Tafsir for this Ayah

Surah 18 : Ayah 19

Surah 18 : Ayah 19

وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا۟ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَٱبْعَثُوٓا۟ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا

Similarly, We awakened them so that they might question one another. One of them said, “How long have you been here?” They said, “We have been here for a day or part of a day.” They said, “Your Lord knows best how long have you been here. Send one of you with these silver coins of yours to the city, and let him see who has the most pure food and bring some provision from it. And be cautious and let no one know about you.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)}.
يقول تعالى ذكره: كما أرْقَدْنا هؤلاء الفتية في الكهف، فحفظناهم من وُصول واصل إليهم، وعين ناظرٍ أن يَنْظُرَ إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى ¬في م: "البلاء".¥ على طُولِ الزمانِ، وثيابهم من العفَنِ على مرِّ الأيام بقُدرتنا، فكذلك بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم ¬في ت 2: "نومتهم".¥؛ لنُعرِّفَهم عظيم سُلطاننا، وعجيب فعلنا في خلقنا، وليزدادُوا بصيرةً في أمرهم الذي هم عليه؛ من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم [العبادة لله] ¬في م: "لعبادة الله".¥ وحده لا شريك له، إذا تبيَّنوا طولَ مَرِّ ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥ الزمانِ عليهم، وهم بهيئتهم حين رقدوا.
وقولُه: {لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ}. يقولُ: ليسأل بعضُهم بعضًا، {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ}. يقولُ عزّ ذكرُه: فتساءلوا فقال قائلٌ منهم لأصحابه: {كَمْ لَبِثْتُمْ}؟ وذلك أنَّهم استنْكَروا مِن أنفسهم طول رقدتهم، {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. يقولُ: فأجابه الآخرون فقالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. ظنًّا منهم أن ذلك كذلك كان، فقال الآخرون: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}. فسلَّموا العلم إلى اللهِ.
وقوله: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ}. يعنى مدينتهم التي خرجوا منها هرابًا، التي تُسمَّى أُفْسُوس ¬في ص: "دقينوس"، وفى ت 1 ت:2 "دفسوس"، وفى ف: "دقيانوس". وينظر معجم البلدان 1/ 330.¥، {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ}. ذُكر أنَّهم بعثوا ¬في ص، م، ت 1، ف: "هبوا".¥ من رقدتهم جِياعًا، فلذلك طلبوا الطعام.
ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ السبب الذي أجلِه ذُكر أنهم بُعثوا من رقدتهم حين بُعثوا منها
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: أخبرني إسماعيلُ بن شَرُوسٍ ¬في م، ت 1: "بشروس".¥، أنه سمع وهب بن مُنبهٍ يقولُ: إنهم عبروا - يعنى الفتية من أصحاب الكهف - بعد ما بُنى عليهم باب الكهف زمانًا بعد زمانٍ، ثم إِنَّ راعيًا أدْرَكه المطرُ عندَ الكهف، فقال: لو فتحتُ هذا الكهف وأدخَلْتُه ¬في م، ت 2: "أدخلت".¥ غنمى من المطر. فلم يزَلْ يُعالجُه حتى فتح ما أُدخل ¬في م: "أدخله".¥ فيه، ورَدَّ الله ¬سقط من النسخ، والمثبت موافق لما في مصادر التخريج.¥ إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بوَرِقٍ يشترى لهم ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥ طعامًا، فكلما ¬في م: "فلما".¥ أتى باب مدينتهم، رأى شيئًا يُنكرُه، حتى دخل على رجلٍ فقال: يعنى بهذه الدراهم طعامًا. فقال: ومن أين لك هذه الدراهمُ؟ قال: خرَجْتُ ¬بعده في م، وتفسير عبد الرزاق: "أنا".¥ وأصحابٌ لى أمسِ، فآوانا الليلُ، ثم أصبحوا فأرسلونى. فقال: هذه الدراهمُ كانت على عهد الملك ¬في ص، م، ت 1 ف: "ملك".¥. فلانٍ، فأنَّى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكًا صالحًا، فقال: من أين لك هذه الوَرِقُ؟ قال: خرَجْتُ أنا وأصحابٌ لى أمس، حتى أدركنا ا
لليلُ في كهف كذا وكذا، ثم أمرونى أن أشترى لهم طعامًا. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف. قال: فانطلقوا ¬في ص، وتفسير عبد الرزاق: "فانطلق".¥ معه حتى أَتَوْا بابَ الكهف، فقال: دعُونى أدخُلْ على أصحابى قبلكم. فلما رأَوه ودنا منهم، ضُرب على أُذنه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجلٌ أُرْعِب، فلم يَقْدِروا على أن يَدخُلوا إليهم ¬في ص، م، ت 1، ف: "عليهم".¥، فبنوا عندهم كنيسةً، واتَّخذوها مسجِدًا يُصلُّون فيه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 397، 399 وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 7 - 9 مطولًا.¥.
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، عن عكرمة، قال: كان أصحابُ الكهف أبناء ملوك الروم، رزَقهم الله الإسلام، فتعوَّذوا بدينِهم، واعتزلوا قومهم، حتى انتهَوا إلى الكهف، فضرب اللَّهُ على سُمْخانِهم ¬في م: "سمعهم"، وفى ت: "آذانهم" وفى ت 2: "أسماعهم"، وفى ف: "سمناهم"، والسماخ: ثقب الأذن الذي يدخل فيه الصوت، ويقال بالصاد لمكان الخاء. النهاية 2/ 398.¥ فلبثوا دهرًا طويلًا، حتى هلكت أُمتُهم، وجاءت أُمةٌ مسلمةٌ، وكان ملكُهم مسلمًا، فاختلفوا في الروح والجسد؛ فقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ والجسدُ جميعًا.
