تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا}.
أما {الَّذِينَ آمَنُوا}، فهم المُصَدِّقُون رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيما أتاهم به مِن الحقِّ مِن عندِ اللهِ، وإيمانُهم بذلك تصديقُهم به، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا ¬ينظر ما تقدم في 1/ 240.¥.
وأما {وَالَّذِينَ هَادُوا}، فهم اليهودُ، ومعنى {هَادُوا}: تابوا، يقالُ منه: هادَ القومُ يَهودُون [هِوَادًا وَهِيَادةً] ¬في م، ت 1، ت 2: "هودًا وهادة".¥. وقيل: إنما سُمِّيَت اليهودُ يهودًا؛ مِن أجلِ قولِهم: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156].
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ¬بعده في ت 2: "قال مجاهد".¥، قال: إنما سُمِّيَتِ اليهودَ؛ مِن أجْلِ أنهم قالوا: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ}.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه {وَالنَّصَارَى}.
{وَالنَّصَارَى} جمعٌ، واحدُهم نَصْرَانُ، كما واحدُ السَّكارَى سَكْرانُ، وواحدُ النَّشَاوَى نَشْوانُ، وكذلك جمعُ كلِّ نعتٍ كان واحدُه على فَعْلانَ، فإن جمعَه على فَعَالَى، إلا أن المستفيضَ مِن كلامِ العربِ في واحدِ النَّصارَى نَصْرانيٌّ،
وقد حُكِى عنهم سَماعًا: نَصْرانُ. بطرحِ الياءِ، ومنه قولُ الشاعرِ ¬البيت في الأضداد ص 181، ونقله أبو حيان في البحر المحيط 1/ 238 عن المصنف.¥:
تَرَاه إذا دَار ¬في م: "زار".¥ العَشِيُّ مُحَنِّفًا ... [ويُضْحِى لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ] ¬في الأضداد: "تراه ويضحى وهو نفران".¥ شامِسُ
وسُمِع منهم في الأنثى نَصْرانةٌ. قال الشاعر ¬هو أبو الأخزر الحمانى، والبيت في الكتاب 3/ 256، 411، واللسان (ح ن ف).¥:
* [نَصْرانةٌ لم تَحَنَّفِ] ¬في م: "فكلتاهما خرت وأسجد رأسها ... كما سجدت نصرانة لم تحنف
يقال: أسجد. إذا مال".¥ *
وقد سُمِع في جَمْعِهم "أنصارٌ" بمعنى النَّصارَى. قال الشاعرُ ¬الأبيات في معانى القرآن 1/ 44، وأمالي ابن الشجرى 1/ 79، 371، واللسان (ن ص ر).¥:
لمَّا رأيْتُ نَبَطًا أنْصارَا
شَمَّرْتُ عن رُكْبَتِىَ الإزارَا
كنتُ لهم مِن النَّصارَى جارَا
وهذه الأبياتُ التي ذكَرْتُها تَدُلُّ على أنهم سُمُّوا نَصارَى لنُصْرةِ بعضِهم بعضًا، وتَناصُرِهم بينَهم. وقد قيل: إنهم إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أجْلِ أنهم نزَلوا أرضًا يقالُ لها: ناصِرةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: النصارى إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أجلِ أنهم نزَلُوا أرضًا يقال لها: ناصِرةُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 147.¥.
ويقولُ آخَرون: لقولِه: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ} [الصف: 14].
وقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ مِن طريقٍ غيرِ مُرْتَضًى أنه كان يقولُ: إنما سُمِّيَت النصارى نَصارَى؛ لأن قريةَ عيسى ابنِ مَرْيمَ كانت تُسَمَّى ناصِرةَ، وكان أصحابُه يُسَمَّوْن النَّاصِرِيِّين، وكان يقالُ لعيسى: الناصرىُّ.
حُدِّثْتُ بذلك عن هشامِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ ¬أخرجه ابن سعد 1/ 53، 54 من طريق هشام بن محمد به مطولا.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، قال: إنما سُمُّوا نَصارَى؛ لأنهم كانوا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ. يَنْزِلُها عيسى ابنُ مريمَ، فهو اسمٌ تَسَمَّوْا به، ولم يُؤْمَروا به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 75 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة: 82]. قال: تَسَمَّوْا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ. كان عيسى ابنُ مريمَ صلى اللهُ عليه يَنْزِلُها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 187.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَالصَّابِئِينَ}.
