تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
وقولُه: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}. وهم الزوجُ الثالثُ، وهم الذين سبَقوا إلى الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه، وهم المهاجِرون الأوَّلون.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ - يعني: العَتَكِيُّ - عن عثمانَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ سُراقةَ قولَه: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً}. قال: اثنان في الجنةِ وواحدٌ في النارِ. يقولُ: الحورُ العينُ للسابِقين، والعُرُبُ الأترابُ لأصحابِ اليمينِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 7/ 490 عن عبيد الله العتكي به.¥.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً}. قال: منازلُ الناسِ يومَ القيامةِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ}. قال ¬في م: "إلى".¥: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 39، 40]. فقال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: " [سوَّى بينَ] ¬في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3: "من"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.¥ أصحابِ اليمينِ من الأممِ الماضيةِ ¬في م: "السابقة".¥، وبينَ ¬في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ت 3: "من"، والمثبت موافق لما في مصدر التخريج.¥ أصحابِ اليمينِ من هذه الأمةِ، وكان السابِقون من الأممِ أكثرَ من سابِقي هذه الأمةِ" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، من قول الحسن.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}. أي: ماذا لهم، وماذا أعدَّ لهم؟! {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ}. ماذا لهم، وماذا أعدَّ لهم؟! {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}. أي: من كلِّ أمةٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى المصنف وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعِتُ ابنَ زيدٍ يقولُ: وجدتُ الهَوَى ثلاثةَ أَثلاثٍ؛ فالمرءُ يَجْعَلُ هواه علمَه، فيُدالُ ¬في م: "فيديل"، وفي ت 1: "فيدلل"، وفي ت 2، ت 3: "فيدلك".¥ هواه على علمِه، ويَقْهَرُ هواه ¬بعده في الأصل: "على".¥ عِلمَه، حتى إن العلمَ مع الهوى قبيحٌ ذليلٌ، فالعلمُ ذليلٌ والهَوى غالبٌ قاهرٌ، [فهذا الذي] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "فالذي".¥ قد جعَل الهوى والعلمَ في قلبِه، فهذا من أزواجِ النارِ، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا استفَاق واستَنْبَه فإذا هو عونٌ للعلمِ على الهوى، حتى يُدِيلَ اللَّهُ العلمَ على الهوى، فإذا حَسُنت حالُ المؤمنِ واستقامت طريقتُه، كان الهوى ذليلًا وكان العلمُ غالبًا قاهرًا، فإذا كان ممن يريدُ اللَّهُ به خيرًا ختَم عملَه بإدالةِ العلمِ، فتوفَّاه اللَّهُ حينَ توفَّاه، وعلمُه هو القاهرُ وهو العاملُ به، وهواه الذليلُ القبيحُ ليس له في ذلك نصيبٌ ولا فعلٌ، والثالثُ الذي قبَّح اللَّهُ هواه بعلمِه، فلا يَطْمَعُ هواه أن يَغْلِبَ العلمَ، ولا أن يَكُونَ [له مع العلمِ] ¬في ص، ت 1، ت 2: "له مع"، وفي م: "معه"، وفي ت 3: "له معه".¥ نِصْفٌ ولا نَصيبٌ، فهذا الثالثُ، وه
و خيرُهم كلِّهم، وهو الذي قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه في صورةِ الواقعةِ: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً}. قال: فزَوْجان في الجنةِ، وزَوْجٌ في النارِ. قال: فالسابقُ الذي يَكُونُ العلمُ غالبًا للهوَى، والآخرُ الذي ختَم اللَّهُ له ¬في الأصل: "به"، وسقط من: ص، م، ت 1، ت 2.¥ بإدالةِ العلمِ على الهوَى. فهذان زَوْجانِ في الجنةِ، والآخرُ هواه قاهرٌ لعلمِه، فهذا زوجُ النارِ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في رفعِ ¬في ص، م، ت 1، ت 3: "الرافع"، وفي ت 2: "الواقع".¥ "أصحابِ الميمنةِ وأصحابِ المشأمةِ"؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: خبرُ قولِه: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}، [وخبرُ قولِه] ¬سقط من: ص، م، ت 2، ت 3.¥: {وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ}. قال: ويَقُولُ: زَيدٌ ما زَيدٌ! يُرِيدُ: زَيدٌ شديدٌ. وقال غيرُه: قولُه: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} لا تكونُ الجملةُ خبرَه، ولكن الثاني عائدٌ على الأوَّلِ، وهو تَعَجُّبٌ، فكأنه قال: أصحابُ الميمنةِ ما هم! والقارعةُ ما هي! والحاقةُ ما هي! فكان الثاني عائدَ الأولِ، وكان تعجُّبًا، والتعجبُ بمعنى الخبرِ، ولو كان استفهامًا لم يَجُزْ أن يكونَ خبرًا للابتداءِ؛ لأن الاستفهامَ لا يكونُ خبرًا، والخبرُ لا يكونُ استفهامًا، والتعجبُ يكونُ خبرًا، فكان [خبرَ الابتداءِ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "خبرًا للابتداء".¥. وقولُه: زيدٌ وما زيدٌ، لا يكونُ إِلَّا من كلامَيْنِ؛ لأنه لا تَدْخُلُ الواوُ في خبرِ الابتداءِ، كأنه قال: هذا زيدٌ وما هو: أي ما أشدَّه وما أعلمَه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعنِيِّين بقولِه: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}؛ فقال بعضُهم: هم الذين صلَّوا القبلَتَين ¬في م، ت 1، ت 2: "للقبلتين".¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ ¬بعده في: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "عن سفيان"، وينظر ما تقدم في ص 86، وما سيأتي، في 30/ 151، 189.¥، عن خارجةَ، عن قُرَّةَ، عن ابنِ سيرينَ: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}: الذين صلَّوا القبلتين ¬في م: "للقبلتين". والأثر أخرجه ابن ماجه - كما في تفسير ابن كثير 7/ 491 - من طريق مهران به.¥.
وقال آخرون في ذلك ما ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "بما".¥ حدَّثني به عبدُ الكريمِ بنُ أبي عميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، قال: ثنا عثمانُ بن أبي سودةَ، قال: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ}: أوَّلُهم رواحًا إلى المساجدِ، وأسرَعُهم خفوقًا في سبيلِ اللَّهِ ¬أخرجه هناد في الزهد (955) من طريق الأوزاعي أبي عمرو به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 154 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.