وقال قائلٌ: تُبعثُ الروحُ، فأما الجسدُ فتأكلُه الأرضُ فلا يكون شيئًا. فشقَّ على ملكهم اختلافُهم، فانطلق فليس المُسُوحَ، وجلس على الرَّمادِ، ثم دعا الله تعالى فقال: أي ربِّ، قد تَرى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آيةٌ تُبَيِّنْ لهم. فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشترى لهم طعامًا، فدخل السوق، فجعل يُنكرُ الوُجوهَ، ويُعرفُ الطُّرق، ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرًا، فانطلق وهو مُستَخْفٍ، حتى أتى رجلًا يشترى منه طعامًا، فلما نظر الرجلُ إلى الوَرِقِ أَنكرها. قال: حسِبتُ أنه قال: كأَنَّها أخفافُ الرُّبَعِ - يعنى الإبل الصِّغار - فقال له الفتى: أليس ملككم فلانٌ ¬في م: "فلانا".¥؟ قال: بل مَلِكُنا فلانٌ. فلم يزَلْ ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملكِ، فسأله، فأخبره الفتى خبر أصحابه، فبعث الملكُ في الناس فجمعهم، فقال: إنَّكم قد اختلَفْتُم في الرُّوح والجسد، وإنَّ الله قد بعث لكم آية؛ فهذا رجلٌ من قوم فلانٍ.
يعنى ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بى إلى أصحابى. فركب الملكُ، وركب معه الناسُ، حتى انتهى ¬في م: "انتهوا".¥ إلى الكهفِ، فقال الفتى: دعونى أدخُلْ إلى أصحابى. فلمّا أبْصَرهم ضرب الله ¬سقط من: ص، م، ف.¥ على أُذنِه وعلى آذانهم، فلما استبطئوه دخل الملك، ودخل الناس معه، فإذا أجسادٌ لا يُنكرون منها شيئًا، غير أنَّها لا أرواح فيها، فقال الملكُ: هذه آيةٌ بعثها الله لكم. قال قتادة: [وغزا ابن عباسٍ] ¬في م: "وعن ابن عباس كان قد غزا".¥ مع حبيب بن مَسلَمةَ، فمرُّوا بالكهفِ، فإذا فيه عظامٌ، فقال رجلٌ: هذه عظامُ أصحاب الكهف. فقال ابن عباسٍ: لقد ذهبت عظامُهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ ¬تفسير عبد الرزاق، 1/ 395، 396، وأخرجه المصنف في تاريخه 2/ 9، 10.¥.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق فيما ذكر من حديث أصحاب الكهف، قال: ثم ملك أهل تلك البلادِ رجلٌ صالحٌ، يقال له: تيذوسيسُ ¬هنا وفيما يأتى في ص: "تيدوسيس"، وفى ف: "بيذوسيس".¥. فلمّا ملك بقى في ¬سقط من: م.¥ ملكه ثمانيًا وستِّين سنةً، فتحزَّب الناسُ في ملكه، فكانوا أحزابًا، فمنهم من يُؤْمِنُ بالله ويعلَمُ أنَّ الساعةَ حقٌّ، ومنهم من يُكذِّبُ بها ¬بعده في ت 1: "الناس ويكذبون".¥، فكبُر ذلك على الملك الصالح تيذوسيس، وبكى إلى الله وتضرَّع إليه، وحزن حزنًا شديدًا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحقِّ ويقولون: لا حياة إلا الحياةُ الدُّنيا، وإنما تُبعثُ النُّفوسُ، ولا تُبعثُ الأجسادُ. ونسُوا ما في الكتاب، فجعل تيذوسيسُ يُرسل إلى من يظُنُّ فيه خيرًا، وأنَّهم أئمةٌ في الحقِّ، فجعلوا يُكَذِّبون ¬¥ بالساعة، حتى كادوا أن يُحوِّلوا الناس عن الحقِّ وملة الحواريين، فلمّا رَأى ذلك الملكُ الصالح تيذوسيسُ، دخل بيته فأغلقه عليه، ولبس مِسْحًا، وجعل تحته رمادًا، ثم جلس عليه، فدأب ذلك ليله ونهاره زمانًا يتضرع إلى الله، ويَبْكى إليه مما يرى فيه الناسَ، ثم إنَّ الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العبادِ، أراد أن يُظْه
ِرَ على الفتية أصحاب الكهف، ويبيِّن للناس شأنهم، ويجعلهم آيةً لهم، وحُجةً عليهم؛ ليعلموا أن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيذوسيسَ، ويتمَّ نعمته عليه، فلا يَنْزِعَ منه ملكه، ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يَعْبُدَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأن يَجْمَعَ مَن كان تبدَّدَ من المؤمِنين؛ فأَلْقَى اللَّهُ في نفسِ رجلٍ من أهل ذلك البلد الذي به الكهف - وكان الجبل بنجلوس الذي فيه الكهف لذلك الرجل، وكان اسمُ ذلك الرجلِ أولياس - أن يَهْدِمَ البنيان الذي على فم الكهف. فيبني به حظيرةً لغنمه، فاستأجر عامِلَين، فجعَلا يَنزِعان تلك الحجارة، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى نزعا ما على فم الكهف، حتى فتحا باب الكهف، وحجَبَهم الله من الناس بالرُّعب، فَيَزْعُمون أن أشجَعَ من يُريدُ أن ينظُرَ إليهم [غايةَ ما يُمكنه] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.¥ أن يَدْخُلَ من باب الكهف، ثم يتقدَّمَ حتى يرى كلبهم دونَهم إلى بابِ الكهف نائمًا، فلما نزعا الحجارة وفتحا ¬بعده في م: "عليهم".¥ بابَ الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان محيى الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهرى الكهف، فجلسوا فرحين، مُسْفِرةً وجوههم، طيِّبةً أنفسهم، فسلم
