تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ} ذو القرنين {مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ¬في الأصل: "حامية".¥}. فاختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. بمعنى: أنها تغرُبُ في عينِ ماءٍ ذاتِ حَمْأَةٍ ¬وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم في رواية حفص. السبعة ص 398، والكشف عن وجوه القراءات السبع 2/ 73، 74.¥. وقرَأته
جماعةٌ من قرأةِ المدينة، وعامة قرأةِ الكوفةِ: (فِي عَينٍ حَامِيَةٍ). بمعنى: أنها تغرُبُ في عينِ ماءٍ حارَّةٍ ¬وهى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبى بكر. السبعة ص 398، والكشف عن وجوه القراءات السبع 2/ 73، 74.¥.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلهم ذلك على نحوِ اختلافِ القرأةِ في قراءتِه.
ذكرُ مَن قال: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. قال: في طينٍ أسودَ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 66، وأبو الشيخ في العظمة (647) من طريق عكرمة به مطولًا.¥.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرأُ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. قال: ذاتِ ¬سقط من: الأصل.¥ حَمْأَةٍ.
حدَّثنا الحسنُ ¬في م: "الحسين". وينظر تهذيب الكمال 6/ 356.¥ بنُ الجُنيدِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ مَسلمةَ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُليَّة ¬في الأصل: "أمية". وينظر تهذيب الكمال 3/ 45.¥ عن عثمانَ بن حاضرٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الله بن عباسٍ يقولُ: قرَأ معاويةُ هذه الآيةَ، فقال: (عَيْنٍ حامِيَةٍ). فقال ابن عباسٍ: إنها: {عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. قال: فجعَلا بينَهما كعبًا، قال: فأرسلا إلى كعبِ الأحبارِ، فسأَلاه، فقال كعبٌ: أما الشمسُ فإنها تغِيبُ في ثَأْطٍ. فكانت على ما قال ابن عباسٍ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 411، من طريق إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥. والتَأْطُ: الطينُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى نافعُ بن أبي نُعيمٍ، قال: سمِعتُ عبد الرحمنِ الأعرجَ يقولُ: كان ابن عباسٍ يقولُ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. ثم فسَّرها: ذاتِ حَمْأَةٍ. قال: نافعٌ: وسُئِل عنها كعبٌ، فقال: أنتم أعلمُ بالقرآنِ منى، ولكنى أجِدُها في الكتابِ تَغِيبُ في طينةٍ سوداءَ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 411، من طريق آخر عن ابن عباس بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى المصنف.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. قال: هي الحَمْأَةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {حَمِئَةٍ}. قال: ثَأْطٍ.
[حدَّثني الحارثُ، قال: حدَّثنا الحسنُ، قال: نا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}: طينةٍ سوداءَ ثأطٍ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥ ¬تفسير مجاهد ص 450، من طريق ورقاء به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. قال: ثَأطَةٍ.
قال: وأخبَرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن عطاءِ بن أبي رباحٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قرَأتُ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}، وقرَأ عمرُو بنُ العاصِ: (فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ). فَأَرْسَلْنا إلى كعبٍ، فقال: إنها تغرُبُ في حَمْأَةٍ طينةٍ سوداءَ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 412، عن ابن عباس. ووقع فيه: "ابن عمر" بدل: "عمرو بن العاص". قال الترمذى عقب حديث (2934) ويروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية، وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك ... اهـ.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.¥.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} والحمِئةُ: الحَمْأةُ السوداءَ.
حدَّثنا [محمدُ بنُ عبدِ الأعلى] ¬في الأصل، ت 1، ت 2: "عمرو بن عبد الحميد"، وفى ص، ف: "عمرو بن عبد الأعلى"، وينظر تهذيب الكمال 25/ 581.¥، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن ورقاءُ، قال: سمِعتُ سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كان ابن عباسٍ يقرَأُ هذا الحرفَ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. ويقولُ: حَمْأَةٌ سوداءُ تغرُبُ فيها الشمسُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقال آخرون: بل هي تَغِيبُ في عينٍ حارَّةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: {وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}. يقولُ: عينٍ حارَّةٍ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 188، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248، إلى ابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ: (فِي عَينٍ حامِيَةٍ). قال: حارَّةً ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 188.¥.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قوله: (في عَيْنٍ حامِيَةٍ). قال: حارَّةٍ. وكذلك قرَأها الحسنُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 410.¥.
والصوابُ من القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتَان مَعْروفَتان ¬ليست في: ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥ مُسْتَفيضَتان في قرأةِ الأمصارِ، ولكلِّ واحدةٍ منهما وجهٌ صحيحٌ ومعنًى مفهومٌ، وكلا وجهَيْه غيرُ مُفْسِدٍ أحدهما صاحبَه؛ وذلك أنَّه جائزٌ أن تكونَ الشمسُ تغرُبُ في عينٍ حارَّةٍ ذاتِ حَمْأَةٍ وطينٍ، فيكونُ القارى: (في عَيْنٍ حَامِيَةٍ) واصفَها ¬سقط من: م.¥ بصفَتِها التي هي لها، وهى الحرارةُ؛ ويكونُ القارئُ: {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} وَاصِفَها بصفتها التي هي بها، وهى أنها ذاتُ حَمْأَةٍ وطينٍ. وقد رُوِى بكلتى صفتَيْها ¬في م: "صيغتيها".¥ اللتين قلتُ: إنهما من صفتِها ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "صفتيها".¥ أخبارٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا العوَّامُ، قال: ثنى مولًى لعبدِ اللهِ بن عمرو، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: نظَر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى الشمسِ حينَ غابت، فقال: "في نارِ اللهِ الحاميةِ، في نارِ اللهِ الحاميةِ، لولا ما يَزَعُها من أمرِ ¬سقط من: الأصل.¥ اللَّهِ لأَحْرَقَتْ ما على الأرضِ" ¬أخرجه أحمد 11/ 526 (6934)، وابن أبي شيبة وأحمد بن منيع وأبو يعلى - كما في المطالب العالية (438) - من طريق يزيد بن هارون به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 248 إلى ابن مردويه.¥.
حدَّثني الفضلُ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا محمدُ بنُ دينارٍ، عن سعدِ بن أوسٍ، عن مُصْدَعٍ، عن ابن عباسٍ، عن أبيِّ بن كعبٍ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقرأه: {حَمِئَةٍ} ¬أخرجه أبو داود الطيالسي (538)، عن محمد بن دينار به، وأبو داود السجستاني (3986)، والترمذي (2934)، من طريق محمد بن دينار به.¥.
وقولُه: {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا}. ذُكِر أن أولئك القومَ يقالُ لهم: ناسكٌ ¬ينظر البحر المحيط 7/ 159. وفيه: "باسك".¥.
وقولُه: {قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ}. يقولُ: إما أن تَقْتُلَهم إن هم لم يدخُلُوا في الإقرارِ بتوحيدِ اللهِ، ويُذْعِنُوا لك بما تدعوُهم إليه من طاعةِ ربِّهم، {وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا}. يقولُ: وإما أن تأسِرَهم فتُعَلِّمَهم الهُدَى وتُبَصِّرَهم: الرشادَ.