تفسير ابن كثير
{أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)}.
يقول الله تعالى: {أُولَئِكَ} أي: المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة؛ وهو (يستلزم) ¬في (ن): "مستلزم".¥ الاستعداد لها من (العمل بالصالحات) ¬في (ن): "الأعمال الصالحة".¥ وترك المحرمات. {عَلَى هُدًى} أي: على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا والآخرة.
وقال محمد بن إسحاق ¬أخرجه ابن جرير (293، 294)؛ وابن أبي حاتم (84 - 88) من طريق سلمة بن الفضل، قال: حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق به [وسنده حسن].¥، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} أي: على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم (به) ¬من (ن).¥؛ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.
وقال ابن جرير ¬في "تفسيره" (1/ 249).¥: وأما معنى قوله (تعالى) ¬من (ن).¥: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ}.
فإن معنى ذلك أنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة، وسداد (بتسديد الله) ¬في (ن): "بتسديده".¥ إياهم، وتوفيقه لهم.
وتأويل قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم، وإيمانهم باللّه وكتبه ورسله من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب.
وقد حكى ابن جرير ¬في "تفسيره" (1/ 248).¥ قولًا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله (تعالى ¬من (ز) و (ن).¥: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ... } [البقرة: 4] (الآية) ¬من (ز).¥، [على ما تقدم من الخلاف. وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}] ¬ساقط من (ج).¥. منقطعًا مما قبله، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء وخبره {[أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ}] ¬ساقط من (ز) و (ن).¥ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}؛ واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب، لما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين: فقال: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)} وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة (المؤمنين) ¬في (ز) و (ن): "للمؤمنين".¥ عامةً والإشارة عائدة عليهم. واللّه أعلم.
وقد نقل (هذا) ¬ساقط من (ن).¥ عن مجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة؛ رحمهم الله.
وقال ابن أبي ¬في "تفسيره" (86) ورجاله ثقات غير ابن لهيعة، ففيه مقال مشهور.¥ حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن (أبي الهيثم) ¬في (ج) و (ل): "أبي القاسم"! وهو تصحيف.¥ - واسمه سليمان بن (عبد) ¬كذا في (ج) و (ز) و (ع) و (ك) و (ل) و (ي) وهو الموافق لما في تفسير ابن أبي حاتم ووقع في (ن) و (هـ): "عبيد الله" وكتب ابن المحب في حاشية (ج) وأشار إلى "عبد" صوابه "عمرو "وهو سليمان بن عمرو بن عبيد أو عبد العتواري.
قلت: فكأنهم نسبوه إلى جده. واللّه أعلم.¥، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ وقيل له: يا رسول الله، إنا نقرأ من القرآن فنرجوا، ونقرأ (من القرآن) ¬كذا في (ز) و (ن) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم" وسقط من (ج) و (ع) و (ك) و (ل) و (هـ) و (ي).¥ فنكاد أن نيأس، أو كما قال. قال: "أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) ... } " إلى قوله تعالى: {الْمُفْلِحُونَ} هؤلاء أهل الجنة. قالوا: إنا نرجوا أن نكون هؤلاء، ثم قال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ... } [البقرة: 6] إلى قوله: {عَظِيمٌ} [البقرة: 7] هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا هم يا رسول الله؟ قال: أجل" ¬[سنده ضعيف].¥.