بعضُهم على بعضٍ، حتى كأَنَّما استَيْقَظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون لها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتُون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذى كانوا يفعلون، لا يَرون ولا يُرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شئٌ يُنكرونه، كهيئتهم ¬في ت 2: "كهيئاتهم".¥ حين رقدوا بعشيٍّ أمسٍ، وهم يرون أن ملِكَهم دقينوس الجبار في طلبهم والتماسهم، فلما قضَوْا صلاتهم كما كانوا يفعلون، قالوا ليمليخا ¬بعده في م: "وكان هو".¥ صاحب نفقتهم الذي كان يبتاعُ لهم طعامهم وشرابهم من المدينة، وجاءَهم بالخبر أن دقينوسَ يلْتَمِسُهم ويسأل عنهم: أنبئنا يا أخى، ما الذي قال الناسُ في شأننا عشيَّ أمس عند هذا الجبارِ؟ وهم يظنُّون أنَّهم رقدوا كبعض ما كانوا يَرقُدون، وقد خُيِّل إليهم أنَّهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءَلُوا بينهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: كم لَبِثْتم نياما؟ قالوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. قالوا: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ}. وكلُّ ذلك في أنفسهم يسيرٌ، فقال لهم يمليخا: افتُقدتُم والتُمِسْتُم بالمدينة، وهو يُريدُ أن يُؤْتَى بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت، أو يقتُلكم، فما شاء
الله بعد ذلك فعل ¬سقط من: م.¥. فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه، اعلموا أنكم ملاقوْن، فلا تكفُروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله ¬في ص وعرائس المجالس: "غدا".¥، ولا تنكروا الحياة التي لا ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، ف.¥ تبيدُ بعد إيمانكم بالله، والحياة من بعد الموت. ثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتَسمَّع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي [نُذكر به] ¬في ص: "يذكرونه".¥ عند دقينوس، وتلطَّف، [ولا تُشعِرَنَّ بنا أحدًا] ¬في م: "ولا يشعرن بنا أحد".¥، وابتع ¬في ت 1، ف: "ابتغ".¥ لنا طعامًا فائتنا به، فإنه قد آن لك، وزدنا على الطعام الذي جئتنا به، فإنه كان قليلًا، فقد أصبحنا جياعًا. ففعل يمليخا كما كان يفعَلُ، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكَّرُ فيها، وأَخَذَ وَرِقًا من نفقتهم التي كانت معهم، التي ضُرِبت بطابع دقينوس الملكِ، فانطلق يمليخا خارجًا، فلما مر بباب الكهفِ، رَأى الحجارةَ مَنْزوعةً عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مرَّ فلم يُبال بها، حتى أتى المدينة مستخفيًا يصُدُّ عن الطريقِ؛ تخوفًا أن يراه أحدٌ من أهلها فيعرفه، فيذهب به إلى دقينوس، ولا يَشْعُرُ العبد الصالح أن دقينوس وأهل زمانه قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائةٍ وتسع
سنين، أو ما شاء الله من ذلك، إذ كان ما بينَ أن نامُوا إلى أَنِ اسْتَيْقظوا ثلاثمائةٍ وتسع سنين، فلما رأى يمليخا باب المدينة رفع بصره، فرأى فوق ظهر الباب علامةً تكونُ لأهل الإيمان إذا كان [أمر أهل الإيمان] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥ ظاهرًا فىها، فلما رآها عجب وجعل ينظُرُ مستخفيًا إليها، فنظر يمينا وشمالًا، فعجب ¬في م، ت 2: "فتعجب".¥ بينه وبين نفسه، ثم ترك ذلك البابَ، فتحوَّل إلى باب آخر من أبوابها، فنظر فرأى مِن ذلك ما يُحيطُ بالمدينة كلِّها، ورأى على كلِّ بابٍ مثل ذلك، فجعل يُخيَّلُ إليه أن المدينة ليست بالمدينة التي كان يَعْرِفُ، ورأى ناسًا كثيرًا ¬في م: "كثيرين".¥ محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك، فجعل يمشى ويعجَبُ، ويُخيَّلُ إليه أنَّه حَيْرانُ، ثم رجع إلى البابِ الذي أتى منه، فجعَل يَعْجَبُ بينه وبين نفسه ويقولُ: يا ليت شعرى، أمَا هذه عشية أمس فكان المسلمون يُخفون هذه العلامةَ ويَسْتَخْفُون بها، وأمّا اليوم فإنَّها ظاهرةٌ، لعلِّى حالمٌ! ثم يرى أنه ليس بنائمٍ، فأخَذ كساءَه فجعله على رأسه، ثم دخل المدينةَ فجعل يمشى بين ظهرَيْ ¬في ص، ت 1، ف: "ظهرانى".¥ سوقها، فيسْمَعُ ناسًا كثيرًا يَحْلِفون باسم عيسى ابن مريم، ف
