تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)}.
اخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}؛ فقَرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}؛ على تقدير "يَفْعَلُون" مِن ثَنَيْتُ، والصدورُ منصوبةٌ ¬ينظر البحر المحيط. 5/ 202.¥
واخْتَلف قارِئو ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: ذلك كان مِن فعلِ بعضٍ المنافقين، كان إذا مَرَّ برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - غَطَّى وجهَه، وثَنَى ظهرَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدٍ بن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عدىٍّ، عن شعبةَ، عن حُصَينٍ، عن عبدِ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "عبيد"، وينظر تهذيب الكمال 15/ 81.¥ اللهِ بنِ شدَّادٍ فى قولِه: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}. قال: كان أحدُهم إذا مَرَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال بثوبِه على وجهِه، وثَنَى ظهرَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ قوله: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ}. قال: مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: كان المنافقون إذا مَرُّوا به، ثَنَى أحدُهم صدرَه، ويُطأطِئُ رأسَه، فقال اللهُ: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} الآية.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصَينٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ شدَّادٍ يقولُ فى قولِه: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}. قال: كان أحدُهم إذا مَرَّ بالنبى الله ثَنَى، صدرَه، وتَغَشَّى بثوبِه، كي لا يَراه النبي - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1999 من طريق عمرو بن عون به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (1078 - تفسير) عن هشيم به، والأثر في تفسير مجاهد ص 384 من طريق ورقاء عن حصين به بلفظ: "لكيلا يسمع القرآن والذكر"، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 3/ 320 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
وقال آخرون: بل كانوا يَفْعَلون ذلك جهلًا منهم باللهِ، وظَنَّا أن اللهَ يَخْفى عليه ما تُضْمِرُه صدورُهم إذا فَعلوا ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}. قال: شَكَّا وامتراءً في الحقِّ، ليَسْتَخْفوا مِن اللهِ إن استطاعوا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}: شَكًّا وامْتراءً فى الحقِّ، {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ}. قال: مِن اللهِ إن اسِتطاعوا.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}. قال: تَضِيقُ؛ شَكًّا.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}. قال: تَضِيقُ؛ شَكًّا وامْتراءً في الحقِّ.: قال: {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ}. قال: مِن اللهِ إن استطاعوا ¬تفسير مجاهد ص 384، ومن طريقه الفريابي فى تفسيره - كما في التغليق 4/ 225 - وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1999، 2000، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 3/ 320 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}. قال: مِن جهالتِهم به، قال اللهُ: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} فى ظلمةِ الليلِ في أجوافِ بيوتِهم {يَعْلَمُ} تلك الساعةَ {مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2000، 2001 من طريق هوذة به.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}. قال: كان أحدُهم يَحْنى ظهره، ويَسْتَغْشِى بثوبه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2000 من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 320 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
وقال آخرون: إنما كانوا يَفْعلون ذلك لئلا يَسْمعوا كتابَ ¬فى م، ت 1، ت 2، س، ف: "كلام".¥ اللهِ تعالى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} الآية. قال: كانوا يَحْنون صدورهم لكيلا يَسْمعوا كتابَ اللهِ، قال تعالى: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}. وذلك أخفَى ما يكونُ ابنُ آدمَ، إذا حَنَى صدرَه، واسْتَغْشَى بثوبِه، وأَضْمَرَ هَمَّه في نفسِه، فإن اللَّهَ لا يَخْفى ذلك عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره 6/ 1999، 2000 من طريق سعيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 321 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}. قال: أخفَى ما يكونُ الإنسانُ إذا أسرَّ في نفسِه شيئًا، وتَغَطَّى بثوبِه، فذلك أخفَى ما يكونُ، واللَّهُ يَطَّلِعُ على ما في نفوسِهم، واللهُ يعلمُ ما يُسِرِّون وما يُعْلِنون ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 301 عن معمر¥.
وقال آخرون: إنما هذا إخبارٌ مِن اللهِ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - عن المنافقين الذين كانوا يُضْمِرون له العداوةَ والبغضاءَ، ويُبْدُون له المحبةَ والمودةَ، أنهم ¬في م: "وأنهم".¥ معه وعلى دينِه. يقولُ جلّ ثناؤُه: لا إنهم يَطْوون صدورَهم على الكفرِ ليَسْتَخْفُوا مِن اللهِ. ثم أخبرَ جلّ ثناؤُه أنه لا يخفى عليه سرائرُهم وعلانيتُهم.
وقال آخرون: كانوا يَفْعَلون ذلك إذا ناجى بعضُهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ}. قال: هذا حينَ يُناجِي بعضُهم بعضًا. وقرأ: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} الآية.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرأُ ذلك: (ألا إنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ)، على مثالِ: "تَحْلَوْلِي الثمرةُ"، "تَفْعَوعِلُ" ¬هي قراءة شاذة، وينظر البحر المحيط 5/ 202.¥.