و"الصابِئون" جمعُ صابئ، وهو المُسْتَحْدِثُ سِوَى دينِه دينًا، كالمُرْتَدِّ مِن أهلِ الإسلامِ عن دينِه. وكلُّ خارجٍ مِن دينٍ كان عليه إلى آخَرَ غيرِه تُسَمِّيه العربُ صابِئًا، يقالُ منه: صبَأ فلانٌ يَصْبَأُ صَبْأً. ويقالُ: صبَأَتِ النُّجومُ. إذا طلَعَت، وصبَأ علينا فلانٌ مِنْ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ موضعِ كذا وكذا. يعنى به: طلَع.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن يَلْزَمُه هذا الاسمُ مِن أهلِ المِلَلِ، فقال بعضُهم: يَلْزَمُ ذلك كلَّ خارجٍ مِن دينٍ إلى غيرِ دينٍ. وقالوا: الذين عنَى اللهُ بهذا الاسمِ قومٌ لا دينَ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن سُفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ: الصَّابِئُون ليسوا بيهودَ ولا نَصارَى، ولا دينَ لهم ¬تفسير مجاهد ص 204، وتفسير عبد الرزاق 1/ 47، ومصنفه (10207)، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 127 (638) من طريق وكيع، عن سفيان به. والأثر في تفسير الثورى ص 46 من قوله.¥.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الحجاجِ ابنِ أرْطاةَ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن الحجاجِ، عن مُجاهِدٍ، قال: الصابئون بينَ المجوسِ واليهودِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائحُهم، ولا تُنْكَحُ نساؤُهم ¬ذكره القرطبى في تفسيره 1/ 434.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن حجاجٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ مثلَ ذلك ¬¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح: {وَالصَّابِئِينَ}: بينَ اليهودِ والمجوسِ، لا دينَ لهم ¬¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مُجاهِدٌ: {وَالصَّابِئِينَ}: بينَ المجوسِ واليهودِ، لا دينَ لهم. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعَطاءٍ: {وَالصَّابِئِينَ}: زعَموا أنها قَبيلةٌ مِن نحوِ السَّوَادِ، ليسوا بمجوسٍ ولا يهودَ ولا نَصارَى. قال: قد سمِعْنا ذلك، وقد قال المشركون للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: قد صَبَأ ¬ذكره ابن أبي حاتم 1/ 127 عقب الأثر (638) معلقًا.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَالصَّابِئِينَ} ¬في الأصل، م: "الصابئون". والمثبت هو القراءة هنا، وما في الأصل، م هو قراءة الآية 69 من سورة المائدة.¥. قال: الصابئون دينٌ مِن الأديانِ، كانوا [بالجزيرةِ، جزيرةِ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بجزيرة".¥ المَوْصِلِ، يقولون: لا إلهَ إلا اللهُ. وليس لهم عملٌ ولا كتابٌ ولا نبيٌّ، إلا قولَ: لا إلهَ إلا اللهُ. قال: ولم يُؤْمِنوا برسولِ اللهِ، فمِن أجْلِ ذلك كان المشركون يقولون للنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابِه: هؤلاء الصابِئون. يُشَبِّهُونهم بهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 149 عن ابن وهب به.¥.
وقال آخَرون: هم قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ ويُصَلُّون ¬بعده في م: "إلى".¥ القبلةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: نُبِّئَ ¬في م، ت 1، ت 2: "حدَّثنى".¥ زيادٌ أن الصابئين يُصَلُّون (5) القِبْلةَ، ويُصَلُّون الخمسَ، فأراد أن يَضَعَ عنهم الجِزْيةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يَعْبُدون الملائكةَ.
حدَّثنا بشر، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: {وَالصَّابِئِينَ}. قال: الصابئون قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويُصَلُّون ¬بعده في م: "إلى".¥ القِبْلةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ ¬ذكره ابن كثير 1/ 149 عن سعيد، عن قتادة. وسيأتي في سورة الحج، الآية 17 من طريق معمر عن قتادة، مطولا.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: الصابئون فرقةٌ مِن أهلِ الكتابِ يَقْرَءون الزَّبورَ. قال أبو جعفرٍ -يَعْنِى الرازىَّ-: وبلَغَنى أيضًا أن الصابئين قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ، ويُصَلُّون (1) القِبْلَةَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 127، 128، (639، 642) من طريق آدم به.¥.