زادَه فرقًا، ورأى أنه حَيْرانُ، فقام مُسنِدًا ظهره إلى جدارٍ من جُدرِ المدينة ويقولُ في نفسه: واللَّهِ ما أَدْرِى ما هذا؟ أمّا عشية أمس فليس على الأرضِ إنسانٌ يَذْكُرُ عيسى ابن مريم إلا قُتل، وأما الغداةَ فَأَسْمَعُهم وكلُّ إنسانٍ يَذْكُرُ أَمرَ عيسى لا يخافُ! ثم قال في نفسه: لعلَّ هذه ليست بالمدينة التي أعْرِفُ، أسمع كلام أهلها، ولا أعرفُ أحدًا منهم، والله ما أعلمُ مدينةٌ قُربَ مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجَّهُ وجهًا، ثم لقى فتًى مِن أَهلِ المدينة، فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال: اسمُها أُفْسُوسُ. فقال في نفسه: لعلَّ بى مسًّا، أو بى أمرًا أَذْهَب عقلى، واللَّهِ يحقُّ لى أن أُسرِعَ الخروج منها قبلَ أَن أُخْرَى فيها، أو يصيبنى شرٌّ ¬في ت 2: "شئ".¥ فأهلك. هذا الذي يُحدِّثُ به يمليخا أصحابه حين يبيِّن ¬في ص، م، ف: "تبين".¥ لهم ما بهم ¬في م، ت 2: "به".¥، ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجَّلتُ الخروج من المدينة قبل أن يُفْطَنَ ¬في ص، ت 1، ف: "يظفر".¥ بى لكان أكيس لى. فدنا من الذين يبيعُون الطعامَ، فأَخْرَج الورق التي كانت معه، فأعطاها رجلًا منهم، فقال: بعنى بهذه الوَرِقِ يا عبدَ اللَّهِ طعامًا. فأخذها ال
رجلُ، فنظر إلى ضَرْبِ الوَرِقِ ونقشِها، فعجب منها، ثم طرحها إلى رجلٍ من أصحابه فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارَحُونها بينهم من رجلٍ إلى رجلٍ، ويتعجَّبُون منها، ثم جعَلُوا يَتَشاورون بينهم ويقولُ بعضُهم لبعضٍ: إنَّ هذا الرجل قد أصاب كنزًا خبيئًا في الأرضِ منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ. فلما رآهم يَتَشاوَرُون من أجلِه فرق فَرَقًا شديدًا، وجَعَل يَرْتَعِدُ ويَظُنُّ أَنهم قد فطنوا به وعرفوه، وأنَّهم إنما يُريدون أن يَذْهَبوا به إلى ملكهم دقينوس يُسلِّمونه إليه، وجعل ناسٌ آخرون يأتونه فيتعرَّفونه، فقال لهم وهو شديدُ الفَرَقِ منهم: أفضلوا عليَّ، قد ¬في م، ت 2: "فقد".¥ أخَذْتم وَرقى فأمسكوا، وأما طعامُكم فلا حاجة لى به. فقالوا له: من أنت يا فتى؟ وما شأنُك؟ والله لقد وَجَدْتَ كَنزًا من كُنوز الأوَّلين، وأنت تُريدُ أن تُخْفِيَه منا، انطلق معنا فأرناه، وشاركنا فيه نُخْفِ عليك ما وَجَدْتَ، فإنَّك إن لا تفعَلْ نَأْتِ بك السلطان، فتُسلِّمْك إليه فيقْتُلْك. فلمّا سمع قولهم، عجب في نفسه فقال: قد وقعتُ في كلَّ شيءٍ كنتُ أحذَرُ منه. ثم قالوا: يا فتى، إِنَّكَ واللَّهِ ما تَسْتَطِيعُ أَن تَكْتُمَ ما وَجَدْتَ، [ولا تَظُنُّ في] ¬في ص، ف:
"ولا وجدت من"، وفى ت 1: "وما وجدت من".¥ نفسك أنه سيَخْفَى لك ¬في م: "حالك".¥. فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقول لهم وما يَرْجِعُ إليهم، وفرق حتى ما يُحِيرُ إليهم جوابًا ¬في ص، ت 1، ف: "شيئًا".¥، فلمّا رَأَوْه لا يتكلَّمُ أخَذوا كساءَه فطوَّقوه ¬في ص، ت 2: "فطووه".¥ في عُنقِه، ثم جعلوا يقودُونه في سِكَكِ المدينةِ مُلَبَّبًا ¬لببت الرجل ولبَّبته: إذا جعلت في عنقه ثوبًا أو غيره وجررته به. ينظر النهاية 4/ 223.¥. حتى سمع به من فيها، فقيل: أُخِذ رجلٌ عنده كنزٌ. واجتمع عليه أهلُ المدينة صغيرهم وكبيرُهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولُون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة ¬في ت 2: "القرية".¥، وما رأيناه فيها قطُّ، وما نَعْرِفُه. فجعل يمليخا لا يَدْرِى ما يقولُ لهم، مع ما يَسْمَعُ منهم، فلما اجتمع عليه أهلُ المدينة فرق، فسكت فلم يتكلَّم، ولو أنه قال: إنَّه من أهل المدينة، لم يُصدَّق، وكان مستيقنًا أنَّ أباه وإخوته بالمدينة، وأن حَسَبه مِن أهل المدينة من عُظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنَّه من ¬سقط من: ص، ت 1، ف.¥ عشية أمس يعرِفُ كثيرًا من أهلها، وأنَّه لا يَعْرِفُ اليومَ مِن أهلها أحدًا، فبينما هو قا
