تفسير البغوي (معالم التنزيل)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَخْبَرَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَا جِبْرِيلُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا" فَنَزَلَتْ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} الْآيَةَ. قَالَ: كَانَ هَذَا الْجَوَابُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" ¬أخرجه البخاري في تفسير سورة مريم باب "وما نتنزل إلا بأمر ربك" 8/ 428 - 429، وفي التوحيد، باب "ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين": 13/ 440، والمصنف في شرح السنة: 13/ 325.¥.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهُ قَوْمُهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَالرُّوحِ فَقَالَ: أُخْبِرُكُمْ غَدًا وَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَبْطَأْتَ عَلَيَّ حَتَّى سَاءَ ظَنِّي وَاشْتَقْتُ إِلَيْكَ" فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إِنِّي كُنْتُ أَشْوَقَ وَلَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ إِذَا بُعِثْتُ نَزَلْتُ وَإِذَا حُبِسْتُ
احْتَبَسْتُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} وأَنْزَلَ: "وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" ¬أخرجه الطبري: 16/ 103 - 104، وابن إسحاق: 1/ 300 - 301 (سيرة ابن هشام) وعزاه اين حجر في الكافي الشاف ص (107) لأبي نعيم في الدلائل، وقال: وذكره الثعلبي عن عكرمة والضحاك. وانظر: الدر المنثور: 5/ 530، تفسير القرطبي: 11/ 128، أسباب النزول للواحدي ص (348).¥.
{لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} أَيْ: لَهُ عِلْمُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ {وَمَا خَلْفَنَا} مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} مَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ¬انظر: الدر المنثور: 5/ 531.¥.
وَقِيلَ {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا {وَمَا خَلْفَنَا} مَا مَضَى مِنْهَا {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} أَيْ: مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعُونَ سَنَةً.
وَقِيلَ: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا {وَمَا خَلْفَنَا} مَا مَضَى مِنْهَا {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} مُدَّةُ حَيَاتِنَا.
وَقِيلَ: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} بَعْدَ أَنْ نَمُوتَ {وَمَا خَلْفَنَا} قَبْلَ أَنْ نُخْلَقَ {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} مُدَّةُ الْحَيَاةِ ¬انظر: زاد المسير: 5/ 531.¥.
وَقِيلَ: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} الْأَرْضُ إِذَا أَرَدْنَا النُزُولَ إِلَيْهَا {وَمَا خَلْفَنَا} السَّمَاءُ إِذَا نَزَلْنَا مِنْهَا {وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ} الْهَوَاءُ يُرِيدُ: أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِأَمْرِهِ. {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} أَيْ: نَاسِيًا يَقُولُ: مَا نَسِيَكَ رَبُّكَ أَيْ: مَا تَرَكَكَ وَالنَّاسِي التَّارِكُ.