وقال آخَرون: بل هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، قال: سألتُ ¬في م: "سئل".¥ السديِّ عن الصابِئِين، فقال: هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 127 عقب الأثر (639) من طريق أسباط، عن السديِّ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 75 إلى وكيع.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)}.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}: مَن صدَّق باللهِ، وأقَرَّ بالبَعْثِ بعدَ المَماتِ يومَ القيامةِ، {وَعَمِلَ صَالِحًا} فأطاع اللهَ، {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}. يعني بقولِه: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} فلهم ثوابُ عملِهم الصالحِ عندَ ربِّهم.
فإن قال لنا قائلٌ: فأين تمامُ قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ}؟ [قيل: تمامُه] ¬في ت 1، ت 3: "قبل إتمامه".¥ جملةُ قولِه: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. لأن معناه: مَن آمَن منهم باللهِ واليومِ الآخِرِ. فترَك ذكرَ "منهم" لدلالةِ الكلامِ عليه؛ اسْتِغْناءً بما ذكَر عمَّا ترَك ذكْرَه.
فإن قال: وما معنى هذا الكلامِ؟
قيل معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، مَن يُؤْمِنْ منهم ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ باللهِ واليومِ الآخِرِ فلهم أجرُهم عندَ ربِّهم.
فإن قال: وكيف يُؤْمِنُ المؤمنُ؟
قيل: ليس المعنى في المؤمنِ المعنى الذي ظنَنْتَه، مِن انْتِقالٍ مِن دينِ إلى دينِ، كانتقالِ [اليهودِ والنصارى] ¬في م: "اليهودي والنصرانى".¥ إلى الإيمانِ -وإن كان قد قيل: إن الذين عُنُوا بذلك مَن كان مِن أهلِ الكتابِ على إيمانِه بعيسى صلى اللهُ عليه، وبما جاء به، حتى أدْرَك محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فآمَن به وصدَّقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به إذْ ¬في الأصل: "إذا".¥ أدْرَكوا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: آمِنُوا بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وبما جاء به- ولكن معنى إيمانِ المؤمنِ في هذا الموضعِ ثباتُه على إيمانِه وتركُه تَبديلَه.
وأما إيمانُ اليهودِ والنصارى والصابئين، فالتصديقُ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وبما جاء به، فمَن يُؤْمِنْ منهم بمحمدٍ وبما جاء به واليومِ الآخرِ، ويَعْمَلْ صالحًا، فلم يُبَدِّلْ ولم يُغَيِّرْ، حتى تُوُفِّى على ذلك كلِّه ¬سقط من ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، فله ثوابُ عملِه وأجرُه عندَ ربِّه، كما وصَف جلَّ ثناؤُه.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}. وإنما لفظُ {مَنْ} لفظُ واحدٍ، والفعلُ معه مُوَحَّدٌ؟
قيل: إنَّ "مَن"، وإن كان الذي يليه مِن الفعلِ مُوَحَّدًا، فإن له معنى الواحدِ والاثنين والجمعِ، والتذكيرِ والتأنيثِ؛ لأنه في كلِّ هذه الأحوالِ على هيئةٍ واحدةٍ وصورةٍ واحدةٍ لا يَتَغَيَّرُ، فالعربُ تُوَحِّدُ معه الفعلَ وإن كان في معنى جَمْعٍ، للفظِه، وتَجْمَعُ أخرى معه الفعلَ لمعناه، كما قال تعالى ذكرُه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} [يونس: 42، 43]. فجمَع مرةً مع {مَنْ} الفعلَ لمعناه، ووحَّد أخرى معه الفعلَ، لأنه في لفظِ واحدٍ ¬في م، ت 1، ت 2: "الواحد".¥، كما قال الشاعرُ ¬البيت لامرئ القيس، وهو في الديوان ص 324 من قصيدة له، ويقال أيضًا: إنها لرجل من كندة.¥:
ألِمَّا ¬الإلمام: الزيارة في الأحايين. اللسان (ل م م).¥ بسَلْمَى عنهما إنْ عرَضْتُما ... وقُولَا لها عُوجِى على مَن تَخَلَّفوا
فقال: تخَلَّفوا. فجمَع ¬سقط من: م.¥، وجعَل "مَن" بمنزلةِ "الذين". قال الفَرَزْدَقُ ¬ديوانه ص 870.¥:
[تَعالَ فإن عاهَدْتَنى] ¬في الديوان: "تعش فإن واثقتنى".¥ لا تَخُونُني ... نَكُنْ مثلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
فثنَّى "يصطحبان" لمعنى "مَن". فكذلك قولُه: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ}. وحَّد {آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} للفظِ {مَنْ}، وجمَع ذكْرَهم في قولِه: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} لمعناه؛ لأنه في معنى جمعٍ.
