تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقولُه: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}. يقولُ تعالى ذكرُه: والذى له هذه الصفاتُ تبارَك وتعالى، هو الذى يبدأُ الخلقَ مِن غير أصل، فينشتُه ويُوجِدُه، بعد أن لم يكن شيئًا، ثم يُفْنيه بعد ذلك، ثم يعيده؛ كما بدأه بعدَ فنائِه، وهو أهونُ عليه.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}؛ فقال بعضُهم: معناه: وهو هيِّنٌ عليه.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا يحيى بن سعيد العطارُ، عن سفيانَ، عمَّن ذكره، عن منذرٍ الثوريِّ، عن الربيع بن حُثَيْمٍ ¬في م، ت 1: "خيثم". وينظر تهذيب الكمال 9/ 70.¥: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}. قال: ما شيءٌ عليه بعزيز ¬ذكره الحافظ في التغليق 3/ 486 عن المصنف، وذكره القرطبي 14/ 21، 22، وابن كثير 6/ 318.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}. يقولُ: كلُّ شيءٍ عليه هينٌ ¬ذكره القرطبي في تفسيره 14/ 21، وابن كثير في تفسيره 6/ 318 عن العوفي.¥.
وقال آخرون: معناه: وإعادةُ الخلقِ بعد فنائهم أهون عليه من ابتداء خلقهم.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني علي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ، عن ابن عباسٍ قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}. قال: يقولُ: أيسرُ عليه ¬ذكره الحافظ في الفتح 6/ 287، وابن كثير في تفسيره 6/ 318، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 155 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}. قال: الإعادة أهونُ عليه من البداءة، والبَداءةُ عليه هينٌ ¬تفسير مجاهد ص 538، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (1065). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 155 إلى الفريابي وابن أبى شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى في المصاحف.¥.
حدَّثنى ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن عكرِمةَ قرأ هذا الحرفَ: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}. قال: تعجَّبَ الكفارُ مِن إحياءِ اللَّهِ الموتى. قال: فنزلت هذه الآية: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}: إعادةُ الخَلقِ أهونُ عليه من إبداء الخلقِ ¬ذكره القرطبي في تفسيره 14/ 21، وابن كثير في تفسيره 6/ 318. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 155 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن شعبةَ، عن سماكٍ، عن عكرمة بنحوِه، إلا أنه قال: إعادةُ الخَلْقِ أهون عليه من ابتدائِه ¬ذكره الحافظ في التغليق 3/ 486 عن المصنف.¥.
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}. يقولُ: إعادتُه أهون عليه من بديه، وكلٌّ على الله هينٌ ¬سقط من: ت 2. الظاهر أن ذلك في مصحف عبد الله. وينظر البحر المحيط 7/ 169.¥.
[وفي بعض القراءةِ: (وكلٌّ على الله هينٌ)] ¬ديوانه 2/ 736.¥.
وقد يحتمل هذا الكلام وجهين غير القولين اللذين ذكرتُ، وهو أن يكون معناه: وهو الذى يبدأُ الخلق ثم يعيده، وهو أهون على الخلقِ. أي إعادة الشيءِ أهون على الخلقِ مِن ابتدائه. والذى ذكرنا عن ابن عباس في الخبر الذي حدَّثني به ابنُ سعدٍ، قول أيضًا له وجهٌ.
وقد وجَّه غيرُ واحدٍ من أهل العربية قولَ ذي الرُّمةِ ¬¥:
أخى قَفَرَاتٍ دَبَّبَتْ فِي عِظامِه ... شُفافاتُ أعْجازِ الكَرَى فهُوَ أَخْضَعُ
إلى أنه بمعنى: خاضعٌ. وقولَ الآخرِ:
لَعَمرُكَ إِنَّ الزِّبرقانَ لبَاذِلٌ ... لِمَعْرُوفِه عِنْدَ السِّنِينَ وأَفْضَلُ
كَرِيمٌ لَهُ عَنْ كُلِّ ذَمٍّ تَأْخُرٌ ... وفِي كُلِّ أَسْبابِ المَكارِمِ أَوَّلُ
إلى أنه بمعنى: وفاضلٌ. وقولَ مَعْنٍ ¬ديوانه ص 93.¥.
لَعَمْرُكَ ما أَدْرِى وَإِنِّي لَأَوْجَلُ ... على أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ
إلى أنه بمعنى: وإني لوَجِلٌ. وقول الآخرِ ¬تقدم في 16/ 16 وصدره هناك: تمنى رجال أن أموت.¥:
تَمَنَّى مُرَئُ القَيْسِ مَوْتى وإِنْ أُمُتْ ... فتَلكَ سَبِيلٌ لستُ فيها بأَوْحَدِ
إلى أنه بمعنى: لستُ فيها بواحدٍ. وقول الفرزدق ¬ديوانه ص 714.¥:
إنَّ الَّذى سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنا ... بَيْتًا دَعائمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ
إلى أنه بمعنى: عزيزةٌ طويلةٌ. قالوا: ومنه قولُهم في الأذانِ: الله أكبرُ. بمعنى: الله كبيرٌ. وقالوا: إنْ قال قائلٌ: إنَّ اللَّهَ لا يُوصَفُ بهذا، وإنما يُوصَفُ به الخلقُ. فزعَم أنه: وهو أهون على الخلق - فإن الحجةَ عليه قولُ اللَّهِ: {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 30]. وقوله: {وَلَا يَئُوَدُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255]: أي لا يُثْقِلُه حفظُهما.
وقولُه: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى}. يقولُ: ولله المثل الأعلى في السماواتِ والأرض، وهو أنه لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء، فذلك المثلُ الأعلى، تعالى ربُّنا وتقدَّسَ.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس قولَه: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ}. يقولُ: ليس كمثله شيءٌ ¬أخرجه البيهقي في الاعتقاد 1/ 45 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 155 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: مَثَلُه أنه لا إله إلا هو، ولا ربَّ غيره ¬ذكره البغوى في تفسيره 6/ 268، والطوسى في التبيان 8/ 221، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 155 إلى ابن أبي حاتم.¥.
وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. يقول تعالى ذكرُه: وهو العزيز في انتقامه من أعدائِه، الحكيمُ في تدبيره خلقَه، وتصريفهم فيما أراد؛ من إحياء وإماتةٍ، وبعث ونشرٍ، وما شاء.