تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} وحدَه لا شريكَ له، وتبرءوا من الآلهةِ والأندادِ، {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} على توحيدِ اللَّهِ، ولم يَخْلِطوا توحيدَ اللَّهِ بشركِ غيرِه به، وانتَهوا إلى طاعتِه فيما أمَر ونهَى.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك جاء الخبرُ عن رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقاله أهلُ التأويلِ على اختلافِ منهم في معنى قولِه: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا}.
ذكرُ الخبرِ بذلك عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سَلْمُ ¬في ص، م، ت 1: "سالم"، ينظر تهذيب الكمال 11/ 232.¥ بنُ قتيبةَ [أبو قتيبةَ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، قال: ثنا سُهَيْلُ ¬في 2 ت 3 "سهل"، ينظر تهذيب الكمال 12/ 217.¥ ابن أبى حزمٍ القُطَعِيُّ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ما قرَأ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: قد قالها الناسُ، ثم كفَر أكثرُهم، فمن مات عليها فهو ممن استَقامَ ¬أخرجه الترمذى (3250) والنسائى في الكبرى (11470)، وابن أبي عاصم في السنة (20) عن عمرو بن علي، وأخرجه أبو يعلى (3495)، وعنه ابن عدى 3/ 1288 من طريق سلم بن قتيبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.¥.
[واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا}] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥؛ فقال بعضُهم: معناه: ثم ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ لم يُشْرِكوا به شيئًا، ولكن بَقُوا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "تموا".¥ على التوحيدِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عامرِ بن سعدٍ، عن سعيدِ بن نِمْرانَ ¬في الأصل: "نهران"، وفى ص، م، ت 1: "عمران"، وفى ت 2، ت 3: "نمير"، ووقع في تفسير "عبد الرزاق: "نجران"، والمثبت من مصادر التخريج الأخرى. وينظر ميزان الاعتدال 3/ 46، وأسد الغابة 2/ 399.¥، قال: قرَأَتُ عندَ أبى بكرٍ الصدِّيقِ رضِى اللَّهُ عنه هذه الآيةَ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: هم الذين لم يُشْرِكوا باللَّهِ شيئًا ¬تفسير سفيان ص 266، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 187، ومسدد - كما في الدر المنثور 5/ 363 ومن طريقه ابن مردويه كما في الدر أيضًا ومن طريقهما ابن عساكر 21/ 313، وابن سعد في الطبقات 6/ 84 من طريق سفيان به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى الفريابى وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ بإسنادِه، عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ رضِى اللَّهُ عنه مثلَه.
قال: ثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن أبي بكرِ بن أبى موسى، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن أبي بكرٍ رضِى اللَّهُ عنه أنه قال لأصحابِه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: قالوا: ربُّنا اللَّهُ ثم عمِلوا بها، قال: لقد حمَلْتُمُوها على غيرِ المَحْمَلِ: {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} الذين لم يَعْدِلُوها بشركٍ ولا غيرِه ¬أخرجه الحاكم 2/ 440، وأبو نعيم في الحلية 1/ 30 من طريق عبد الله بن إدريس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا الشيبانيُّ، عن أبى بكرِ بن أبى موسى، عن الأسودِ بن هلالٍ المحاربيِّ، قال: قال أبو بكرٍ رضى اللَّهُ عنه: ما تَقولون في هذه الآيةِ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قال: فقالوا: ربُّنا اللَّهُ ثم استَقاموا من ذنبٍ، قال: فقال أبو بكرٍ: لقد حمَلتُم على غيرِ المحمَلِ، قالوا ربُّنا اللَّهُ ثم استقاموا، فلم يَلْتَفِتوا إلى إلهٍ غيرِه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قال: أي على لا إلهَ إلا اللَّهُ ¬ذكره البغوي في تفسيره 7/ 172، والقرطبى في تفسيره 15/ 358، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى عبد بن حميد.¥.
قال: ثنا حكَّامٌ عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: أسلَموا ثم لم يُشْرِكوا به حتى لحِقوا به ¬أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 300 من طريق ليث عن مجاهد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى عبد بن حميد.¥.
قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: هم الذين قالوا ربُّنا اللَّهُ ثم لم يُشْرِكوا به حتى لقُوه.
قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن جامعِ بن شدادٍ، عن الأسودِ بن هلالٍ مثلَ ذلك.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: تَمُّوا على ذلك.
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ¬في ت 2: "عبد الرحمن"، ينظر الجرح والتعديل 4/ 92.¥ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: استَقاموا على شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ ¬أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 333، 334 من طريق الحكم بن أبان به، ووقع عنده: "الحسن بن أبان". وذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 165، وعزاه إلى ابن أبي حاتم من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة عن ابن عباس قوله.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم استَقاموا للهِ على طاعتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: ثنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن الزهريِّ، قال: تلا عمرُ رضِى اللَّهُ عنه على المِنبَرِ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: استَقاموا واللَّهِ للهِ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ بطاعتِه، ولم يَرُوغوا روغانَ الثعالبِ ¬الزهد لابن المبارك (325)، وأخرجه أحمد في الزهد ص 115 من طريق يونس به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: استَقاموا على طاعةِ اللَّهِ. وكان الحسنُ إذا تَلاها قال: اللَّهُمَّ أنت ربُّنا فارزُقْنا الاستقامةَ ¬أخرجه ابن المبارك في الزهد (1446)، وعبد الرزاق في تفسيره 2/ 186 عن معمر به.¥.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. يقولُ: على أداءِ فرائضِه ¬ذكره البغوي في تفسيره 7/ 172، وابن كثير في تفسيره 7/ 165 عن علي بن أبى طلحة به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}. قال: استقاموا على عبادةِ اللَّهِ وطاعتِه ¬ذكره الطوسى في التبيان 9/ 121، والقرطبى في تفسيره 15/ 358.¥.
وقولُه: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}. يقولُ: تتهبَّطُ عليهم الملائكةُ [من عندِ اللهِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ عندَ نزولِ الموتِ بهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبى بزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}. قال: عندَ الموتِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى. وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬تفسير مجاهد ص 586، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق 4/ 302 - وذكره البيهقى في الشعب 1/ 354، والقرطبى في تفسيره 15/ 358، وابن كثير في تفسيره 7/ 165.¥.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}. قال: عندَ الموتِ ¬ذكره ابن حجر في الفتح 8/ 560، وعزاه إلى المصنف، وذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 165.¥.
وقولُه: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}. يقولُ: تَتَنَزَّلُ عليهم الملائكةُ بألَّا تَخافوا ولا تَحْزَنوا، فـ "أن" في موضعِ نصبٍ إذ ¬في م، ت 2، ت 3: "إذا".¥ كان ذلك معناه.
وقد ذُكِر عن عبدِ اللَّهِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ لا ¬في ص، م: "ألا".¥ تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} بمعنى: تَتَنَزَّلُ عليهم قائلةً: لا تَخافوا ولا تَحْزَنوا. وعَنَى بقولِه: [{أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. ما تَقْدَمون عليه من بعدِ مماتِكم، ولا تحزنوا على ما تُخَلِّفونه وراءَكم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}. قال: لا تَخافوا ما أمامَكم، ولا تَحْزَنوا على ما بعدَكم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ حسانَ، عن مسلمِ بن خالدٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا}. قال: لا تَخافوا ما تَقْدَمون عليه من أمرِ الآخرةِ، ولا تَحْزَنوا على ما خَلَّفتم من دنياكم من أهلٍ [أو ولدٍ أو دينٍ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "وولد".¥، فإنا نَخْلُقُكم في ذلك كلِّه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 165، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقيل: إن ذلك في الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ} فذلك في الآخرةِ ¬ذكره ابن حجر في الفتح 8/ 560، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 363 إلى المصنف وابن المنذر وابن أبى حاتم.¥.
وقولُه: {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}. يقولُ: وسُرُّوا بأن لكم في الآخرةِ الجنةَ التي كنتم تُوعَدُونَها في الدنيا، على إيمانِكم باللَّهِ واستقامتِكم على طاعتِه.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} في الدنيا.