وأما قولُه: {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فإنه يعني به جلَّ ذكرُه: ولا خوفٌ عليهم فيما قدِموا عليه مِن أهوالِ القيامةِ، ولا هم يَحْزَنون على ما خلَّفوا وراءَهم مِن الدنيا وعيشِها، عندَ مُعاينتِهم ما أعَدَّ اللهُ لهم مِن الثوابِ والنَّعيمِ المُقيمِ عندَه.
ذكْرُ مَن قال: عُنِى بقولِه: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}. مؤمنو أهلِ الكتابِ الذين أدْرَكوا رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} الآية. قال: نزَلَت هذه الآيةُ في أصحابِ سَلْمانَ الفارسيِّ، وكان سلمانُ رجلًا مِن جُنْدَيْسَابُورَ ¬في م: "جندا يسابور". وجنديسابور: من بلاد فارس. ينظر معجم ما استعجم 2/ 397.¥، وكان مِن أشرافِهم، وكان ابنُ الملكِ صديقًا له مؤاخيًا، لا يقضي واحدٌ منهما أمرًا دونَ صاحبِه، وكانا يَركبانِ ¬في الأصل: "يركنان".¥ إلى الصيدِ جميعًا، فبينما هما في الصيدِ إذ رُفِع لهما بيتٌ مِن عَباءٍ ¬في م: "خباء". والعباء: ضرب من الأكسية فيه خطوط. تاج العروس (ع ب أ).¥، فأتَياه فإذا هما فيه برجلٍ بينَ يديه مُصْحفٌ يَقرَأُ فيه وهو يَبْكِى، فسأَلاه: ما هذا؟ فقال: الذي يُرِيدُ أن يَعْلَمَ هذا لا يَقِفُ موقفَكما، فإن كنتما تُرِيدانِ أن تَعْلَما ما فيه فانْزِلا حتى أُعَلِّمَكما. فنزَلا إليه، فقال لهما: هذا كتابٌ ¬بعده في ت 1، ت 2، ت 3: "الله".¥ جاء مِن عندِ اللهِ، أمَر فيه بطاعتِه، ونهَى [فيه عن معصيتِه:] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عن معصيته فيه".¥ ألا تزْنىَ، ولا تَسرِقَ، ولا تَأْخُذَ أموالَ الناسٍ بالباطلِ -ف
قصَّ عليهما ما فيه- وهو الإنجيلُ الذي أنْزَل اللهُ على عيسى. فوقَع في قلوبهما وتابَعاه فأسْلَما، وقال لهما: إن ذبيحةَ [قومِكما عليكما] ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "قومكم عليكم".¥ حرامٌ. فلم يَزالا معه كذلك يَتَعَلَّمان منه، حتى كان عيدٌ للملكِ، فجعَل ¬جعل هنا: صنع. والجعل والصنع واحد. التاج (ج ع ل).¥ طعامًا، ثم جمَع الناسَ والأشرافَ، وأرْسَل إلى ابنِ الملكِ، فدعاه إلى صَنِيعِه ليَأْكُلَ مع الناس، فأبَي الفتى وقال: إنى عنك مَشْغولٌ، فكلْ أنت وأصحابُك. فلما أكْثَر عليه مِن الرسلِ، أخْبَرَهم أنه لا يَأْكُلُ مِن طعامِهم، فبعث الملكُ إلى ابنِه، فدعاه وقال: ما أمْرُك هذا ¬سقط من: الأصل.¥؟ قال: إنا لا نَأْكُلُ مِن ذبائِحكم، إنكم كفارٌ، ليس تَحِلُّ ذبائحُكم. فقال له الملكُ: مَن أمَرَك بهذا؟ فأخْبَرَه أن الراهبَ أمَره ¬في ت 1: "أخبره".¥ بذلك، فدعا الراهبَ فقال: ماذا يَقُولُ ابنى؟ قال: صدَق ابنُك. قال له: لولا أن الدمَ فينا عظيمٌ لقتَلْتُك، ولكن اخْرُجْ مِن أرضِنا. فأجَّلَه أجَلًا. قال سلمانُ: فقمْنا نَبْكِى عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقَيْن، فإنا في بِيعةٍ بالموصلِ مع ستين رجلًا نَعْبُدُ اللهَ فيها، فائْتونا فيها.
