تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ}.
قال أبو جعفرٍ: والصيِّبُ الفَيْعِلُ، من قولِك: صاب المطرُ يصوبُ صَوْبًا. إذا انحدَر ونزَل، كما قال الشاعرُ ¬البيت غير منسوب في الاشتقاق ص 26، والمفردات في غريب القرآن ص 145، واللسان (أ ل ك، ل أ ك)، ونسبه في المفضليات ص 394 إلى علقمة بن عبدة، وليس في ديوانه، ونسب في مجاز القرآن 1/ 33 إلى رجل من عبد القيس، وفي شرح أشعار الهذليين 1/ 222 إلى متمم بن نويرة، وذكر في اللسان (ص و ب،
م ل ك) الاختلاف في نسبته، وزاد عن السيرافي نسبته إلى أبي وجزة.¥:
فَلسْتَ لإِنْسِيٍّ ¬في ص، ر، ت 1، ت 2: "بإنسي".¥ ولكنْ لمَلْأكٍ ¬في ص، ر، ت 1: "ملكا"، وفي ت 2: "ملاكا".¥ ... تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصوبُ
وكما قال علقمةُ بنُ عَبَدةَ ¬ديوانه ص 34، 46.¥:
كأنَّهُمُ صابتْ عليهم سَحَابةٌ ... صواعِقُها لطَيْرِهنَّ دَبيبُ
فلا تَعْدِلي بَيْني وبينَ مُغَمَّرٍ ¬المغمر من الرجال: من استجهله الناس. التاج (غ م ر).¥ ... سُقِيتِ ¬في الديوان: "سقتك".¥ رَوَايا ¬الروايا؛ جمع الراوية: وهو البعير أو البغل أو الحمار الذي يسقى عليه الماء. اللسان (ر و ى).¥ المُزْنِ ¬المزن: السحاب عامة، وقيل: السحاب ذو الماء، واحدته مزنة، وقيل: المزنة السحابة البيضاء. اللسان (م ز ن).¥ حينَ ¬في الديوان: "حيث".¥ تَصوبُ
يعني: حينَ تنحدِرُ.
وهو في الأصلِ صَيْوِبٌ، ولكنَّ الواوَ لمّا سبَقتها ياءٌ ساكنةٌ، صُيِّرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّدٌ، من سادَ يسودُ، وجيِّدٌ، من جاد يجودُ. وكذلك تفعَلُ العربُ بالواوِ إذا كانت متحرِّكةً وقبلَها ياءٌ ساكنةٌ، تصيِّرُهما جميعًا ياءً مشددةً.
وبما قلنا من القولِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} قال: القَطْرُ ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة (747) من طريق محمد بن عبيد به.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في المطر - كما في فتح الباري لابن رجب 9/ 231 - وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 54 (180) من طريق هارون بن عنترة به.
وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور 1/ 33 إلى وكيع وعبد بن حميد وأبي يعلى وابن المنذر.¥.
حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريج: قال لي عطاءٌ: الصيِّبُ المطرُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 54 عقب الأثر (180) معلقًا.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالح، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 32 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والصابوني في المائتين في أثر مطول، وسيأتي بطوله في ص 369.¥.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: الصيِّبُ المطرُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 82 عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة، والسدي.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه ¬في م، ت 2: "جده".¥، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: {أَوْ كَصَيِّبٍ}. يقولُ: المطرُ (2).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ ¬في ص، ر: "الربيع".¥.
حدَّثني المُثَنَّى قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة (748) من طريق أبي حذيفة به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: الصيِّبُ المطرُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 54 عقب الأثر (180) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} قال: أو كغَيثٍ من السماءِ.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: قال سفيانُ: الصيِّبُ الذي فيه المطرُ ¬تفسير الثوري ص 41 عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جبير: السحاب فيه المطر.¥.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريج، عن عطاءٍ في قولِه: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} قال: المطرُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 82 عن عطاء.¥.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بضوءِ إقرارِهم بالإسلامِ، مع استسرارِهم الكفرَ، مثَلُ اسْتِضاءَةِ ¬في م، ت 1، ت 2: "إضاءة".¥ موقدِ نارٍ ¬في م، ت 1، ت 2: "النار".¥ بضوءِ نارِه، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه من صفتِه، أو كمثَلِ مطرٍ مُظلمٍ، وَدْقُه ¬الودق: المطر كله شديده وهينه. اللسان (و د ق).¥ تَحَدَّرَ من السماءِ، تحمِلُه مُزنةٌ ظلماءُ، في ليلةٍ مُظلمةٍ، وذلك هو الظلُماتُ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنها فيه.
