تفسير ابن كثير
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)}.
يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى لله عليه وسلم تسليمًا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي: إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} [الفرقان].
{بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي: تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} كقوله - عز وجل -: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)} [يوسف] {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116].
قال محمد بن كعب في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} يعني إلى الناس عامة ¬عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.¥.
وقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله تعالى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله تبارك وتعالى أطوعهم لله - عز وجل - ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم يعني ابن أبان، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: إن الله تعالى فضل محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس فبم فضله على الأنبياء؟ قال - رضي الله عنه -: إن الله تعالى قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4]، وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ}، فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس ¬سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني، ويشهد له حديث جابر - رضي الله عنه - التالي.¥. وهذا الذي قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر - رضي الله عنه - عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس عامة" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية 67.¥.
وفي الصحيح أيضًا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بُعثت إلى الأسود والأحمر" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية 20.¥.
قال مجاهد: يعني: الجن والإنس ¬معناه صحيح.¥.
وقال غيره: يعني: العرب والعجم، والكل صحيح.