فخرَج الراهبُ، وبقِى سَلْمانُ وابنُ الملكِ، فجعَل سلمانُ يقولُ لابنِ الملكِ: انْطَلِقْ بنا. وابنُ الملكِ يقولُ: نعم. وجعَل ابنُ الملكِ يَبيعُ مَتاعَه يُرِيدُ الجَهازَ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "الجهاد".¥، فلمَّا أبْطَأ على سلمانَ، خرَج سلمانُ حتى أتاهم، فنزَل على صاحبِه، وهو ربُّ البِيعةِ، وكان أهلُ تلك البِيعةِ [أفضلَ مرتبةً مِن] ¬في م: "من أفضل"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "أفضل من".¥ الرُّهْبانِ، فكان سَلْمانُ معه ¬في م: "معهم".¥ يَجْتَهِدُ في العبادةِ، ويُتْعِبُ نفسَه، فقال له الشَّيخُ: إنك غلامٌ حَدَثٌ، تَكَلَّفُ ¬في م: "تتكلف"، وفي ت 2: "فكلف".¥ مِن العبادةِ ما لا تُطِيقُ، وأنا خائفٌ أن تَفْتُرَ وتَعْجِزَ، فارْفُقْ بنفسِك وخَفِّفْ عنها ¬في م: "عليها".¥. فقال له سلمانُ: أرَأَيْتَ الذي تَأْمُرُنى به، أهو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "هو".¥ أفضلُ أو الذي أَصْنَعُ؟ قال: لا ¬سقط من: م.¥، بل الذي تَصْنَعُ؟ قال: فخلِّ عنى. قال: ثم إن صاحبَ البِيعةِ دعاه، فقال: أتَعْلَمُ أن هذه البِيعةَ لي، وأنا أحَقُّ الناسِ بها، ولو شيءتُ أن أُخْرِجَ هؤلاء منها لَفعَلْتُ! ولكنى رجلٌ أضْعُفُ عن عبادةِ هؤلاء، وأنا أُرِيدُ أن أتحوَّلَ مِن هذه الب
ِيعةِ إلى بِيعةٍ أخرى، هم أهونُ عبادةً مِن هؤلاء، فإن شيءتَ أن تُقِيمَ هاهنا فأقِمْ، وإن شيءتَ أن تَنْطَلِقَ معى فانْطَلِقْ. فقال له سلمانُ: أي البِيعَتَيْن أفضلُ أهلًا؟ قال: هذه. قال سلمانُ: فأنا أكونُ في هذه. فأقام سلمانُ بها، وأوْصَى صاحبُ البِيعةِ عالِمَ البِيعةِ بسَلمانَ، فكان سلمانُ يَتَعَبَّدُ معهم. ثم إن الشيخَ العالِمَ أراد أن يَأْتىَ بيتَ المقدسِ، [فدعا سلمانَ، فقال: إنى أريدُ أن آتىَ بيتَ المقدسِ، فإن شيءتَ] ¬في م: "فقال لسلمان: إن أردت"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "فإن شيءت".¥ أن تَنْطلِقَ معى فانطلِقْ، وإن شيءتَ أن تُقِيمَ فأقِمْ. قال له سلمانُ: أيُّهما أفضلُ؛ أنْطَلِقُ معك أوْ ¬في م: "أم".¥ أُقِيمُ؟ قال: لا، بل تَنْطَلِقُ معى. فانْطَلَق معه، فمرُّوا بمُقْعَدٍ على ظهرِ الطريقِ مُلْقًى، فلما رآهما نادَى: يا سيدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنى رحِمك ¬في م: "يرحمك".¥ اللهُ. فلم يُكَلِّمْه، ولم يَنْظُرْ إليه، وانْطَلَقا حتى أتَيَا بيتَ المقدسِ، فقال الشَّيخُ لسلمانَ: اخْرُجْ فاطْلُبِ العلمَ، فإنه يَحْضُرُ هذا المسجدَ عُلماءُ أهلِ الأرضِ. فخرَج سلمانُ يَسْمَعُ منهم، فرجَع يومًا حَزينًا، فقال له الشَّيخُ: ما لك يا
سلمانُ؟ قال: أَرَى الخيرَ كلَّه قد ذهَب به مَن كان قبلَنا مِن الأنبياءِ وأتباعِهم. قال له الشَّيخُ: يا سلمانُ، لا تَحْزَنْ، فإنه قد بقِى نبيٌّ ليس مِن نبيٍّ أفضلَ تَبَعًا منه، وهذا زمانُه الذي يَخْرُجُ فيه، ولا أُرَانى أُدْرِكُه، وأما أنت فشابٌّ فلعلك أن تُدْرِكَه، وهو يَخْرُجُ في أرضِ العربِ، فإن أدْرَكْتَه فآمِنْ به واتَّبِعْه. فقال له سلمانُ: فأخبرني عن علامتِه بشيء. قال: نعم، هو مَخْتومٌ في ظهرِه بخاتمِ النُّبُوةِ، وهو يَأْكُلُ الهَديَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصدقةَ. ثم رجَعا حتى بلَغا مكانَ المُقْعَدِ، فناداهما فقال: يا سيدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنى رحِمك ¬يشتد: يسرع ويعدو. اللسان (ش د د).