فإن قال لنا قائلٌ: أخْبِرْنا عن هذين المثَلين، أهما مثَلان للمنافقين، أو أحدُهما؟ فإن يكونا مثَلين للمنافقين، فكيف قيل: {أَوْ كَصَيِّبٍ} و"أو" تأتي بمعنى الشكِّ في الكلامِ، ولم يقلْ: وكصيِّبٍ. بالواوِ التي تُلحِقُ المثلَ الثانيَ بالمثلِ الأولِ؟ أو يكونَ مثلُ القومِ أحدَهما، فما وجهُ ذكرِ الآخرِ بـ {أَوْ} وقد علمتَ أن "أو" إذا كانت في الكلامِ، فإنما تدخُلُ فيه على وجهِ الشكِّ من المخبِرِ فيما أخْبَرَ عنه، كقولِ القائلِ: لقِيَني أخوك أو أبوك. وإنما لقِيَه أحدُهما، ولكنه جهِل عينَ الذي لقِيَه منهما، مع علمِه أن أحدَهما قد لقِيَه، وغيرُ جائزٍ في اللهِ جلَّ ثناؤُه أن يُضافَ إليه الشكُّ في شيْءٍ، أو عُزوبُ علمِ شيْءٍ عنه فيما أخْبَر أو ترَك الخبرَ عنه.
قيل له: إن الأمرَ في ذلك بخلافِ ¬في ص: "خلاف".¥ الذي ¬في ص: "منا"، وفي ت 1: "ما".¥ ذهبتَ إليه، و"أو" وإن كانت في بعضِ الكلامِ تأتي بمعنى الشكِّ، فإنها قد تأتي دالَّةً على مثلِ ما تدلُّ عليه الواوُ، إما بسابقٍ من الكلامِ قبلَها، وإما بما يأتي بعدَها، كقولِ توبةَ بنِ الحُمَيِّرِ ¬الأضداد ص 279، وأمالي القالي 1/ 88، وأمالي المرتضى 2/ 57.¥:
وقد زعَمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ ... لنفسي تُقَاها أو عليها فُجورُها
ومعلومٌ أن ذلك من توبةَ على غيرِ وجهِ الشكِّ فيما قال، ولكن لما كانت "أو" في هذا الموضعِ دالَّةً على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو ¬في م: "ولو".¥ كانت مكانَها، وضَعها موضِعَها. وكذلك قولُ جريرٍ ¬ديوانه 1/ 416.¥:
نال ¬في م: "جاء".¥ الخِلافَة أو كانتْ له قَدَرًا ... كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
وكما قال الآخرُ ¬هو متمم بن نويرة، والبيتان في الأضداد ص 280، وأمالي المرتضى 2/ 58، واللسان (ع ف ق).¥:
فلو كان البكاءُ يردُّ شيئًا ... بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ ¬في النسخ: "جبير"، وفي اللسان: "يزيد". وقال ابن بري: صوابه بجير. وهو على الصواب في الأضداد وأمالي المرتضى.¥ أو عِفاقِ ¬في م: "عناق".
وبجير أخو عفاق، ويقال: غفاق. وهو ابن مليك، ويقال: ابن أبي مليك. وكان بسطام بن قيس أغار على بني يربوع فقتل عفاقا، وقتل بجيرا بعد قتله أخاه عفاقا في العام الأول، وأسر أباهما ثم أعتقه وشرط عليه ألا يغير عليه. ذكره في اللسان عن ابن بري.¥
[على المَرْأَيْن] ¬في اللسان. "هما المرآن".¥ إذْ مَضَيَا ¬في الأضداد، وأمالي المرتضى: "ملكا"، وفي اللسان: "ذهبا".¥ جَميعًا ... لشأنِهما بحُزْنٍ ¬في الأضداد، وأمالي المرتضى: "بشجو".¥ واشْتِياقِ ¬في اللسان: "واحتراق".¥
فقد دلَّ بقولِه: على المَرْأَيْنِ. أن بكاءَه الذي أراد أن يَبكيَه لم يُرِدْ أن يقصِدَ به أحدَهما دونَ الآخرِ، بل أراد أن يَبكِيَهما جميعًا. فكذلك ذلك في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: {أَوْ كَصَيِّبٍ}. لمّا كان معلومًا أن {أَوْ} ¬في ت 1: "الواو".¥ دالَّةٌ [في ذلك على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو ¬في ص، ر، م: "ولو".¥] ¬في ت 1: "على معنى يدل على مثله أو".¥ كانت مكانَها، كان سواءً نطق فيه بـ "أو" أو بالواوِ. وكذلك وجهُ حذفِ المثَلِ من قولِه: {أَوْ كَصَيِّبٍ} لمّا كان قولُه: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} دالًّا على أن معناه: كمثلِ صيِّبٍ. حذَف المثلَ واكتَفى بدَلالةِ ما مضَى من الكلامِ في قولِه ¬في ت 1: "أوله".
(*) من هنا يبدأ الجزء الثاني من نسخة جامعة القرويين، وسيشار إليها بـ"الأصل"، وسيجد القارئ أرقام صفحاتها بين معقوفين.¥: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} على أن معناه: أو كمثلِ صيِّبٍ - من إعادةِ ذكرِ المثلِ؛ طَلَبَ الإيجازِ والاختصارِ.