تفسير ابن كثير
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31}.
هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" ¬أخرجه مسلم (الصحيح، الأقضية باب 18) وأخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، البيوع، باب النجش). في أوله: وأخرجه موصولًا عن عائشة بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ" (الصحيح، الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور ح 2697).¥، ولهذا قال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} أي: يحصل ¬كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح) وفي الأصل: "يجعل" وهو تصحيف.¥ لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء ¬"الحكماء" زيادة من (عف) و (ح) و (حم) و (مح).¥ العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ.
وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وهل الدين إلا الحب والبغض، قال ¬كذا في (عف) و (ح) و (حم) و (مح) وفي الأصل كما قال بزيادة لفظ "كما" والصواب هو المثبت كما في تفسير ابن أبي حاتم.¥ الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} ". قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا: منكر الحديث ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وتعليقه بأنه منكر.¥.
ثم قال تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي باتباعكم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته ¬كذا في النسخ وفي نسخه (عف) فوق هذه الكلمة وردت لفظ: رسالته وكأنه يبين معنى: سفارته.¥، ثم قال تعالى آمرًا لكل أحد من خاص وعام: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا} أي: تخالفوا عن أمره {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحبُّ من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب للّه ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأُميّ خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} الآية [آل عمران: 81]، إن شاء الله تعالى.