¥ اللهُ. فعطَف إليه حمارَه، وأخَذ بيدِه فرَفَعه، وضرَب به الأرضَ، ودعا له، وقال: قُمْ بإذنِ اللهِ. فقام صحيحًا يَشْتَدُّ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فلقيه رجلان".¥. فجعَل سلمانُ يَتَعَجَّبُ وهو يَنْظُرُ إليه يَشْتَدُّ، وسار الراهبُ، فتغَيَّب عن سلمانَ، ولا يَعْلَمُ سَلْمانُ. ثم إن سلمانَ فزِع، فطلَب الراهبَ، [فلقِى رجلين] ¬الصرمة: القطيع من الإبل والغنم. انظر اللسان (ص ر م).¥ مِن العربِ مِن كَلْبٍ، فسأَلهما: هل رأيْتُما الراهبَ؟
فأناخ أحدُهما راحلتَه، قال: نِعْمَ راعى الصِّرْمةِ ¬في ت 1، ت 2: "هذه".¥ هذا ¬¥! فحمَله فانْطَلَق به إلى المدينةِ. قال سلمانُ: فأصابَنى مِن الحزنِ شيء لم يُصِبْنى مثلُه قطُّ. فاشْتَرَتْه امرأةٌ مِن جُهَيْنةَ، فكان يَرْعَى عليها هو وغلامٌ لها يَتَراوَحان الغنمَ، هذا يومًا وهذا يومًا، وكان سلمانُ يَجْمَعُ الدراهمَ يَنْتَظِرُ خروجَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فبينا هو يومًا يَرْعَى، إذ أتاه صاحبُه الذي يَعْقُبُه، فقال له ¬سقط من م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: أشَعَرْتَ أنه ¬بعده في م، ت 1، ت 3: "قد".¥ قدِم اليومَ المدينةَ رجلٌ يَزْعُمُ أنه نبىٌّ؟ فقال له سلمانُ: أَقِمْ في الغنمِ حتى آتِيَك. فهبَط سلمانُ إلى المدينةِ، فنظَر إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ودار حولَه، فلمَّا رآه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عرَف ما يُرِيدُ، فأرْسَل ثوبَه، حتى خرَج خاتمُه، فلمَّا رآه أتاه وكلَّمه، ثم انْطَلَق، فاشْتَرَى بدينارٍ، ببعضِه شاةً فشواها ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، وببعضِه خبزًا، ثم أتاه به، فقال: "ما هذا؟ " قال سلمانُ: هذه صدقةٌ، قال: "لا حاجةَ لي بها، فأخْرِجْها فلْيَأْكُلْها المُسْلِمو
ن". ثم انْطَلَق فاشْتَرَى بدينارٍ آخرَ خبزًا ولحمًا، فأتَى به النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال: "ما هذا؟ " قال: هذه هديَّةٌ. قال: "فاقْعُدْ فكُلْ ¬بعده في م: "لم".¥ ". فقعَد فأكَلا جميعًا منها، فبينا هو يُحَدِّثُه إذ ذكَر أصحابَه، فأخْبَرَه خبرَهم، فقال: كانوا يَصُومون ويُصَلُّون ويُؤْمِنون بك، ويَشْهَدون أنك ستُبْعَثُ نبيًّا. فلما فرَغ سلمانُ مِن ثنائِه عليهم قال له نبىُّ اللهِ: "يا سَلْمانُ، هم مِن أهلِ النارِ". فاشْتَدَّ ذلك على سلمانَ، وقد كان قال له سلمانُ: لو أدْرَكوك صدَّقوك واتَّبَعوك. فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. فكان إيمانُ اليهودِ أنه مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وسنةِ موسى [كان مؤمنًا] ¬¥، حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وأخَذ بسنةِ موسى فلم يَدَعْها، و ¬¥ يَتَّبِعْ عيسى كان هالكًا. وإيمانُ النصارى أنه مَن تمَسَّك بالإنجيلِ منهم وشرائعِ عيسى، كان مؤمنًا مَقْبولًا منه، حتى جاء محمدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فمن لم يَتَّبِعْ محمدًا -صَل
َّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منهم ويَدَعْ ما كان عليه مِن سنةِ عيسى والإنجيلِ، كان هالكًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 73 إلى المصنف -بلفظه- وابن أبي حاتم. وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 127 (636)، والواحدى في أسباب النزول ص 16 من طريق عمرو بن حماد به، مختصرا.
