تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقولُه: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ}. اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ سوى يحيى بن وثَّابٍ والأعمشِ والكسائيِّ: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا}. [بمعنى: فجعلهم جذاذًا] ¬سقط من: م، والكلام فيه سقط ظاهر، ويوضحه ما قاله أبو حيان في البحر المحيط 6/ 322: وقرأ الجمهور "جُذاذًا". بضم الجيم، والكسائي وابن محيصن وابن مقسم وأبو حيوة وحميد والأعمش في رواية بكسرها، وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها ... وقال اليزيدي: "جذاذا" بالضم جمع "جُذاذة"، كزجاج وزجاجة. وقيل: بالكسر جمع "جَذيذ" ككَريم وكرام. وقيل: الفتح مصدر كالحصاد بمعنى المحصود، فالمعنى "مجذوذين" ... وقرأ يحيى بن وثاب: جُذاذًا ... كجديد ومجدُد. وقرئ "جُذاذًا" ... ¥، بمعنى جمعٍ ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 3، ف: "جذيذ".¥، كأنهم أرادُوا به جمعَ جَذِيذٍ وجذاذٍ، كما يُجمَعُ الخَفِيفُ حِفافًا، والكريمُ كِرامًا.
وأولى القراءتَين في ذلك عندَنا بالصوابِ قراءةُ مَن قرأه: {جُذَاذًا}. بضَمِّ الجيمِ؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ عليه، وأن ما أجمَعت عليه فهو الصوابُ ¬وما قرأ به الكسائي أيضًا فهو صواب؛ لأن قراءته من السبعة المتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.¥، وهو إذا قُرِئ كذلك مصدرٌ مثلَ الرُّفاتِ والفُتاتِ والدُّقاقِ، لا واحدَ له. وأما مَن كَسَر الجيمَ، فإنه جمعٌ لـ "جَذيذِ" والجَذِيذُ هو فَعِيلٌ، صُرِف مِن مَجذوذٍ إليه، مثلَ كَسِيرٍ، وهَشِيمٍ. والمجذوذةُ المكسورةُ قِطَعًا.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا}. يقولُ: حُطامًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 321 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {جُذَاذًا}: كالصَّرِيمِ ¬تفسير مجاهد ص 472.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا}. أي: قِطَعًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في تغليق التعليق 4/ 257 - من طريق يزيد بن زريع به.¥.
وكان سببَ فعلِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه بآلهةِ قومِه ذلك، كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، أن إبراهيمَ قال له أبوه: يا إبراهيمُ، إن لنا عيدًا لو قد خَرَجتَ معنا إليه قد أعجَبَك دِينُنا؟ فلما كان يومُ العيدِ، فخَرجوا إليه، خَرَج معهم إبراهيمُ، فلما كان ببعضِ الطريقِ ألقَى نفسَه وقال: إنى سَقِيمٌ. يقولُ: أَشْتَكى رِجْلى. فتَوطَّئوا ¬في م: "تواطئوا".¥ رِجْلَيه وهو صريعٌ، فلما مَضَوا نادَى في آخِرِهم، وقد بَقِيَ ضَعْفَى الناسِ: {وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ}. فسَمِعوها منه، ثم رَجَع إبراهيمُ إلى بيتِ الآلهةِ، فإذا هُنَّ في بَهْوٍ عظيمٍ، مُسْتقبِلَ بابِ البَهْوِ صنمٌ عظيمٌ، إلى جَنْبِه أصغرُ منه، بعضُها إلى بعضٍ، كلُّ صنمٍ يليه أصغرُ منه، حتى بَلَغوا بابَ البَهْوِ، وإذا هم قد جَعَلوا طعامًا، فوَضَعوه بينَ يَدَى الآلهةِ، قالوا: إذا كان حينَ نرجِعُ رَجَعْنا، وقد بارَكَتِ الآلهةُ في طعامِنا، فأكَلنا. فلما نَظَر إليهم إبراهيمُ، وإلى ما بينَ أيدِيهم مِن الطعامِ، {فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ}. فلما لم تُجِبْه، قال: {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92)
فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 91 - 93]. فأخَذَ ¬بعده في م: "فأس".¥ حديدةً، فنَقَرَ كلَّ صنمٍ في حافَتَيه، ثم عَلَّق الفأسَ في عُنُقِ الصنمِ الأكبرِ، ثم خَرَجَ، فلما جاء القومُ إلى طعامِهم نَظَروا إلى آلهتِهم، {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 236 - 238 مطولًا بإسناد السدي المعروف.¥.
وقوله: {إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ}. يقولُ: إلا عظيمًا للآلهةِ؛ فإنَّ إبراهيمَ لم يَكْسِرُه، ولكنَّه فيما ذُكِر عَلَّق الفأسَ في عُنُقِه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: {إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ}. قال: قال ابن عباسٍ: إلا عظيمًا لهم، عظيمَ آلهتِهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 321 إلى ابن المنذر.¥.
قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: وجَعَل إبراهيمُ الفأسَ التي ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "الذي".¥ أَهْلَك بها ¬في ص، ت 1، ت 2 ف: "به".¥ أصنامهم مُسْندةً إلى صدرِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "ظهر".¥ كبيرِهم الذي تَرَكَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: جَعَل إبراهيمُ الفأسَ التي أهْلَك بها أصنامَهم مُسْندةً إلى صدرِ كبيرِهم الذي تَرَك ¬تفسير مجاهد ص 473.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: أقبَل عليهنَّ كما قال اللهُ تبارَك وتعالى: {ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 93]. ثم جَعَل يكسِرُهنَّ بفأسٍ في يَدِه، حتى إذا بَقِى أعظمُ صنمٍ منها رَبَط الفأسَ بيدِه، ثم تَرَكهنَّ، فلما رَجَع قومُه رَأَوا ما صُنِع بأصْنامِهم، فَراعَهم ذلك وأعْظَموه وقالوا: مَن فَعَل هذا بآلهتِنا؟ إنه لمِن الظالمين ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 238.¥.
وقولُه: {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}. يقولُ: فَعَلَ ذلك إبراهيمُ بآلهتِهم؛ ليَعْتَبِرُوا ويَعْلَموا أنها إذا لم تَدْفَعْ عن نفسِها ما فعل بها إبراهيمُ، فهى مِن أن تدفَعَ عن غيرها مَن أرادَه بسُوءٍ أبعدُ، فيرجِعوا عما هم عليه مُقِيمون مِن عبادتِها إلى ما هو عليه من دينِه وتوحيدِ اللهِ والبراءةِ مِن الأوثانِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}. قال: كادَهم بذلك لعلهم يَتَذكَّرون أو يُبْصِرون ¬ينظر التبيان 7/ 228.¥.