ئمٌ كالحيران ينتظرُ متى يأتيه بعض أهله؛ أبوه أو بعض إخوته، فيخلِّصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رأسى ¬في م: "رئيسى".¥ المدينة ومدبِّريها اللذين يُدبِّران أمرها، وهما رجلان صالحان، كان اسمُ أحدهما أريوس، واسمُ الآخر أسطيوس، فلما انطلق به إليهما، ظنَّ يمليخا أنه يُنطَلقُ به إلى دقينوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفتُ يمينًا وشمالًا، وجعل الناسُ يسخرون منه كما يُسخَرُ من المجنونِ والحيران، فجعل يمليخا يبكى، ثم رفع رأسه إلى السماء وإلى الله، ثم قال: اللهمَّ إله السماوات ¬في ص، ت 1، ف: "السماء".¥ والأرض، أولج معى رُوحًا منك اليومَ تُؤيدُنى به عند هذا الجبار. وجعَل يبكى ويقولُ في نفسه: فرَّق بينى وبين إخوتى، يا ليتهم يعلمون ما لقيتُ، وأَنِّي ¬في ص، ت 1، ف: "أين".¥ يُذهَبُ بى إلى دقينوس الجبار، فلو أنهم يعلمون، فيأتون، فنقومُ جميعًا بينَ يدى دقينوس، فإنا كنا تواثقنا لنكونَنَّ معًا، لا نكفر بالله ولا نشركُ به شيئًا، ولا نعبُدُ الطواغيت من دونِ اللهِ، فرَّق بينى وبينهم، فلن يرونى ولن أراهم أبدًا، وقد كنَّا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدًا، يا ليت شعرى ما هو فاعلٌ بى؟ أقاتلى هو أم لا؟ ذلك
الذي يحدِّثُ به يمليخا نفسَه فيما ¬في ت 2: "لما".¥ أخبر أصحابه حين رجع إليهم.
حتى ¬في م: "لما"، وفى ت 2: "حين".¥ انتهى به ¬سقط من: "م".¥ إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس، فلما رأى يمليخا أنه لم يُذهب به إلى دقينوس أفاق وسكن عنه البكاءُ، فأخذ أريوسُ وأسطيوسُ الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال أحدهما: أين الكنزُ الذي وجدتَ يا فتى؟ هذا الورقُ يشهدُ عليك أنك قد وجدت كنزًا. فقال لهما يمليخا: ما وجدتُ كنزًا، ولكنَّ هذه الورق ورِقُ آبائى ونقش هذه المدينةِ وضَرْبُها، ولكن والله ما أدرى ما شأنى، وما أدرى ما أقولُ لكم. فقال له أحدُهما: من أنت؟ فقال له يمليخا: [أما ما أرى] ¬في م: "ما أدرى".¥ فكنتُ أرى أنى من أهل هذه القرية. قالوا: فمن أبوك ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدًا يعرِفُه ولا أباه، فقال له أحدُهما: أنت رجلٌ كذَّابٌ لا تُنبئُنا بالحقِّ. فلم يدر يمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال له بعضُ من حوله: هذا رجلٌ مجنونٌ. فقال بعضُهم: ليس بمجنونٍ، ولكنَّه يُحَمِّقُ نفسَه عمدًا لكي ينفلت منكم. فقال له ¬سقط من: ص، ت 1، ف.¥ أحدُهما، ونظر إليه نظرًا شديدًا: أتظُنُّ أنك إذ تتجانَنُ نُرسِلُك ونُصدِّقُك بأن هذا مالُ أبيك، وضربُ هذه الورق ونقشُها منذ أكثر من ثلاثمائة س
نةٍ، وإنما أنت غلامٌ شابٌّ، تظنُّ أنك تأفِكُنا، ونحن شُمْطٌ كما ترى، وحولك سَراة أهل المدينة وولاة أمرها؟ إنى لأظُنُّنى ¬في ص، ت 1، ف: "لأظن".¥ سآمُرُ بك فتعذَّبُ عذابًا شديدًا، ثم أُوثِقُك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت. فلما قال ذلك قال له ¬سقط من: م.¥ يمليخا: أنبئونى عن شيءٍ أسألكم عنه، فإن فعلتم صدَقْتُكم عمَّا عندى؛ أرأيتُم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل؟ فقال له الرجلُ: ليس على وجه الأرضِ رجلٌ اسمه دقينوسُ، ولم يكن إلا ملكٌ قد هلك منذ زمانٍ ودهرٍ طويلٍ، وهلكت بعده قرونٌ كثيرةٌ. فقال له يمليخا: فوالله إنى إذًا لحيرانُ، وما هو بمصدِّقى ¬في م: "بمصدق".¥ أحدٌ من الناس بما أقولُ، والله لقد علمتُ، لقد فَرَرنا من الجبار دقينوس، وإني قد رأيته عشية أمس حين ¬في ص، ت 1، ف: "حتى".¥ دخل مدينة أُفسوس، ولكن لا أدرى، أمدينةُ أُفسوس هذه أم لا؟ فانطلقا معى إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أُريكم أصحابى. فلما سمع أريوسُ ما يقول يمليخا، قال: يا قوم، لعلَّ هذه آيةٌ من آياتِ اللَّهِ جعلها الله ¬سقط من: م، ت 2.¥ لكم على يدى هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يُرنا أصحابه كما قال. فانطلق معه أريوس وأسطيوسُ، وانط
لق معهم أهلُ المدينة كبيرُهم وصغيرُهم، نحو أصحاب الكهف لينظُروا إليهم.