وأخرجه الواحدى -أيضا- وابن عساكر في تاريخه 21/ 418، 419 من طريق عمرو، عن أسباط، عن السديِّ، عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مختصرا. وذكره الذهبى في السير 1/ 522 - 525 من طريق عمرو به عن السديِّ بإسناده، مطولا.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} الآية. قال: سأل ¬سقط من: م.¥ سلمانُ الفارسىُّ النبيَّ ¬في م: "للنبى".¥ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن أولئك النصارى وما رأي مِن أعمالِهم، قال: "لم يَمُوتوا على الإسلامِ". قال سلمانُ: فأظْلَمَت علىَّ الأرضُ، وذكرتُ ¬في م، ت 1: "ذكر".¥ اجتهادَهم ¬في الأصل: "أخبارهم".¥. فنزَلَت هذه الآيةُ، فدعا سلمانَ فقال: "نَزَلَت هذه الآيةُ في أصحابِك". ثم قال النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَن مات على دينِ عيسى، ومن (2) مات على دينِ الإسلامِ قبلَ أن يَسْمَعَ بى، فهو على خيرٍ، ومَن سمِع بي اليومَ ولم يُؤْمِنْ بي فقد هلَك" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 74 إلى المصنف. وأخرجه الواحدى في أسباب النزول ص 15 من طريق ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: لما قص سلمان. . . وأخرجه ابن أبى عمر المدنى في مسنده -كما في الدر المنثور 1/ 73 - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 126 (634) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قال سلمان: ... ومجاهد لم يسمع من سلمان.¥.
وقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ}. إلى قولِه: {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}. فأنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بعدَ هذا: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 126 (635)، وابن الجوزي في ناسخه ص 130 من طريق أبي صالح به.¥ [آل عمران: 85].
[حدَّثنا ابنُ البَرْقىِّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. قال: هي منسوخةٌ، نسخَتها: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا}] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
وهذا الخبرُ يَدُلُّ على أن ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن اللهَ تعالى ذكرُه قد كان وعَد مَن عمِل صالحًا مِن اليهودِ والنصارى والصابئين على عملِه في الآخرةِ الجنةَ، ثم نسَخ ذلك بقولِه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}.
فتأويلُ الآيةِ إذن على ما ذكَرْنا عن مجاهدٍ والسديِّ: إن الذين آمَنوا مِن هذه الأمةِ، والذين هادُوا والنصارى والصابئين -مَن آمَن مِن اليهودِ والنصارى والصابئين باللهِ واليومِ الآخرِ- فلهم أجرُهم عندَ ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون.
والذي قلْنا مِن التأويلِ الأولِ أشْبَهُ بظاهرِ التَّنْزيلِ؛ لأن اللهَ تعالى ذِكرُه لم يَخْصُصْ بالأجرِ على العملِ الصالحِ مع الإيمانِ بعضَ خلقِه دونَ بعضٍ منهم، والخبرُ بقولِه: {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}. عن جميعِ مَن ¬سقط من: ت 1، وفي م، ت 2، ت 3: "ما".¥ ذكَر في أولِ الآيةِ.