এই সুদৃঢ় অঙ্গীকার করার পরেও তোমরাই তো তারা, যারা আজ নিজেরা পরস্পরকে হত্যা করছো, তোমাদেরই এক দল আরেক দলকে তাদের গৃহ থেকে বের করে দিচ্ছো। তোমরা পাপ (অবিচার) ও সীমালঙ্ঘনের মাধ্যমে তাদের বিরুদ্ধে সহায়তা করছো। আর তারা যদি যুদ্ধবন্দি হয়ে তোমাদের নিকট আসে, তোমরা মুক্তিপণ দিয়ে তাদেরকে মুক্ত করো; অথচ তাদেরকে বের করাই তোমাদের জন্য হারাম ছিল। তাহলে তোমরা কি কিতাবের কিছু অংশে ঈমান রাখো, আর কিছু অংশ অস্বীকার করো? সুতরাং তোমাদের মধ্যে যারা তা করে দুনিয়ার জীবনে লাঞ্ছনা ছাড়া তাদের আর কী বা প্রতিদান হতে পারে? আর কিয়ামতের দিনে তাদেরকে কঠিনতম শাস্তিতে নিক্ষেপ করা হবে। আর তোমরা যা করো, আল্লাহ সে সম্পর্কে অনবহিত নন।
এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।
{ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)}.
[{ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} تقديره: ثم أنتم يا هؤلاء، ومنع (كثير) ¬في (ل): "كثيرون".¥ من النحاة حذف حرف النداء مع اسم الإشارة، وسوغه بعضهم؛ وهو ظاهر السياق.
وقيل: هؤلاء بمعنى: "الذين"، ومعناه: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم ... إلى آخره. وقيل معناه: ثم أنتم اليوم هؤلاء؛ [مبتدأ وخبر؛ أي: ثم صرتم بعد العهود والمواثيق] ¬ساقط من (ج).¥ على ما أنتم عليه من] ¬من (ج) و (ع) و (ل) و (ى).¥ [الصفة المفسَّرة بما بعده.
قال الزمخشري ¬في "الكشاف" (1/ 79) وعبارته: "والمعنى: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء الشاهدون، يعني: أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلًا لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به".¥: نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات؛ كما يقال: دخل بغير الوجه الذي خرج به] ¬من (ج) و (ع) و (ل) و (ى).¥.
{تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ... } الآية.
الآية؛ قال: (أنبأهم) ¬كذا في جميع "الأصول"؛ وفي "ن": "ابتلاهم" وأشار في الحاشية إلى اللفظ الأول، وفي "تفسير الطبري": "أنبهم الله".¥ الله بذلك من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداءَ أسراهم؛ فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع (وأنهم) ¬في (ن): "وهم".¥ حلفاء الخزرج والنضير؛ وقريظة (وأنهم) ¬في (ن): "وهم".¥ حلفاء الأوس؛ فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس؛ يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا، ولا حرامًا؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، (ويطلون) ¬كذا في (ز) و (ض) و (ع) و (ى) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (1471) ووقع في (ج) و (ك) و (ل) و (ن): "ويطلبون". ومعنى: "يطلون" يعني: يهدرون. يقال: طل دمه وأطله: إذا أهدره وأبطله.¥ ما أصابوا من دمائهم، (وقتلوا) ¬في (ز): "قتلى".¥ من قتلوا منهم، فيما بينهم مظاهرةً لأهل الشرك عليهم، يقول الله تعالى ذكره (حين) ¬في (ن): "حيث".¥ (أنبأهم) ¬في (ز): "أنبهم".¥ بذلك: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أي: تفادونهم بحكم التوراة. وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا (يفعل) ¬في (ن): "يقتل".¥ (ويخرجه من داره، ويظاهر) ¬كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ز) و (ن): "ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله".¥ عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا؟
ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة. وقال أسياط، من السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب (سمير) ¬في (ن): "بينهم". قال الشيخ محمود شاكر حفظه الله: "حرب سمير كانت في الجاهلية بين الأوس والخزرج، و"سمير"" رجل من بني عمرو بن عوف. وانظر خبر هذه الحرب في "الأغاني" (3/ 18 - 26). اهـ.¥، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها (ويغلبونهم) ¬في (ز): "يلعنونهم".¥، فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها؛ فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن (تستذل حلفاؤنا) ¬كذا في (ز) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (1472)؛ وفي (ض) و (ع) و (ك) و (ى): "يستذل بحلفائنا"؛ وفي (ج): "نذل لحلفائنا" وفي (ك): "تذل حلفائنا"؛ وفي (ن): "تستذل حلفاءنا".¥؛ فذلك حين عيرهم الله (تبارك وتعالى)؛ فقال (تعالى) ¬من (ن) و (ل).¥: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ... } الآية.
وقال (شعبة) ¬في (ن): "وقال أسباط عن السدي، عن الشعبي"!! وأخرجه ابن أبي حاتم (866) من طريق حمدان بن الوليد البصري، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن السدي. وحمدان لم أجد له ترجمة.¥، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ ... } الآية.
وقال أسباط ¬أخرجه ابن أبي حاتم (870) بسند حسن.¥، عن السدي، عن عبد خير؛ قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي (بلنجر) ¬في (ل): "بكنجر"! و"بلنجر" قال ياقوت في "معجم البلدان" (1/ 489): "بفتحتين وسكون النون فجيم مفتوحة وراء: مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب".¥، فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهوديةً بسبعمائة؛ فلما مر برأس الجالوت نزل به؛ فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز ها هنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائةً أخرى. قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله لتشترينها مني أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه (التي) ¬في (ن): "مما".¥ في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته؛ {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين ورد عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس ¬ومن طريقه ابن جرير (1480) قال: حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس. والمثنى لم أجد له ترجمة، ولكنه لم يتفرد برواية تفسير آدم. [وسنده جيد].¥ في "تفسيره": حدثنا أبو جعفر؛ يعني: الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادى من النساء من لم يقع (عليها) ¬في (ن): "عليه".¥ مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.
والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك، وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونعته، ومبعثه، ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله (عليهم الصلاة والسلام).
واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (أي) ¬من (ز) و (ض) و (ك) و (ى).¥: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره؛ {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} جزاءً على (ما كتموه من) ¬في (ن): "مخالفتهم".¥ كتاب الله الذي بأيديهم، {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا (تَعْمَلُونَ) ¬في (ز): "يعملون" وهي قراءة نافع، وابن كثير، وشعبة، ويعقوب الحضرمي.¥