تفسير ابن كثير
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)}.
قال البخاري: حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} في مواسم الحج ¬أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] (ح 4519).¥.
وهكذا رواه عبد الرزاق ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 78.¥ وسعيد بن منصور ¬تفسير سعيد بن منصور (ح 347).¥ وغير واحد عن سفيان بن عيينة به ¬لفظ: "به" سقط من الأصل.¥. ولبعضهم فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية ¬أخرجه الطبري من طريق علي بن مسهر عن ابن جريج به، وهو بنحو رواية البخاري المتقدمة.¥.
وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} ¬أخرجه أبو داود من طريق يزيد به (السنن، المناسك، باب التجارة في الحج ح 1731)، وتشهد له رواية البخاري المتقدمة.¥.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} في مواسم الحج ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له ما سبق.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.¥، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وتشهد له رواية علي بن أبي طلحة.¥.
وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} في مواسم الحج ¬أخرجه الطبري عن ابن حميد، عن يحيى بن واضح عن طلحة بن عمرو الحضرمي به، وفي سنده علتان: ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. وطلحة بن عمرو الحضرمي: وهو متروك (التقريب ص 283)، فالإسناد ضعيف جدًّا.¥.
[وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقول: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} في مواسم الحج] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و (عف) و (ح).¥. ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقرأ ... فذكر مثله سواء. وهكذا فسّرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم، وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعبة، عن أبي أميمة، قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة، فقرأ ابن عمر: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} وهذا موقوف ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ بالجودة والقوة.¥. وهو قوي جيد.
وقد روي مرفوعًا، قال أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} فدعاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أنتم حجاج" ¬أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ح 6434)، أخرجه أبو داود في سننه، المناسك، باب الكرى (ح 1733)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ح 3052)، والحاكم في المستدرك 1/ 2499، كلهم من طريق إسباط به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1525).¥.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا نقوم نكري ويزعمون أنه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى، قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عما سألت عنه، فنزلت هذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} ¬في سنده رجل مبهم وقد صرح باسمه في رواية أحمد أنه أبو أمامة التيمي، وفي رواية ابن أبي حاتم التالية.¥. ورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن عبد الرزاق به، وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعًا ¬في مسنديهما رجل مبهم وقد صرح باسمه في رواية أحمد أنه أبو أمامة التيمي.¥، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عباد بن العوام، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة، وإن أناسًا يزعمون أنه لا حجَّ لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: [بلى] ¬قوله: "بلى" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و (عف) و (ح) و (مح).¥، قال: "فأنتم حُجَّاج" ثم قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} فدعا الرجل فتلاها عليه، وقال: "أنتم حُجَّاج" ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عباد بن العوام: صدوق يدلس وتغير. وقد توبع كما تقدم في رواية الإمام أحمد.¥، وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي، عن العلاء بن المسيب به مرفوعًا.
وقال ابن جرير: حدثني طليق بن محمد الواسطي، حدثنا أسباط هو: ابن محمد، أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري، فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلنا: بلى، قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل - عليه السلام - بهذه الآية: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ... } إلى آخر الآية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم حجاج" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم تخريجه وصحته في رواية الإمام أحمد.¥.
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا مِنْدل، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين، كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده منزل: ضعيف كما في التقريب.¥؟.
وقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} إنما صرف عرفات وإن كان علمًا على مؤنث، لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمى به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير ¬ذكره الطبري بنحوه (التفسير 3/ 511).¥، وعرفة موضع الوقوف في الحجِّ، وهي عمدة أفعال الحجِّ، ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الحجُّ عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه" ¬أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند 4/ 309)، وأخرجه أبو داود في سننه، المناسك، باب من لم يدرك عرفة (ح 1949)، والترمذي في سننه، الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع (ح 889)، والنسائي في سننه، المناسك، باب الوقوف بعرفة 5/ 256، وابن ماجه في سننه، المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر (ح 3015)، والحاكم (المستدرك 1/ 464)، وابن خزيمة في صحيحه (ح 2822)، كلهم من طريق الثوري به، قال الترمذي عن ابن عيينة: وهذا أجود حديث رواه الثوري. وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في إرواء الغليل 4/ 256 (ح 1064).¥.
ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" ¬أخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة (ح 1297).¥. وقال في هذا الحديث: "فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك" ¬أي الحديث قبل السابق وهو حديث الثوري.¥، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، رحمهم الله، وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتجوا بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي، قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل [لي] ¬قوله: "لي" بياض في الأصل، واستدرك من (عش) و (عف) و (ح) والتخريج.¥ من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمّ حجه وقضى تفثه" رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي ¬أخرجه الإمام أحمد من طريق زكريا عن الشعبي به (المسند 4/ 15)، وأخرجه الترمذي من طريق الشعبي به، وقال: حديث حسن صحيح (السنن، الحج، باب فيمن أدرك الإمام ح 891)، وأخرجه ابن حبان في موارد الظمآن (ح 1010)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي وإرواء الغليل (ح 1066).¥.
ثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل - عليه السلام - إلى إبراهيم - عليه السلام - فحجَّ به، حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة ¬أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه مطولًا (المصنف 5/ 96)، وسنده صحيح.¥.
وقال ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت عرفت، فسميت عرفات ¬وسنده حسن وأخرجه الطبري من طريق سويد عن ابن المبارك به.¥.
وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمرو وأبي مِجلز ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري من طريق ابن طهفة عن أبي الطفيل عن ابن عباس ويشهد له ما سبق عن علي وما سيأتي عن ابن عمرو.
وقول ابن عمرو - وهو عبد الله - أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سالم بن أبي الجعد عنه، وأبو مجلز ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.¥، فالله أعلم.
وتسمى عرفات المشعر الحرام، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا ... له إلال إلى تلك الشراج القوابل ¬ذكره ابن هشام (السيرة 1/ 274)، والشراج: جمع شرجه وهي مسيل الماء، من الحرة إلى المسيل (النهاية: ش ر ج).¥
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، حدثنا أبو عامر، عن زمعة هو: ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فأخّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحسنه الحافظ كما سيأتي.¥.
ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة وصلّى الفجر بغلس، حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر دفع، وهذا حسن الإسناد.
وقال ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة، قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد - وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك"، هكذا رواه ابن مردويه، وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي، عن عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ¬أخرجه الحاكم (المستدرك 2/ 277)، والبيهقي (السنن الكبرى 5/ 125)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.¥، وقد صحَّ وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أنه ممن له رؤية بلا سماع.
وقال وكيع، عن شعبة، عن إسماعيل بن [الزبيدي] ¬زيادة من (عف).¥ عن المعرور بن سويد، قال: رأيت عمر - رضي الله عنه - حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه رجل أصلع على بعير له يوضع وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع ¬رجاله ثقات وسنده صحيح، ولعله من تفسير وكيع.¥.
وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم، قال فيه: فلم يزل واقفًا - يعني عرفة - حتى غربت الشمس، وبدت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى جبلًا من الجبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر، حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس ¬صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (ح 1218).¥.
وفي الصحيحين عن أُسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصَّ. والعنق هو انبساط السير، [والنص] ¬قوله: "والنص" وفي الأصل بلفظ: "والعنق" والتصويب من (عش) و (عف).¥ فوقه ¬صحيح البخاري، الحج، باب السير إذا دفع من عرفة (ح 1666)، وصحيح مسلم، الحج، باب الإفاضة من عرفات (ح 1286).¥.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه، عن سفيان بن عيينة قوله: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} وهي الصلاتين جميعًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه.¥.
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام، هذا المشعر الحرام ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الجراح بن مليح وإسرائيل عن أبي إسحاق به، وسنده صحيح.¥.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها ¬سنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.¥.
وقال هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} قال: فقال: هو الجبل وما حوله ¬سنده حسن، ويشهد له سابقه ولاحقه.¥.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: على ما يزدحم هؤلاء، كل ههنا مشعر ¬سنده حسن.¥. وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد وبعض الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة؛ كسند مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والسدي.¥.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قُزَح ¬قَزَح: موقف قريش في الجاهلية (المعجم البلدان 4/ 84).¥ هلمّ إلينا من أجل طريق الناس ¬أخرجه الطبري من طريق ابن أبي زائدة عن ابن جريج به، وسنده صحيح.¥.
(قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم: القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس ¬حديث صحيح تقدم في بداية تفسير {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ... } [البقرة: 198].¥؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "عرفة كلها موقف، وارفعوا عن عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسرًا" هذا حديث مرسل، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان بن موسى، عن جبير بن مُطعِم، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة ¬في الأصل: "عرنات" والمثبت من (عش) و (ح) والتخريج، وكلاهما صحيح (انظر: الدرر 2/ 409).¥، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 27/ 316 ح 6751)، وصححه محققوه بالشواهد ولمزيد من الشواهد والوصل ينظر: التمهيد لابن عبد البر 24/ 417.¥ ¬أخرجه الطبري من طريق سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وأخرجه الإمام مالك بلاغًا (الموطأ، الحج،
باب الوقوف بعرفة ح 166). وسنده مرسل كما قال الحافظ: ولكنه له شواهد تقويه منها ما رواه مسلم من حديث جابر وفيه: وعرفة كلها موقف (الصحيح، الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف ح 149)، وهذا شاهد لمطلع الحديث، وأما بقية الشواهد تأتي الإشارة إليها في الحديث التالي.¥. وهذا أيضًا منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا، وهو الأشدق، لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد: عن جبير بن مطعم، عن أبيه، وقال سويد: عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... فذكره، والله أعلم.
وقوله: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه إبراهيم الخليل - عليه السلام -، ولهذا قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} قيل: من قبل هذا الهدى، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح.