تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولٌ في تأويلِ قولِه: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}.
يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: وبأني قد جئْتُكم بآيةٍ من ربِّكم، وجئْتُكم مصدِّقًا لما بينَ يَدَيَّ من التوراةِ. ولذلك نصَب {مُصَدِّقًا} على الحالِ مِن {جِئْتُكُمْ}. والذي يَدُلُّ على أنه نُصِب على قولِه: {وَجِئْتُكُمْ} دونَ العطفِ على قولِه: {وَجِيهًا} قوله: {لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ} ولو كان عطْفًا على قولِه: {وَجِيهًا}، لكان الكلامُ: ومصدِّقًا لما بينَ يديْه مِن التَّوْرَاةِ، ولِيُحِلَّ لكم بعض الذي حُرِّم عليكم.
وإنما قيل: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ}. لأن عيسى صلواتُ اللهِ عليه كان مؤمنًا بالتوراةِ مقِرًّا بها، وأنها مِن عندِ اللهِ، وكذلك الأنبياءُ، كلُّهم يُصَدِّقون بكلِّ ما كان قبلَهم من كتبِ اللهِ ورسلِه، وإن اختلَف بعضُ شرائعِ أحكامِهم؛ لمخالفةِ اللهِ بينهم في ذلك، مع أنَّ عيسى كان - فيما بلَغَنا - عاملًا بالتوراةٍ لم يخالفْ شيئًا مِن أحكامِها، إلا ما خفَّف اللهُ عن أهلِها في الإنجيلِ ممَّا كان مشدَّدًا عليهم فيها.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنبِّهٍ يقولُ: إن عيسى كان على شريعةِ موسى، صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وكان يَسْبِتُ ويَسْتَقبِلُ بيتَ المقدسِ، فقال لبني إسرائيلَ: إني لم أدْعُكم إلى خلافِ حرفٍ مما في التوراةِ، إلا لأُحِلَّ لكم بعضَ الذي حُرِّم عليكم، وأَضَعَ عنكم مِن الآصارِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 35 إلى المصنف.¥.
حدَّثني بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}: كان الذي جاء به عيسى أَلْيَنَ مما جاء به موسى، وكان قد حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبلِ والثُّروبُ ¬الثُّروب: جمع الثَّرْب، وهو شحم رقيق يُغَشَّى الكَرِش والأمعاء، وقيل: هو الشحم المبسوط على الأمعاء والمصارين. تاج العروس (ث ر ب).¥، وأشياءُ مِن الطيرِ والحِيتانِ ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 435.¥.
حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} قال: كان الذي جاء به عيسى ألينَ مما جاء به موسى. قال: وكان حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى مِن التوراةِ لحومُ الإبلِ والثُّروبُ، فأحَلَّها لهم على لسانِ عيسى - وحُرِّمَت عليهم الشحومُ، وأُحِلَّت لهم فيما جاء به عيسى - وفي أشياءَ مِن السمكِ، وفي أشياءَ من الطيرِ، مما لا صِيصِيَة ¬في ت 2، س: "صيصة". والصِّيصِيَة: شوكة الديك التي في رجليه. تاج العروس (ص ى ص).¥ له، وفي أشياءَ حرَّمها عليهم، وشدَّدها عليهم، فجاءَهم عيسى بالتَّخفيفِ منه في الإنجيلِ، فكان الذي جاء به عيسى ألْينَ مِن الذي جاء به موسى صلواتُ اللهِ عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 657، 658 (3557) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}، قال: لحومُ الإبلِ والشحومُ، لمَّا بُعِث عيسى أحَلَّها لهم، وبُعِث إلى اليهودِ فاخْتَلَفوا وتفَرَّقوا ¬ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 435.¥.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ}. أي: لِما سبَقَنى منها، {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}. أي: أُخْبِرُ كم أنه كان حرامًا عليكم فترَكْتُموه، ثم أُحِلُّه لكم تَخْفيفًا عنكم، فتُصِيبون يُسْرَه، وتَخْرُجون مِن تِباعَتِه ¬التبعة والتباعة. ما فيه إثم يُتبع به. يقال: ما عليه من الله في هذا تبعة ولا تباعة. ينظر تاج العروس (ت ب ع).
والأثر في سيرة ابن هشام 1/ 581، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 657 (3555) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحَنفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسن: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} قال: كان حُرِّم عليهم أشياءُ، فجاءَهم عيسى ليُحِلَّ لهم الذي حُرَّم عليهم، يَبْتَغِي بذلك شُكْرَهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 657 (3556) من طريق أبي بكر الحنفي به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}.
يعني بذلك: وجئتُكم بحُجَّةٍ وعِبْرةٍ مِن ربِّكم، تَعْلَمون بها حقيقةَ ما أقولُ لكم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} قال: ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلَّها، وما أعطاه ربُّه ¬تفسير مجاهد ص 253 ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 658 (3558).¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}: ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلِّها.
ويعنى بقولِه: {مِنْ رَبِّكُمْ}: مِن عِندِ رَبِّكم.