تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)}.
اختَلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذين الخصمين اللذين ذكَرَهما اللَّهُ؛ فقال بعضُهم: أحدُ الفريقين أهلُ الإيمانِ، والفريقُ الآخرُ عبدُة الأوثانِ مِن مُشْركى قريشٍ الذين تَبارَزوا يومَ بدرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا أبو هاشمٍ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن قيسِ بنِ عُبادِ ¬في م: "عبادة". وينظر تهذيب الكمال 24/ 64.¥، قال: سمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ قَسَمًا أن هذه الآيةَ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}، نزَلَت في الذين بارَزوا يومَ بدرٍ؛ حمزةَ وعليٍّ وعُبَيدةَ بن الحارثِ، وعتبةَ وشيبةَ ابنى ربيعةَ والوليدِ بن عتبةَ ¬أخرجه البخارى (3969، 3743)، ومسلم (3033/ 34)، والنسائى (8649) من طريق هشيم به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 348 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.¥.
قال ¬القائل قيس بن عباد.¥: وقال عليٌّ: إنى لأوَّلُ - أو مِن أولِ - مَن يَجْثو للخُصومةِ يومَ القيامةِ بينَ يدِى اللَّهِ تبارك وتعالى ¬أخرجه ابن أبي شيبة 9/ 427، والبخارى (3965، 4744)، والنسائى (8650)، والبيهقى في الدلائل 3/ 73 من طريق أبى مجلز به.¥.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن أبى مجلزٍ، عن قيسِ بن عُبَادٍ، قال: سمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ باللَّهِ قسمًا: لَنَزَلَت هذه الآيةُ في ستةٍ مِن قريشٍ؛ حمزةَ بن عبدِ المطلبِ، وعليِّ بن أبى طالبٍ، وعُبَيدةَ بن الحارثِ، - رضِى اللَّهُ عنهم -، وعتبةَ بن ربيعةَ، وشيبةَ بن ربيعةَ، والوليدِ بن عتبةَ، {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. إلى آخرِ الآيةِ، {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. إلى آخرِ الآيةِ ¬تفسير سفيان ص 209. ومن طريقه ابن أبي شيبة 14/ 365، والبخارى (3966، 3968)، والبيهقى في دلائل النبوة 3/ 73.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن أبى مجلزٍ، عن قيسِ بن عُبادٍ، قال: سمِعْتُ أبا ذرٍّ يُقْسِمُ. ثم ذكَر نحوَه ¬أخرجه مسلم (3033)، وابن ماجه (2835) من طريق عبد الرحمن به.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ ¬في ف: "مجيب". وينظر تهذيب الكمال 26/ 365.¥، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورِ بن المعتمرِ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: نزَلَت هذه الآيةُ في الذين تَبارَزوا يومَ بدرٍ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} ¬ينظر فتح البارى 8/ 444.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يَسارٍ، قال: نزَلَت هؤلاء الآياتُ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. في الذين تَبارَزوا يومَ بدرٍ؛ حمزةَ، وعليٍّ، وعُبيدةَ بن الحارثِ، وعتبةَ بن ربيعةَ، وشيبةَ بن ربيعةَ، والوليدِ بن عتبةَ. إلى قولِه: {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ}.
قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي هاشمٍ، عن أبي مجلزٍ، عن قيسِ بن عُبادٍ ¬في م: "عبادة".¥، قال: واللَّهِ لأُنْزِلَت هذه الآيةُ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. في الذين خرَج بعضُهم إلى بعضٍ يومَ بدرٍ؛ حمزةَ، وعليٍّ، وعُبيدةَ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، وشيبةَ، وعتبةَ، والوليدِ بن عتبةَ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 14/ 379، والبيهقى في دلائل النبوة 3/ 73 من طريق أبى مجلز به.¥.
وقال آخرون ممن قال: أحدُ الفريقين فريقُ الإيمانِ: بل ¬في ت 1، ف: "قل". وفى ت 2: "و".¥ الفريقُ الآخرُ أهلُ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. قال: هم أهلُ الكتابِ قالوا للمؤمنين: نحن أولى باللَّهِ وأقدمُ منكم كتابًا، ونبيُّنا قبلَ نبيِّكم ¬بعده في م: "و".¥. قال المؤمنون: نحن أحقُّ باللَّهِ، آمَنَّا بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وآمَنَّا بنبيِّكم، وبما أنْزَل اللَّهُ مِن كتابٍ، فأنتم تَعْرِفون كتابَنا ونبيَّنا، ثم ترَكْتُموه وكفَرْتُم به حسدًا. وكان ذلك خصومتَهم في ربِّهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 349 إلى المصنف وابن مردويه.¥.