حدَّثنا [ابنُ وكيعٍ] ¬بياض في: ص، س، ف، وفي ت 1: "المثنى"، وفي ت 2: "وكيع".¥، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ جريجٍ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ). قال: كانوا لا يأتون النساءَ ولا الغائطَ إلا وقد تَغَشَّوا بثيابِهم؛ كراهةَ أن يُفْضُوا بفروجِهم إلى السماءِ ¬ذكره الحافظ في الفتح 8/ 350 من طريق أبي أسامة وعزاه إلى المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 320 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عبادِ بنِ جعفرٍ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرؤُها: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي ¬في ص، ت 2، ف: "يثنونى"، وفي ت 1، س: "يثنون". وتثنونى، ويثنونى قراءتان عن ابن عباس. ينظر البحر المحيط 5/ 202، والفتح 8/ 350.¥ صُدُورُهُمْ). قال: سألتُه عنها، فقال: كان ناسٌ يَسْتَحْيُون أن يتخلَّوا فيُفْضُوا إلى السماءِ، وأن يُصِيبوا فيُفْضُوا إلى السماءِ ¬أخرجه البخاري (4681)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1999، والبغوي في تفسيره 4/ 161 من طريق حجاج به، وأخرجه البخاري (4682)، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1998 من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 320 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.¥.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: أُخْبِرتُ عن عكرمةَ أن ابنَ عباسٍ قرأ: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ). وقال ابنُ عباسٍ: (تَثْنَوْنِي صدورُهم): الشكُّ في اللَّهِ، وعملُ السيئاتِ، {يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}: يستكبرُ، أو يَسْتَكِنُّ مِن اللَّهِ، واللَّهُ يَراه؛ {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1999 من طريق محمد بن عبد الأعلى به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرأ: (ألا إنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ). قال عكرمةُ: (تَثْنَوْنِي صُدُورُهم). قال: الشَّكُّ في اللَّهِ، وعملُ السيئاتِ، فَيَسْتَغْشِي ثيابَه، ويَسْتكِنُّ مِن اللَّهِ، واللَّهُ [يراه، و] ¬سقط من: م.¥ يعلمُ ما يُسِرُّون وما يُعْلنون.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}. على مثالِ "يَفْعَلون"، و"الصدورُ" نَصْبٌ بمعنى: يَحْنون صدورَهم ويَكُنُّونها ¬في م: "يكبونها".¥.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}. يقولُ: يَكُنُّون ¬في م: "يكبون".¥ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1998 من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 321 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}. يقولُ: يَكْتُمون ما في قلوبِهم، {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} يعلمُ ما عمِلوا بالليلِ والنهارِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1998، 2000 عن محمد بن سعد به.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ}. يقولُ: تَثْنَوْنِي صُدُورُهُم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1999 من طريق أبي معاذ بلفظ: "تلتوي صدورهم".¥.
وهذا التأويلُ الذي تأوَّله الضحاكُ على مذهبِ قراءةِ ابنِ عباسٍ، إلا أن الذي حدَّثنا، هكذا ذَكَر القراءةَ في الروايةِ.
فإذا كانت القراءةُ التي ذكرنا أَولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها، فأَوْلى التأويلاتِ بتأويلِ ذلك، تأويلُ مَن قال: إنهم كانوا يَفْعَلون ذلك جهلًا منهم باللَّهِ أنه يَخْفَى عليه ما تُضْمِرُه نفوسُهم، أو تَناجَوه بينَهم.
وإنما قلنا: ذلك أَولى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن قولَه: {لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ} بمعنى: ليَسْتَخْفوا مِن اللَّهِ، وأن الهاءَ في قولِه: {مِنْهُ} عائدةٌ على اسمِ اللَّهِ، ولم يَجْرِ لمحمدٍ ذكرٌ قبلُ فيُجعَلَ مِن ذكرِه - صلى الله عليه وسلم -، وهي في سياقِ الخبرِ عن اللَّهِ. فإذ كان ذلك كذلك كانت بأن تكونَ مِن ذكرِ اللَّهِ أَوْلى، وإذا صَحَّ أن ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم لم يحدِّثوا أنفسَهم أنهم ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "فإنهم".¥ يَسْتَخْفُون مِن اللَّهِ إلا بجهلِهم به، فلمّا أخبَرَهم جلّ ثناؤُه أنه لا يَخْفَى عليه سرُّ أمورِهم وعلانيتُها ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "لا علانيتها".¥، على أيِّ حالٍ كانوا، تَغَشَّوا بالثيابِ، أو ظَهَروا بالبَرَازِ ¬البراز: الفضاء البعيد الواسع، ليس فيه شجر ولا ستر. اللسان (ب ر ز).¥، فقال: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}. يعني: يَتَغَشَّون ثيابَهم، يَتَغَطَّونها ويَلْبَسون.
يقالُ منه: اسْتَغْشَى ثوبَه وتَغشَّاه. قال اللَّهُ: {وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} [نوح: 7]. وقالت الخنساءُ ¬شرح ديوان الخنساء ص 55.¥:
أَرْعَى النجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها ... وتارةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمَارِي ¬الأطمار: أخلاق الثياب. اللسان (ط م ر).¥
{يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ}. يقولُ جلّ ثناؤُه: يعلمُ ما يُسِرُّ هؤلاء الجهلةُ بربِّهم، الظانُّون أن اللَّهَ يَخْفى عليه ما أضْمَرَته صدورُهم إذا حَنَوها على ما فيها وثَنَوها ¬في م: "ثنوه".¥، وما تَناجَوه بينَهم فأخْفَوه، {وَمَا يُعْلِنُونَ}: سواءٌ عندَه سرائرُ عبادِه وعلانيتُهم، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. يقولُ تعالى ذكره: إن اللَّهَ ذو علمٍ بكلِّ ما أَخْفَته صدورُ خلْقِه؛ مِن إيمانٍ وكفرٍ، وحقٍّ وباطلٍ، وخيرٍ وشرٍّ، وما تَسْتجِنُّه مما لم تُجِنَّه ¬في م: "يجنه".¥ بعدُ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ}. يقولُ: يُغَطُّون رءوسَهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2000 من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
قال أبو جعفرٍ: فاحْذَروا أن يَطَّلِعَ عليكم ربُّكم وأنتم مُضْمِرون في صدورِكم الشكَّ في شيءٍ مِن توحيدِه أو أمرِه أو نَهْيِه، أو فيما ألزَمكم الإيمانَ به والتصديقَ، فتَهْلِكوا باعْتقادِكم ذلك. واللَّهُ أعلمُ.