ولما رأى الفتية أصحابُ الكهف يمليخا قد احتبس عنهم ¬في ص، م، ف: "عليهم".¥ بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتى فيه ¬في ص، م، ت 2، ف: "به".¥، ظنُّوا أنه قد أُخِذ فذُهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه، فبينما هم يظنُّون ذلك ويتخوَّفونه، إذ سمِعوا الأصوات وجَلْبَةَ الخيلِ مُصعِدَةً نحوَهم، فظنُّوا أَنَّهم رُسُلُ الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاةِ، وسلَّم بعضُهم على بعضٍ، وأوصى بعضُهم بعضًا، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا، فإنَّه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظرُ متى نأتيه. فبينما هم يقولون ذلك، وهم جُلوسٌ بين ظهرَى الكهف ¬في ت 1: "ظهرانى".¥، فلم يَرَوْا إِلا أريوس وأصحابه وقوفًا على باب الكهف، وقد سبقهم يمليخا، فدخل عليهم وهو يبكى، فلما رَأَوْه يَبكى بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه، فأخبرهم خبره، وقصَّ عليهم النبأ كلَّه، فعرَفوا عند ذلك أنَّهم كانوا نيامًا بأمرِ اللَّهِ ذلك الزمانَ كلَّه، وإنما أُوقِظُوا ليكونوا آيةً للناس، وتصديقًا للبعث، وليعلموا أنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فىها، ثم دخل على إثر يمليخا أريوس، فرأى تابوتًا من نُحاس مختومًا بخاتمٍ من فضةٍ، فقام بباب الكهفِ، ثم د
عا رجالًا من عُظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم، فوجدوا فيه لوحين من رصاصٍ، مكتوبٌ ¬في م، ت 1، ف: "مكتوبا".¥ فىهما كتابٌ، فقرأهما فوجد فىهما: إن مَكْسَلْمِينا، ومحسلمينا، ويمليخا، ومَرْطُونَس، وكشطونش، ويبورس، ويكرنوس، ويطبيونس ¬بعده في م: "و".¥ قالوس ¬في م، ت 1، ت 2، ف: "قالوش".¥، كانوا ثمانيةً ¬في ص، م: "فتية".¥ هوبوا من ملكهم دقينوس الجبار؛ مخافة أن يَفْتِنَهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أُخْبِر بمكانهم أمر بالكهف فسُدَّ عليهم بالحجارة، وإنَّا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم؛ ليعلمه من بعدهم إن عثَر عليهم. فلما قرءوه، عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آيةً للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوَجَدوهم جُلُوسًا بين ظَهْرَيه، مُشرِقةً وُجوهُهم، لم تَبْلَ ثيابُهم، فخرَّ أريوسُ وأصحابه سجودًا، وحمدوا الله الذي أراهم آيةً من آياته، ثم كلَّم بعضُهم بعضًا، وأنبأهم الفتيةُ عن الذي ¬في م: "الذين".¥ لقُوا من ملكهم دقينوس ذلك الجبار الذي كانوا هربوا منه، ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدًا إلى ملكهم الصالح تيذوسيس أن عَجِّلْ، لعلَّك تَنْظُرُ إلى آية من آياتِ اللَّهِ، جَعَلها الله عل
ى ملكك، وجعلها آيةً للعالمين؛ لتكونَ ¬في ت 2، ف: "ليكون".¥ لهم نورًا وضياءً، وتصديقًا بالبعث، فاعجَلْ على فتية بعَثَهم الله، وقد كان توفاهم منذُ أكثر من ثلاثمائة سنةٍ. فلما أتى الملك تيذوسيس الخبرُ، قام من المُسَنَّدَةِ ¬المسنَّدة: ضرب من الثياب. التاج (س ن د).¥ التي كان عليها، ورجع إليه رأيُه وعقلُه، وذهب عنه همُّه، ورجع إلى الله عزَّ وجلَّ، فقال: [أَحْمَدُك الله] ¬في م: "أحمدك اللهم"، وفى ص: "الحمد لله".¥ ربَّ السماوات والأرض، أعبدك وأحمدُك، وأُسبِّحُ لك، تطوَّلْتَ عليَّ، ورحمتنى برحمتك، فلم تُطْفِئ النور الذي كنت جعلته لآبائى، وللعبد الصالح قسطيطينوس الملك. فلما نُبِّئ ¬في م: "نبأ".¥ به أهلُ المدينةِ ركبوا إليه، وسارُوا معه حتى أَتَوْا مدينةً أُفْسُوسَ، فتلقَّاهم أهل المدينة، وسارُوا معه حتى أصعدوا ¬في م: "صعدوا". وكلاهما بمعنى.¥ نحو الكهف حتى أتوه، فلما رأى الفتية تيذوسيس فرحوا به، وخرُّوا سجودًا على وجوههم، وقام تيذوسيسُ قُدَّامَهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جُلوس بين يديه على الأرضِ يُسبحون الله ويَحمَدونه، ويقولُ ¬في ت 1، ت 2: "يقولون".¥: والله ما أشبه بكم إلا الحواريون ¬في ص: "الحراد"، وفى ت 2 ف: "الجر
