، كما أضاءت النارُ لهؤلاء الذين اسْتَوْقَدوا، ثم كفَروا فذَهب اللهُ بنورِهم، فانْتَزَعه كما ذهَب بضوءِ هذه النارِ، فترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 81 عن ابن زيد.¥.
وأوْلى التأويلاتِ بالآيةِ ما قاله قتادةُ والضحَّاكُ، وما رواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما ضرَب هذا المثلَ للمنافقين الذين وصَف صفتَهم وقصَّ قَصَصَهم، من لدنِ ابْتَدأ بذكرِهم بقولِه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ¬بعده في م: "أي".¥} لا [للمُعالِنين بالكفرِ] ¬في ر: "المعالنين الكفر"، وفي م: "المعلنين بالكفر".¥ المجاهرين بالشركِ. ولو كان المثلُ لمن آمَن إيمانًا صحيحًا ثم أعْلن بالكفرِ ¬في ص، ت 2: "الكفر".¥ إعلانًا صحيحًا - على ما ظنَّ المتأوِّلُ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} أن ضوءَ النارِ ¬في ت 1: "النهار".¥ مثَلٌ لإيمانِهم الذي كان منهم عندَه على صحةٍ، وأن ذَهابَ نورِهم مثَلٌ لارتدادِهم وإعلانِهم الكفرَ على صحةٍ - لم يكنْ هناك من القومِ خِداعٌ ولا استهزاءٌ عندَ أنفسِهم ولا نِفاقٌ. وأنَّى يكونُ خِداعٌ ونفاقٌ ممَّن لم يُبدِ لك قولًا ولا فعلًا إلا ما أوْجَب لك العلمَ بحالِه التي هو لك عليها، وبع
زيمةِ نفسِه التي هو مقيمٌ عليها؟ إن هذا لغيرِ ¬في ت 1، م: "بغير".¥ شكٍّ من النِّفاقِ بعيدٌ، ومن الخِداعِ برئٌ، وإن ¬في ر: "فلو"، وفي ت 2، م: "فإن".¥ كان القومُ لم تكنْ لهم إلا حالتان؛ حالُ إيمانٍ ظاهرٍ، وحالُ كفرٍ ظاهرٍ، فقد سَقَط عن القومِ اسمُ النفاقِ؛ لأنهم في حالِ إيمانِهم الصحيحِ كانوا مؤمنين، وفي حالِ كفرِهم الصحيحِ كانوا كافرين، ولا حالةَ هنالك ثالثةً كانوا بها منافقين. وفي وصفِ اللهِ جلَّ ثناؤُه إيَّاهم بصفةِ النفاقِ ما يُنْبئُ عن أن القولَ غيرُ القولِ الذي زعَمه مَن زعَم أن القومَ كانوا مؤمنين ثم ارتدُّوا إلى الكفرِ فأقاموا عليه، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد أنهم انْتَقلوا من إيمانِهم الذي كانوا عليه إلى الكفرِ الذي هو نفاقٌ، وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَكْ صحتُه إلَّا بخَبَرٍ مستفيضٍ، أو ببعضِ المعاني الموجبةِ صحَّتَه. فأما في ظاهرِ الكتابِ، فلا دلالةَ على صحَّتِه؛ لاحتمالِه من التأويلِ ما هو أوْلَى به منه.
فإذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا في ذلك، فأوْلَى تأويلاتِ الآيةِ بالآيةِ: مثَلُ استضاءةِ المنافقين - بما أظْهَروا بألسنتِهم لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من الإقرارِ به، وقولِهم له وللمؤمنين: آمَنَّا باللهِ وكتُبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ. حتى حُكِم لهم بذلك في عاجلِ الدنيا بحكمِ المسلمين في حقنِ الدماءِ والأموالِ، والأمنِ على الذرِّيَّةِ من السِّباءِ، وفي المناكحةِ والموارثةِ - كمثلِ استضاءةِ الموقِدِ النارَ بالنارِ، حتى ¬بعده في ت 1: "إذا".¥ ارْتَفق بضيائِها، وأبْصَر به ¬سقط من: ص، م.¥ ما حولَه مستضيئًا بنورِه من الظلمةِ، حتى خمَدت النارُ وانطفأت، فذهَب نورُه، وعاد المستضئُ به في ظلمةٍ وحَيْرةٍ.
