تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)}.
يقولُ: أما فِعْلِى ما فعَلتُ بالسفينة، فلأنها كانت لقومٍ مساكينَ {يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} بالخَرْقِ الذي خرَقتُها.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}. قال: أُخْرِقَها ¬تفسير مجاهد ص 450. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 237 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقولُه: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}. يقولُ: وكان أمامَهم وقُدّامَهم ملِكٌ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}. قال قتادةُ: أمامَهم، ألا تَرى أنه يقولُ: {مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} [الجاثية: 10]. وهى بينَ أيدِيهم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 407.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان في بعضِ ¬ليست في: ص، ت 1، ت 2، ف، م، وهذه القراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.¥ القراءةِ: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا).
وقد ذُكِر عن ابنِ عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ ذلك: (وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ) ¬جزء من حديث طويل أخرجه البخاري (3401، 4726)، ومسلم (2380/ 170) من طريق سفيان ابن عيينة به، وأخرجه عبد الله بن أحمد فى علل أبيه 1/ 102 من طريق عمرو به.¥.
قال أبو جعفرٍ: وقد جعل بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ ¬يريد أبا عبيدة فى مجاز القرآن 1/ 337، 412، 2/ 41، 62، 280، وينظر الأضداد ص 68.¥ "وراءَ" من حروفِ الأضدادِ، وزعَم أنه يَكُونُ لِمَا هو أمامَه ولِمَا خلفَه، واستَشهَد لصحةِ ذلك بقولِ الشاعرِ ¬اختلف في نسبته؛ فتارة إلى سَوّار بن المُضَرِّب، وتارة إلى مساور بن حمئان، وتارة إلى جرير، وتارة إلى الفرزدق.
ينظر التاج واللسان (ورى)، ومجاز القرآن 1/ 337، 412، 2/ 1، 62، 280، والجمهرة 1/ 177، 3/ 495، والكامل 2/ 102.¥:
أتَرْجُو ¬في الأصل، ص، م: "أيرجو".¥ بَنُو مَرْوَانَ سَمْعى وطاعَتِي ... وَقَوْمى تَمِيمٌ والفَلَاةُ وَرَائِيا
بمعنى أمامى. وقد أَغفل وجهَ الصوابِ في ذلك، وإنما قيل لِمَا بينَ يديك ¬في ص، م، ت 2، ف: "يديه".¥: هو ورائى. لأنك مِن ورائِه، فأنتَ مُلاقيه كما هو مُلاقيك، فصار إذ كان مُلاقِيَك كأنه مِن وَرائِك وأنت أمامَه.
وكان بعضُ أهل العربيةِ من أهلِ الكُوفةِ ¬هو الفراء في معاني القرآن 2/ 157.¥ لا يُجِيزُ أن يُقالَ لرجلٍ بينَ يديْك: هو ورائى. ولا إذا كان وراءَك أن يقالَ: هو أمامى. ويقولُ: إِنما يَجُوزُ ذلك في المواقيتِ من الأيامِ والأزمنةِ؛ كقولِ القائلِ: وراءَك بَرْدٌ شديدٌ. وبينَ يديْك حرٌّ شديدٌ؛ لأنك أنت وراءَه، فجاز؛ لأنه شيءٌ يأتى، فكأنه إذا لَحِقَك صار مِن ورائِك، وكأنك إذا بَلَغْتَه صار بين يديك. قال: فلذلك جاز الوجهان.
وقولُه: {يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} فيقولُ ¬في ص، ت 1، ف: "يقولُ".¥ القائلُ: فما أغنى خَرْقُ هذا العالِمَ السفينةَ التي رَكِبها عن أهلِها، إذ الذى ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥ كان من أجلِه ¬في م: "أجل".¥ خَرَقَها يَأْخُذُ السفنَ كلَّها؛ مَعِيبَها وغيرَ مَعِيبِها؟ وما كان وجهُ اعتلالِه فى خرقِها بأنه خرَقها؛ لأنَّ وراءَهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا؟
قيل: إن معنى ذلك أنه يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غصبًا، ويَدَعُ منها كلَّ مَعِيبةٍ، لا أنه كان يأخُذُ صِحاحَها وغيرَ صِحاحِها. فإن قال: وما الدليلُ على أن ذلك كذلك؟ قيل: قولُه: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا}، فأَبانَ بذلك أنه إنما عابَها لأن المَعِيبةَ منها لا يَعْرضُ لها، فاكتُفِى بذلك من أن يقالَ: وكان وراءهم ملكٌ يأخُذُ كلَّ سفينةٍ صحيحةٍ غصبًا. على أن ذلك فى بعض القراءةِ كذلك ¬وهي قراءة شاذة كما سبق.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: هي في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحةٍ غصبًا) ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 407.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثني الحسنُ بنُ دينارٍ ¬كذا في النسخ. وتقدم هذا الأثر بهذا الإسناد مطولا فى 15/ 279 وفيه: "الحسن بن عمارة" ولعله الصواب فهذا إسناد دائر فى الكتاب. والحسن بن دينار لم نجد له رواية عن الحكم بن عتيبة.¥، عن الحكم بنِ عُتَيْبةَ ¬فى م: "عيينة". تنظر ترجمته في تهذيب الكمال 7/ 114.¥، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: في قراءةِ أُبَىٍّ: (وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا)، وإنما عِبْتُها لأَرُدَّه عنها ¬ينظر البحر المحيط 6/ 154.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}: فإذا خَلَفوه أَصْلَحوها بِزِفْتٍ فَاسْتَمْتَعوا بها.
قال ابنُ جريجٍ: أخبرنى وهبُ بنُ سليمانَ، عن شعيبٍ الجَبَائيِّ ¬في م: "الجبئى".¥، أن اسمَ الرجلِ الذى كان يأخُذُ كلَّ سفينةٍ غصبًا هُدَدُ بنُ بُدَدَ ¬أخرجه الإمام أحمد في العلل (رواية عبد الله) 1/ 101 من طريق حجاج به، عن ابن جريج، عن وهب به.¥.