تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
بسم الله الرحمن الرحيم. ربِّ يسِّر
القولُ في تفسير السورة التي يُذكرُ فيها يونسُ صلى الله عليه وسلم
القولُ في تأويل قوله تعالى: {الر}.
قال أبو جعفرٍ: اختلَفَ أهلُ التأويل في تأويل ¬سقط من: م.¥ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: أنا اللهُ أَرَى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا يحيى بنُ داودَ بن ميمون الوَاسِطيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، في قوله: {الر}: أنا الله أَرَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1921 من طريق أبي أسامة به.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاء بن السائبِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ قوله: {الر}. قال: أنا اللهُ أَرَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1921، 1994، والنحاس في الوقف والابتداء ص 110، 111، ومن طريقه ابن النجار في ذيل تاريخ بغداد 17/ 3، 4، والبيهقي في الأسماء والصفات (167) من طريق شريك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 299 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
وقال آخرون: هي حروفٌ مِن اسم الله الذي هو "الرحمنُ".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبدُ الله بن أحمدَ بن شَبُّويه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسين، قال: ثنى أبي، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: "الر"، و "حم"، و "نون"، حروفُ "الرحمن "مُقطَّعةً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1921 من طريق الحسين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 299 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عُبيد، عن الحسينِ بن عثمانَ، قال: ذَكَر سالمُ بنُ عبدِ اللهِ "الر"، و "حم"، و "نون" فقال: اسمُ "الرحمن "مُقطَّعٌ. ثم قال: الرحمنُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1921 معلقا، وليس عنده: "ثم قال: الرحمن".¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن ¬سقط من: م. وينظر الجرح والتعديل 2/ 217.¥ أبي حمَّادٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: "الر"، و "حم"، و "نون"، هو اسمُ الرحمن.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ عمرٍو الكَلْبيُّ، عن أبي عوانة، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن عامرٍ، أنه سُئِل عن "الر"، و "حم"، و "ص"، قال: هي أسماءٌ مِن أسماءِ الله مقطعةٌ بالهجاءِ، فإذا وَصَلْتها كانت اسمًا مِن أسماء الله.
وقال آخرون: هي اسمٌ من أسماء القرآن.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: {الر}، اسمٌ من أسماء القرآن ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1921، 1994 من طريق محمد بن عبد الأعلى به.¥.
وقد ذَكَرنا اختلافَ الناسِ، وما إليه ذَهَب كلُّ قائلٍ في الذي قال فيه، وما الصوابُ لَدَينا مِن القولِ في ذلك في ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.¥ نظيره، وذلك في أول سورة "البقرة" ¬ينظر ما تقدم في 1/ 204 - 228.¥، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع. وإنما ذَكَرنا في هذا الموضع القَدرَ الذي ذكرنا؛ لمخالفة مَن ذكرنا قوله في هذا، قولَه ¬سقط من: ت 1، ت 2، س، ف.¥ في: {الر}، فأما الذين وَفَّقوا ¬في ص، ت 1، ت 2: "وقفوا".¥ بينَ معاني جميعِ ذلك، فقد ذكرْنا قولهم ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "قوله".¥ هناك [بما أغنى] ¬في ص، ت 2، س، ف: "مكتفًا". وفى م: "مكتفيا".¥. عن الإعادة هاهنا.
القولُ في تأويل قوله: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1)}.
اختُلِف في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: تلك آياتُ التوراة.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}. قال: التوراةُ والإنجيلُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 4/ 182 عن مجاهد.¥.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}. قال: الكتبُ التي كانت قبلَ القرآن ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1922 من طريق سعيد بن بشير عنه به.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: هذه آياتُ القرآن.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ من تأَوَّلَه: هذه آياتُ القرآن. ووجَّه معنى "تلك" إلى معنى "هذه"، وقد بَيَّنَّا وجهَ تَوجيه "تلك" إلى هذا المعنى في سورة "البقرة" بما أغنى عن إعادتِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 228 - 231.¥. والآياتُ: الأعلامُ. والكتابُ: اسمٌ من أسماءِ القرآنِ. وقد بيَّنا كلَّ ذلك فيما مضَى قبلُ.
وإنما قلنا: هذا التأويلُ أولى في ذلك بالصواب؛ لأنه لم يَجِئْ للتوراة والإنجيل قبلُ ذكرٌ، ولا تلاوةٌ بعدَه، فيُوجَّهَ إليه الخبرُ.
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلام: والرحمنِ، هذه آياتُ القرآن الحكيم. ومعنى الحكيم في هذا الموضع: المُحَكمُ. صُرِفَ "مُفعَل" إلى "فعيل"، كما قيل: "عذابٌ أَلِيمٌ"، بمعنى: مُؤلِمٌ. وكما قال الشاعرُ ¬هو عمرو بن معد يكرب. وقد تقدم البيت بتمامه في 1/ 292.¥:
* أَمِنْ رَيحانَةَ الدَّاعِي السَّميعُ *
وقد بيَّنا ذلك في غير موضعٍ من الكتابِ.
فمعناه إذًا: تلك آياتُ الكتابِ المُحكَم، الذي أحكَمه الله وبيَّنه لعبادِه، كما قال جلَّ ثناؤه: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1].