تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقولُه: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ}. اختَلَفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: {غُلِبَتِ الرُّومُ} بضمِّ الغينِ، بمعنى أن فارسَ غَلَبت الرومَ.
ورُوى عن ابن عمرَ وأبى سعيدٍ في ذلك ما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الحسنِ الجُفْرِيِّ، عن سَلِيطٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقرأُ: (الم غَلَبَتِ الرُّومُ). فقيل له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، على أيِّ شئٍ غَلَبوا؟ قال: على ريفِ الشامِ ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 5/ 152 إلى المصنف، وهى قراءة على وأبى سعيد الخدرى وابن عباس ومعاوية بن قرة والحسن، وهى شاذة. البحر المحيط 7/ 161.¥
والصوابُ من القراءةِ فى ذلك عندَنا الذى لا يجوزُ غيرُه: {الم (1) غُلِبَتِ} ¬بعده في م، ف: "الروم".¥، بضمِّ الغين؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه. فإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: غَلَبت فارسُ الرومَ، {فِي أَدْنَى الْأَرْضِ}: من أرضِ الشامِ إلى أرضِ فارسَ، {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ}. يقولُ: والرومُ من بعدِ غلبةِ فارسَ إياهم {سَيَغْلِبُونَ} فارسَ، {فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ} من قبلِ غلَبَتِهِم فارسَ، ومن بعدِ غلَبَتِهم إياها، يقضى فى خلقِه ما يشاءُ، ويحكُمُ ما يريدُ، ويُظهِرُ مَن شاء منهم على مَن أحبَّ إظهارَه عليه، {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ}. يقولُ:: ويومَ يغلِبُ الرومُ فارسَ يفرحُ المؤمنون باللهِ ورسولِه بنصرِ الله إياهم على المشركين، ونُصْرةِ الرومِ على فارسَ، {يَنْصُرُ} اللهُ تعالى ذكرُه {مَنْ يَشَاءُ} من خلقِه على مَن يشاءُ، وهو نُصرةُ ¬في ت 1: "نصر"، وفى ت 2: "بنصرة".¥ المؤمنين على المشركين ببدرٍ، {وَهُوَ الْعَزِيزُ}. يقولُ: واللهُ الشديدُ فى انتقامِه من أعدائِه، لا يمنعُه من ذلك مانعٌ، ولا يَحولُ بينَه وبينَه حائلٌ، {الرَّحِيمُ} بمَن تاب من خلقِه وراجَع طاعت
َه أن يعذبَه.
وبنحوِ الذى قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا [محمدُ بنُ أسعدَ، أبو سعيدٍ التغلبيُّ، الذي يقالُ له أبو سعيدٍ] ¬في ص: "محمد بن سعيد أبو سعيد الثعلبى الذى يقال له أبو سعد"، وفى م، ف: "محمد بن سعيد أو سعيد الثعلبي الذى يقال له أبو سعد"، وفى ت 1: "محمد بن سعيد الثعلبي الذي يقال له أبو سعيد"، وفي ت 2: "سعيد أبو سعيد الثعلبي الذي يقال له أبو سعيد"، ولعل الصواب ما أثبت، وينظر الجرح والتعديل 7/ 208، والثقات لابن حبان 9/ 68، وتهذيب الكمال 24/ 429.¥؛ من أهلِ طَرَسُوسَ ¬طَرَسوس: مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. معجم البلدان 3/ 526.¥، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن سفيانَ بنِ سعيدٍ الثوريِّ، عن حبيبِ بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان المسلمون يحبُّون أن تَغلبِ الرومُ أهلُ الكتابِ، وكان المشركون يحبُّون أن يغلبَ أهلُ فارسَ؛ لأنهم أهلُ أوثانٍ. قال: فذكَروا ذلك لأبى بكرٍ، فذكَره أبو بكرٍ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أمَا إنهم سيَهزِمون". قال: فذكَر ذلك أبو بكرٍ للمشركين. قال: فقالوا: أفنجعلُ ¬في ت 1، ت 2: "فنجعل".¥ بينَنا وبينَكم أجلًا، فإن غلَبوا كان لك كذا وكذا، وإن غلَبنا كان لنا
كذا وكذا؟ قال: فجعَلوا بينَهم وبينَه أجلًا؛ خمسَ سنينَ. قال: فمضَت ولم يَغلِبوا. قال: فذكَر ذلك أبو بكرٍ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: "أفلا جعَلتَه دونَ العَشْرِ". قال سعيدٌ: والبِضْعُ: ما دونَ العشرِ. قال: فغُلِب الرومُ، ثم غَلَبت. قال: فذلك قولُه: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ}. قال: البِضْعُ: ما دونَ العشرِ. {لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ}. قال سفيانُ: فبلَغني أنهم غَلَبوا يومَ بدرٍ ¬أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (91) عن ابن المثنى به، وأخرجه أحمد 4/ 296، 490 (2495، 2769)، والبخارى فى خلق أفعال العباد (90)، والترمذى (3193)، والنسائي في الكبرى (11389)، وابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 6/ 304، والطبراني (12377)، والحاكم 2/ 410، وأبو نعيم فى الدلائل (242)، والبيهقى فى الدلائل 2/ 330، 331، وابن عساكر 1/ 372، 373، والضياء في المختارة 10/ 144، 146 (144، 145) من طريق أبي إسحاق الفزاري به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 150 إلى اب
ن المنذر وابن مردويه.¥.