اد".¥ حين رأوُا المسيح. وقال: فرَّج الله عنكم، كأنَّكم الذين تُدْعَون فتُحْشَرُون مِن القُبورِ. فقال الفتية لتيذوسيس: إنا نُودِّعُك السلام، والسلام عليك ورحمة الله، حفظك الله، وحفظ لك مُلكَك بالسلام، ونُعيذُك باللَّهِ مِن شر الجنِّ والإنس، فآمن ¬في م: "فأمر".¥ بعيشٍ مِن [خُلد وشيكٍ] ¬في م: "خُلَّر ونشيل".¥، إن أسوأ ما سلك في بطن الإنسان أن لا يعلم شيئًا، لا ¬في ص، م، ف: "إلا".¥ كرامةً إن أُكرم بها، ولا هوانًا إن أُهين به. فبينما الملكُ قائمٌ، إذ رجعوا إلى مضاجِعِهم فنامُوا، وتوفَّى اللَّهُ أنفسهم بأمره، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه ¬في ت 1: "ثيابهم".¥ عليهم، وأمر أن يُجْعَلَ لكلِّ رجلٍ ¬في ت 2، ف: "واحد".¥ منهم تابوتٌ من ذهبٍ، فلما أَمْسَوْا ونام، أتوه في المنام فقالوا: إنا لم نُخْلَقْ مِن ذهبٍ ولا فِضةٍ، ولكنَّا خُلِقْنا من ترابٍ وإلى التراب نصيرُ، فاترُكنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه. فأمر الملك حينئذٍ بتابوتٍ من ساجٍ ¬الساج: ضرب عظيم من الشجر، قال الزمخشرى: الساج خشب أسود رزين، ولا تكاد الأرض تبليه. التاج (س و ج).¥ فجعلوهم فيه، وحجَبَهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يَقْدِرُ أح
دٌ منهم ¬سقط من: ص، م.¥ على أن يَدْخُلَ عليهم، وأمر الملكُ فجعَل كهفهم مسجدًا يُصَلَّى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يُؤْتَى كلَّ سنةٍ. فهذا حديثُ أصحاب الكهف ¬ذكره الثعالبى في عرائس المجالس 378 - 385، والبغوى 5/ 150 - 155 عن ابن إسحاق.¥.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةٌ، عن عبد العزيز بن أبى رَوَّادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُبيدِ بن عُميرٍ، قال: بعثهم اللَّهُ - يعنى الفتية أصحاب الكهف - وقد سُلِّط عليهم ملكٌ مسلمٌ - يعنى على أهل مدينتهم - وسلَّط الله على الفتية الجوع، فقال قائل منهم: {كَمْ لَبِثْتُمْ}؟ قالُوا: {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}. قال: فردُّوا علم ذلك إلى الله، قالُوا: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ}. وإذا معهم وَرِقٌ من ضرب الملك الذي كانوا في {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ}. أي بطعامٍ، {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}. فخرج أحدهم فرأى المعالم متنكِّرةً، حتى انتهى إلى المدينة، فاستقبله الناسُ لا يَعْرِفُ منهم أحدًا ¬بعده في ص، م: "فخرج".¥ ولا يعرفونه، حتى انتهى إلى صاحب طعام، فسامه بطعامه، فقال صاحبُ الطعامِ: هاتِ وَرِقَك. فأخرج إليه الوَرِقَ، فقال: من أين لك هذه ¬في م: "هذا".¥ الوَرِقُ؟ قال: هذه وَرِقُنا ووَرِقُ أهل بلادنا. فقال: هيهات، هذه الوَرِقُ مِن ضَرْبِ فلان بن فلانٍ، منذُ ثلاثمائة سنةٍ ¬ليست في ت 2، ف.¥ وتسع سنين، أنت أصبْتَ كنزًا، ولستُ بتاركك ح
تى أرْفعَك إلى الملكِ. [فرفعه إلى الملكِ] ¬سقط من: ت 1، ت 2.¥، وإذا الملكُ مسلمٌ وأصحابُه مُسلمون، ففرح واستبْشَر، وأظهر لهم أمره، وأخبرهم خبر أصحابه، فبعثوا إلى اللوح في الخزانة فأتوا به، فوافق ما وصف من أمرهم، فقال المشركون: نحن أحقُّ بهم، هؤلاء أبناء آبائنا ¬في ت 2: "أبناؤنا".¥. وقال المسلمون: نحن أحقُّ بهم، هم مسلمون منا. فانطلقوا معه إلى الكهف، فلما أتوا باب الكهف قال: دعُونى حتى أدْخُلَ على أصحابى فأبُشِّرَهم ¬في م، ت 1، ت 2، ف: "حتى أبشرهم".¥، فإنَّهم إن رَأوْكم معى أرْعَبْتُموهم. فدخل فبشرهم، وقبض الله أرواحهم. قال: وعمَّى اللَّهُ عليهم مكانَهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نَبنى عليهم بُنْيانًا، فإِنَّهم أبناءُ آبائنا، ونعبُدُ الله فيه ¬في ص، م: "فيها".¥. وقال المسلمون: بل نحن أحقُّ بهم، هم منا، نَبنى عليهم مسجدًا تُصلِّى فيه، ونعبد الله فيه.
وأولَى الأقوال في ذلك بالصواب عندى قولُ من قال: إِنَّ الله تعالى بعثهم من رَقْدتهم ليتساءَلُوا بينَهم، كما بيَّنَّا قبلُ؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ ذكره كذلك أخبر عباده في كتابه، وإنَّ الله أعثَر عليهم القومَ الذين أعثَرهم عليهم؛ ليتحقَّقَ عندهم ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعدَ طُولِ مُدَّتِها [بهيئتهم يومَ رقدوا، ولم يَشِيبُوا على مرِّ الأيام والليالى عليهم، ولم يَهْرَموا على كرِّ الدُّهور] ¬سقط من: ت 1، ت 2، ف.¥ والأزمانِ فيهم - قدرتُه على بَعْثِ مَن أماته في الدنيا مِن قبره إلى موقف القيامة يوم القيامةِ؛ لأنَّ اللَّهَ عَزَّ ذكره بذلك أخبرنا، فقال: {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} [الكهف:21].
