تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)}.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ}. يعني آدمَ، {مِنْ عَجَلٍ}.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: مِن عَجَلٍ في بِنْيَتِه وخَلْقِه ¬في ص، م، ت 1، ف: "خلقته".¥، كان مِن العَجَلَةِ ¬في ت 2: "عجل".¥، وعلى العجَلَةِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. قال: لمَّا نُفِخ في آدمَ الروحُ في رُكبتَيْهِ ذَهَب لِينهضَ، فقال اللهُ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 319 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما نُفِخ فيه، يعني في آدمَ، الروحُ، فدخَل في رأسِه عطَس ¬في ت 2: "فعطس".¥، فقالت الملائكةُ: قُلْ: الحمدُ للهِ. فقال: الحمدُ للهِ. فقال اللهُ له: رحِمكَ ربُّك. فلمَّا دخَل الروحُ في عَيْنَيْه نظَر إلى ثمارِ الجَنَّةِ، فلمَّا دخَل في جوفِه اشْتَهى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تبلغَ الروحُ رجُلَيه عَجْلَانَ إلى ثمارِ الجنةِ، فذلك حينَ يقولُ اللَّهُ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. يقولُ: خُلِق الإنسانُ عَجُولًا ¬تقدم مطولًا في 1/ 486 - 488.¥.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ¬في ت 2: "أبو".¥ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. قال: خُلِق عَجُولًا ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 24 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 319 إلى ابن المنذر.¥.
وقال آخرون: معناه {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. أي: من تَعْجِيلٍ فِي خَلْقِ اللَّهِ إيَّاه ومِن سُرعةٍ فيه وعلى عَجَلٍ. وقالوا: خلَقه اللهُ في آخِرِ النَّهَارِ يومَ الجُمُعةِ قبلَ غُروبِ الشمسِ على عجلٍ في خَلْقِهِ إِيَّاه قبلَ مَغيبِها.
ذِكْرُ مِن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا ¬سقط من: ص، ت 2.¥ عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. قال: قولُ آدمَ حينَ خُلِق بعدَ كلِّ شيءٍ آخرَ النهارِ مِن يومِ خُلِق الخَلْقُ، فلمَّا أَحْيا الروحُ عَينَيْه ولسانَه ورأسَه، ولم يَبلُغْ أسْفَلَه، قال: يا ربِّ اسْتَعْجِلْ بخَلْقِى قبلَ غروبِ الشمسِ ¬تفسير مجاهد ص 471، وأخرجه ابن أبي شيبة 14/ 115، وأبو الشيخ في العظمة (1026) من طريق ليث عن مجاهد بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 319 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
[حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه] ¬كذا في النسخ، وهو تكرار من الأثر السابق.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. قال: آدمُ حينَ خُلِق بعدَ كلِّ شيءٍ. ثم ذكَر نحوَه، غيرَ أنَّه قال في حديثِه: اسْتَعْجِلْ بخَلْقِي فقد غَرَبتِ الشمسُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. قال: على عَجَلٍ خُلِق آدمُ آخِرَ ذلك اليومِ من [ذلك اليومِ] ¬في ص، ت 1: "ذلك اليومين" في م: "ذينك اليومين".¥، يريدُ يومَ الجُمُعةِ، وخَلَقه على عجلٍ، وجعَلَه عَجُولًا ¬ذكره أبو حيان في البحر المحيط 6/ 313 بنحوه.¥.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ ¬هو الأخفش، كما في البحر المحيط 6/ 313.¥ ممَّن قال نحوَ هذه المقالةِ: إنَّما قال: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} وهو يعنى أنه خلَقَه مِن تعجيلٍ من الأمرِ؛ لأنَّه قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]. قال: فهذا العَجَلُ، وقولُه: {فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} [إنِّي {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي}] ¬سقط من: ت 2.¥.
وعلى قولِ صاحبِ هذه المقالةِ يجبُ أن يكونَ كلُّ خَلْقِ اللهِ خُلِق على عَجَلٍ؛ لأن كلَّ ذلك خُلقِ بأنْ قِيل له: كُنْ. فكان. فإن كان ذلك كذلك، فما وَجْهُ خصوصِ الإنسان إذن بذكرِ أَنَّه خُلِق من عَجَلٍ دونَ الأشياءِ كلِّها، وكُلُّها مخلوقٌ منِ عَجَلٍ، وفي خصوصِ اللهِ تعالى ذِكرُه الإنسانَ بذلك، الدليلُ الواضحُ على أن القولَ في ذلك غيرُ الذي قاله صاحبُ هذه المقالةِ.