وذلك أن المنافقَ لم يزَلْ مستضيئًا بضوءِ القولِ الذي دافعَ عنه في حياتِه القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانِه ما كان مستوجِبًا به القتلَ وسلبَ المالِ لو أظْهَره بلسانِه، تُخَيِّلُ إليه بذلك نفسُه أنه باللهِ ورسولِه والمؤمنين مستهزئٌ مخادعٌ، حتى سوَّلت له نفسُه إذ ورَد على ربِّه في الآخرةِ أنه ناجٍ منه بمثلِ الذي نجا به في الدنيا من الكذبِ والنفاقِ. أوَ ما تسمَعُ اللهَ جَلَّ ثناؤُه يقولُ إذ نعَتهم ¬في ت 2: "بعثهم".¥، ثم [أخْبَر خبرَهم] ¬في م: "أخبرهم".¥ عندَ ورودِهم عليه: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18]. ظنًّا من القومِ أن نجاءَهم ¬في م: "نجاتهم".¥ من عذابِ اللهِ في الآخرةِ، في مثلِ ¬سقط من: ر، ت 2.¥ الذي كان به نجاؤُهم (3) من القتلِ والسِّباءِ ¬بعده في ت 1: "والكذب".¥ وسلبِ المالِ ¬في ص: "الأموال".¥ في الدنيا، من الكذبِ والإفكِ، وأن خداعَهم نافعُهم هنالك نفعَه إيَّاهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمرِ اللهِ ما أيْقَنوا به أنهم كانوا من ظنونِهم في غرورٍ وضلالٍ، واستهزاءٍ بأنفسِهم وخدا
عٍ، إذ أطْفأ اللهُ نورَهم يومَ القيامةِ، فاسْتَنظروا المؤمنين ليقْتَبِسوا من نورِهم، فقيل لهم ¬سفط من: ص، ت 1.¥: ارْجِعوا وراءَكم فالتمِسوا نورًا، واصلَوْا سعيرًا. فذلك حينَ ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون، كما انطَفأت نارُ المستوقِدِ النارَ بعدَ إضاءتِها له، فبقِي في ظلمةٍ ¬في م: "ظلمته".¥ حَيْرانَ تائهًا، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحديد: 13 - 15].
فإن قال لنا قائلٌ: إنك ذكَرْتَ أن معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ}: خمَدت وانطَفأت. وليس ذلك بموجودٍ في القرآنِ، فما دَلالتُك ¬في ت 1: "دليلك".¥ على أن ذلك معناه؟
قيل: قد قلنا: إن من شأنِ العربِ الإيجازَ والاختصارَ إذا ¬في ص، ت 1: "إذ".¥ كان فيما نطَقت به الدَّلالةُ الكافيةُ على ما حذَفت وترَكت، كما قال أبو ذُؤَيبٍ الهُذَلِيُّ ¬ديوان الهذليين 1/ 71.¥:
عَصَيْتُ ¬في الديوان: "عصاني".¥ إليها القلبَ إِنِّي لأمرِها ... سميعٌ فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها
يعني بذلك: فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها أم غيٌّ. فحذَف ذكرَ "أَمْ غيٌّ"، إذ كان فيما نطَق به الدلالةُ عليها، وكما قال ذو الرُّمَّهِ في نعتِ حَميرٍ ¬ديوان ذي الرمة 2/ 897.¥:
فلمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أو حينَ نصَّبَت ¬نصبت: رفعت آذانها. اللسان (ن ص ب).¥ ... له مِن خَذَا ¬خذِيت الأذن: استرخت من أصلها وانكسرت مقبلة على الوجه، يكون ذلك في الناس والخيل والحمر، خلقة أو حدثا. اللسان (خ ذ ى).¥ آذانِها وَهْو جانِحُ
يعني: أو حينَ أقْبَل الليلُ. في نظائرَ لذلك كثيرةٍ كرِهنا إطالةَ الكتابِ بذكرِها. فكذلك قولُه: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} لمَّاَ كان فيه وفيما بعدَه من قولِه: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ}
دَلالةٌ على المتروكِ كافيةٌ من ذكرِه، اخْتَصر الكلامَ طلبَ الإيجازِ، وكذلك حذفُ ما حذَف واختصارُ ما اخْتَصَر من الخبرِ عن مثَلِ المنافقين بعدَه، نظيرَ ما اخْتصر من الخبرِ عن مثَلِ المستوقِدِ النارَ؛ لأن معنى الكلامِ: فكذلك المنافقون ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون - بعدَ الضياءِ الذي كانوا فيه في الدنيا، بما كانوا يُظْهِرون بألسنتِهم من الإقرارِ بالإسلامِ، وهم لغيرِه مستبطِنون - كما ذهَب ضوءُ نارِ هذا المستوقِدِ بانطفاءِ نارِه وخمودِها، فبقِيَ في ظلمةٍ لا يُبْصِرُ.
والهاءُ والميمُ في قولِه: {ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ} عائدةٌ على الهاءِ والميمِ في قولِه: {مَثَلُهُمْ}.