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ}؛ فقرأ ذلك عامَّةُ قرأة أهل المدينة وبعضُ العراقيين: {بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ}. بفتح الواو وكسر الراء والقافِ ¬هي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائى وحفص عن عاصم. التيسير ص 116.¥.
وقرأ عامَّةُ قرأة الكوفة والبصرة: (بوَرْقِكم). بسُكون الراء وكسر القاف ¬هي قراءة أبى عمرو وحمزة وأبى بكر عن عاصم. المصدر السابق.¥.
وقرأه بعضُ المكِّيين بكسر الراء وإدغام القافِ في الكافِ ¬القراءة شاذة، وهى قراءة ابن محيصن. ينظر السبعة 389، حجة القراءات 413، إتحاف فضلاء البشر 176.¥.
وكلُّ هذه القراءاتِ متَّفقاتُ المعانى وإن اختلفت الألفاظُ منها، وهنَّ لغاتٌ معروفاتٌ من كلام العرب، غير أنَّ الأصل في ذلك فتح الواو وكسرُ الراء والقافِ؛ لأنَّه الوَرِقُ، وما عدا ذلك فإنما هو داخلٌ عليه طَلَبَ التخفيف. وفيه أيضًا لُغَةٌ أُخرى وهو "الوِرْقُ"، كما يقالُ للكَبِدِ: كِبْدٌ. فإذ كان ذلك هو الأصل، فالقراءةُ به إليَّ أعجبُ، من غير أن تكونَ الأُخريان مدفوعةً صحَّتُهما.
وقد ذَكَرْنا الرواية بأن الذي بُعث معه بالوَرِقِ إلى المدينةِ كان اسمُه يَمْلِيخا.
وقد حدَّثني عبيد الله بن محمدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مقاتلٍ: {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ}: اسمُه يَمليخ ¬في ص، ت 1، ت 2: "تميخ"، وفى ف: "تمليخ".¥.
وأما قوله: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا}. فإنَّ أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه: فلْيَنْظُرْ أي أهل المدينة أكثرُ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن عكرمة: {أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا} قال: أكثر ¬ينظر البحر المحيط 6/ 111.¥.
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبي حَصينٍ، عن عكرمة مثلَه، إلَّا أنه قال: أَيُّهُ أكْثَرُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 400، وتفسير الثورى ص 177.¥.
وقال آخرون: بل معناه: أيُّها أحلَّ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: {أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا}. قال: أحلُّ ¬تفسير الثورى ص 177.¥.
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن أبى حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ مثله ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 400.¥.
وقال آخرون: بل معناه: أيها خيرٌ طعامًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {أَزْكَى طَعَامًا}. قال: خيرٌ طعامًا ¬¥.
وأولَى الأقوال عندى في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معنى ذلك: أحلُّ وأطهَرُ. وذلك أنَّه لا معنَى في اختيار الأكثر طعامًا للشراء منه، إلا بمعنى إذا كان أكثرُهم طعامًا كان خليقًا أن يكونَ الأفضلُ منه عندَه ¬سقط من: ت 1، ت 2، ف.¥ أوجدَ، وإذا شُرِط على المأمورِ الشراءُ من صاحبِ الأفضلِ، فقد أُمر بشراءِ الجيدِ، كان ما عندَ المشترَى ذلك منه قليلًا الجيدُ أو كثيرًا. وإنَّما وجَّه من وجَّه تأويلَ {أَزْكَى} إلى الأكثرِ؛ لأنَّه وجَد العربَ تقولُ: قد زَكا مالُ فلانٍ. إذا كثرُ. وكما قال الشاعرُ ¬البيت في كتاب سيبويه 3/ 565 للقتال الكلابى، وفى مجاز القرآن لأبي عبيدة 1/ 237، 397 غير منسوب، وفيه: "أكثر" بدل "أطيب".¥:
قَبائلُنا سَبْعٌ وأنتم ثَلاثَةٌ ... ولَلسَّبْعُ أَزكَى مِن ثلاثٍ وأطيبُ
بمعنى: أكثرُ. وذلك وإن كان كذلك، فإنَّ الحلالَ الجيِّدَ، وإن قلَّ، أكثرُ من الحرامِ الخبيثِ وإن كثُر.
وقيل: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا}. فأُضِيف إلى كنايةِ المدينةِ، والمرادُ بها أهلُها؛ لأنَّ تأويلَ الكلام: فلْيَنْظُرْ أيُّ أهلِها أزكَى طعامًا. لمعرفةِ السامع بالمرادِ مِن الكلام.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونوا عَنَوا بقولِهم: {أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا}: أَيُّها أحلُّ؛ من أجل أنَّهم كانوا فارَقوا قومَهم وهم أهلُ أوثانٍ، فلم يَسْتَجِيزوا أكلَ ذبيحتِهم.
وقولُه: {فَلْيَأْتِكُم برزْقٍ مِنْهُ}. يقولُ: فَلْيَأْتِكم بقوتٍ منه تَقْتاتُونه، وطعامٍ تأْكُلونه.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي رَوَّادٍ، عن عبدِ اللهِ بن عبيدِ بن عُميرٍ: {فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ}. قال بطعامٍ.
وقوله: {وَلْيَتَلَطَّفْ}. يقولُ: وليترفقْ في شرائه ما يَشْتَرِى، وفي طريقِه ودخولِه المدينةَ، {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا}. يقولُ: ولا يُعْلِمَنَّ بكم أحدًا من الناسِ.

Tafsir in other languages · 6