وقال آخرون مِنهم ¬هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 2/ 38، 39.¥: هذا من المَقْلوبِ، وإِنَّما هو: خُلِق [العجَلُ مِنْ] (2) الإنسانِ وخُلِقتِ العَجَلَةُ من الإنسانِ. وقالوا: ذلك مثلُ قولِه: {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} [القصص: 76] إنَّما هو: لَتَنوءُ العصبةُ بها مُتثاقِلةً. وقالوا: هذا وما أشْبَههُ في كلامِ العربِ كثيرٌ مشهورٌ. قالوا: وإنَّما كُلِّم القومُ بما يَعقلون. قالوا: وذلك مثلُ قولِهم: عرَضْتُ الناقةَ [على الحوضِ. يُريدون: عرضتُ الحوضَ على الناقةِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 3، ف.¥. وكقولِهم: إذا طلعتِ الشِّعرَى واستوى العودُ على الحِرْباءِ. أي: اسْتَوتِ الحِرْباءُ على العودِ. كقولِ الشاعرِ ¬هو خداش بن زهير، والبيت في الكامل 2/ 62، واللسان (ض ط ر)، والشطر الثاني في المخصص 2/ 77 غير منسوب.¥:
وتَركَبُ خَيلًا لا هَوَادَةَ بينَها ... وتَشْقَى الرِّماحُ بالضياطِرَةِ ¬الضياطرة: الرجال الضخام. اللسان (ض ط ر).¥ الحُمْرِ
وكقولِ ابن مُقْبلٍ ¬ديوانه ص 325.¥:
حَسَرْتُ كَفِّى عن السِّربالِ آخُذُه ... فَردًا يُجَرُّ علَى أَيْدِى المُفَدِّينا
يريدُ: حسَرتُ السِّربالَ عن كَفِّى. ونحوُ ذلك مِن المقلوبِ.
وفي إجماعِ أهلِ التأويلِ على خلافِ هذا القولِ الكفايةُ المغنيةُ عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه.
قال أبو جعفرٍ رحِمهُ اللهُ: والصوابُ من القولِ في تأويلِ ذلك عِندَنا القولُ الذي ذكَرْناه عمَّن قال: معناه: خُلِق الإنسانُ من عَجَلٍ فِي خَلْقِهِ. أَيْ: على عَجَلٍ وسُرعةٍ في ذلك. وإنما قِيل: ذلك كذلك لأنَّه بُودِر بخلْقِه مغيبُ الشمسِ في آخِرِ ساعةٍ مِن نهارِ يومِ الجُمُعةِ، وفي ذلك الوقتِ نُفِخ فيه الروحُ.
وإنما قلنا: ذلك ¬زيادة يقتضيها السياق.¥ أولى الأقوال التي ذكرْناها في ذلك بالصواب؛ لدلالةِ قولِه تعالى ذِكرُه: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}. على ذلك.
وأن أبا كريبٍ حدَّثنا قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إِن في الجُمُعَةِ لَسَاعَةً - يُقَلِّلُها ¬أي يقلل يده؛ كما في مصادر التخريج الآتية، ويقللها: كأنه يشير إلى ضيق وقتها. ينظر التمهيد 19/ 18.¥ - فقال: لا يُوافِقُها عَبْدٌ مسلِمٌ يَسأَلُ الله فيها خيرًا إِلَّا آتاه اللهُ إيَّاه". فقال عبدُ اللهِ بنُ سلَامٍ: قد علِمتُ أيَّ ساعةٍ هِي؛ هي آخِرُ ساعاتِ النهارِ من يومِ الجُمُعةِ، قال اللهُ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} ¬أخرجه البغوي في شرح السنة (1046) من طريق محمد بن عمرو به، وينظر الطيالسي (2484)
وأخرج المرفوع منه أبو يعلى (5925) من طريق ابن إدريس به مختصرًا، وأخرجه الطيالسي (2483)، وأحمد (10545) من طرق محمد بن عمرو به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ وعَبْدةُ بنُ سليمانَ وأسدُ ¬في ص، م: "أسير". وتقدم في 3/ 382، وينظر التاريخ الكبير 2/ 49.¥ بنُ عمرو، عن محمدِ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بنحوِه. وذكَر كلامَ عبدِ اللهِ بن سلامٍ بنحوِه.
فتأويلُ الكلامِ إذ كان الصوابُ في تأويلِ ذلك ما قُلنا بما بهِ اسْتَشْهَدْنا: خُلِقَ الإنسان مِن تعجيلٍ ¬في ص، م: "عجل".¥؛ ولذلك يَسْتَعجِلُ ربَّه بالعذابِ، {سَأُرِيكُمْ} ¬بعده في ص، م، ت 1، ف: "آياتي فلا تستعجلون".¥ أيُّها المُستَعجِلون ربَّهم بالآياتِ القائِلُون لنبيِّهم ¬في ص، م، ت 1، ت 3، ف: "لنبينا".¥ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5]- {آيَاتِي}، كما أَرَيْتُها ¬في ت 1: "توارثتها".¥ مَن قَبْلَكم من الأممِ التي أهْلَكْتُها ¬في ص، م: "أهلكناها".¥ بتكذيبِها الرُّسلَ، إذ أَتَتْهَا الآياتُ، {فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}. يقولُ: فلا تَستَعجِلوا ربَّكم، [فإنَّا سنأتِيكُم] ¬في ت 1، ت 2، ف: "بها فإنها سياتيكم".¥ بها ونُرِيكُمُوها.
واختَلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}. فقرَأَتُه عَامَّةُ قرَأةِ الأمصارِ: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} بضمِّ الخاءِ على مذهبِ ما لم يسمَّ فاعلُه. وقرَأه حُميدٌ الأعرجُ: (خَلَقَ) بفَتحِها ¬وهى قراءة مجاهد وابن مقسم، وهى قراءة شاذة، ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص 94، والبحر المحيط 6/ 313.¥. بمعنى: خَلَقَ اللَّهُ الإنسانَ.
والقراءةُ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ هي القراءةُ التي لا أسْتَجيزُ خِلافَها.