وقال آخرون منهم: بل الفريقُ الآخرُ الكفارُ كلُّهم، مِن أيِّ ملةٍ كانوا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعطاءِ بن أبى رَباحٍ، وأبى قَزَعَةَ، عن الحسنِ ¬في ص، م: "الحسين".¥، قال: هم الكافرون والمؤمنون، اخْتَصَموا في ربِّهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 349 إلى المصنف.¥.
قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: مثلُ الكافرِ والمؤمنِ. قال ابن جريجٍ: خصومتُهم التي اخْتَصَموا في ربِّهم، خصومتُهم في الدنيا مِن أهلِ كلِّ دينٍ يَرَوْن أنهم أولى باللَّهِ مِن غيرِهم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ ¬في ت 2، ف: "عباس". وينظر تهذيب الكمال 26/ 245.¥، قال: كان عاصمٌ والكلبيُّ يقولان جميعًا في: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. قال: أهلُ الشركِ والإسلامِ حينَ اخْتَصَموا أيُّهم أفضلُ؟ قال: جعَل الشركَ ملةً ¬ينظر تفسير القرطبي 12/ 26.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. قال: مَثَلُ المؤمنِ والكافرِ، اختصامُهما في البعثِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 349 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقال آخرون: الخصمان اللذان ذكَرَهما اللَّهُ في هذه الآيةِ الجنةُ والنارُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ في: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ}. قال: هما الجنةُ والنارُ اخْتَصَمَتا، فقالت النارُ: خلَقَنى اللَّهُ لعقوبتِه. وقالت الجنةُ: خلَقَنى اللَّهُ لرحمتِه. فقد قصَّ اللَّهُ عليك مِن خبرِهما ما تَسْمَعُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 349 إلى المصنف إلى قوله: خلقنى الله لرحمته.¥.
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصواب وأشبهُها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنِى بالخصمينِ جميعُ الكفارِ مِن أيِّ ¬في م: "أن".¥ أصنافِ الكفرِ كانوا، وجميعُ المؤمنين. وإنما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنه تعالى ذكرُه ذكَر قبلَ ذلك صِنْفين مِن خلقِه؛ أحدُهما: أهلُ طاعةٍ له بالسجودِ، له والآخرُ: أهلُ معصيةٍ له، قد حقَّ عليه العذابُ، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ}. ثم قال: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}. ثم أتْبَع ذلك صفةَ الصِّنْفين كليهما وما هو فاعلٌ بهما، فقال: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ}. وقال اللَّهُ: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الحج: 23]. فكان بيِّنًا بذلك أن ما بيَن ذلك خبرٌ عنهما.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما رُوِى عن أبي ذرٍّ في قولِه: إن ذلك نزَل في الذين بارَزوا يومَ بدرٍ؟ قيل: ذلك إن شاء اللَّهُ كما رُوِى عنه، ولكنَّ الآيةَ قد تَنْزِلُ بسببٍ مِن الأسبابِ ثم تكونُ عامَّةً في كلِّ ما كان نظيرَ ذلك السببِ، وهذه من تلك، وذلك أن الذين تَبارَزوا إنما كان أحدُ الفريقين أهلَ شركٍ وكفرٍ باللَّهِ، والآخرُ أهلَ إيمانٍ باللَّهِ وطاعةٍ له، فكلُّ كافرٍ في حكمِ فريقِ الشركِ منهما في أنه لأهلِ الإيمانِ خَصْمٌ، وكذلك كلُّ مؤمنٍ في حكمِ فريقِ الإيمانِ منهما في أنه لأهلِ الشركِ خصمٌ.
فتأويلُ الكلامِ: هذان خصمان اختَصَموا في دينِ ربِّهم، واخْتِصامُهم في ذلك مُعاداةُ كلِّ فريقٍ منهما الفريقَ الآخرَ، ومحاربتُه إياه على دينِه.
وقولُه: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار}. يقولُ تعالى ذكرُه: فأما الكافرُ باللَّهِ منهما فإنه يُقَطَّعُ له قميصٌ مِن نُحاسٍ مِن نارٍ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار}. قال: الكافرُ قُطِّعَت له ثيابٌ مِن نارٍ، والمؤمنُ يُدْخِلُه اللَّهُ جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 349 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: {فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار}. قال: ثيابٌ مِن نُحاسٍ، وليس شئٌ مِن الآنيةِ أحْمَى وأشدَّ حرًّا منه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 349 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الكفارُ قُطِّعَت لهم ثيابٌ مِن نارٍ، والمؤمنُ يُدْخَلُ جناتٍ تَجْرِى مِن تحتِها الأنهارُ (1).