تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ}. الفريقَ مِن أحبارِ يهودَ وعلمائِها الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم نبَذوا كتابَه الذي أنزَله إلى ¬في م: "على".¥ موسى وراءَ ظهورِهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالِمون، كأنهم لا يعلَمون، فأخبَر عنهم أنهم رفَضوا كتابَه الذي يعلَمون أنه تنزِيلٌ ¬في م، ت 2، ت 3: "منزل".¥ مِن عندِه على نبيِّه [موسى صلواتُ اللهِ عليه] ¬في م، ت 2، ت 3: -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.¥، ونقَضوا عهدَه الذي أخَذه عليهم في العملِ بما فيه، وآثَروا السحرَ الذي تلَتْه الشياطينُ في ملكِ سليمانَ بنِ داودَ صلى اللهُ عليه فاتَّبَعوه، وذلك هو الخَسارُ والضلالُ المبينُ.
واختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقولِه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ تبارَك وتعالى بذلك اليهودَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأنهم خاصَموا رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالتوراةِ، فوجَدوا التوراةَ للقرآنِ موافقةً، تأمُرُ مِن اتباعِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتصديقِه بمثلِ الذي يأمُرُ به القرآنُ، فخاصَموه بالكتبِ التي كان الناسُ اكتتَبوها مِن الكهنةِ على عهدِ سليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} ¬بعده في الأصل: "على عهد سليمان".¥. قال: كانت الشياطينُ تصعَدُ إلى السماءِ فتقعُدُ منها مقاعدَ للسمعِ، فيستمِعون مِن كلامِ الملائكةِ فيما يكونُ في الأرضِ مِن موتٍ أو غيثٍ ¬في تفسير ابن أبي حاتم وابن كثير: "غيب".¥ أو أمرٍ، فيأتون الكهنةَ فيُخبِرونهم، فتحدِّثُ الكهنةُ الناسَ فيجِدونه كما قالوا، حتى إذا أمِنَتْهم الكهنةُ كذَبوا لهم، فأدخَلوا فيه غيرَه، فزادُوا مع كلِّ كلمةٍ سبعينَ كلمةً، فاكتتَب الناسُ ذلك الحديثَ في الكتبِ، وفَشا في بني إسرائيل أن الجنَّ تعلَمُ الغيبَ، فبعَث سليمانُ في الناسِ فجمَع تلك الكتبَ، فجعَلها في صندوقٍ، ثم دفَنها تحتَ كرسيِّه، ولم يكنْ أحدٌ مِن الشياطينِ يستطيعُ أن يدنُوَ مِن الكرسىِّ إلا احتَرق، وقال: لا أسمَعُ أحدًا يذكُرُ أن الشياطينَ تعلَمُ الغيبَ إلا ضرَبتُ عنقَه. فلما مات سليمانُ وذهَبتِ العلماءُ الذين كانوا يعرِفون أمرَ سليمانَ، وخلَف بعد ذلك خَلْفٌ، تمثَّل شيطانٌ ¬في م: "الشيطان".¥ في صورةِ إنسانٍ، ثم أتَى نفرًا مِن بني إسرائيل فقال لهم ¬سقط من: م، ت 2، ت
3.¥: هل أدلُّكم على كنزٍ لا تأكُلونه ¬أكل فلان عمرَه: إذا أفناه. تهذيب اللغة 10/ 369. والمراد: لا يفنى.¥ أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفِروا تحتَ الكرسىِّ، وذهَب معهم فأَراهم المكانَ، وقام ناحيةً، فقالوا له: فادْنُ. قال: لا، ولكنِّى هاهنا في أيديكم، فإن لم تجِدوه فاقتُلونى. فحفَروا فوجَدوا تلك الكتبَ، فلمَّا أخرَجوها قال الشيطانُ: إن سليمانَ إنما كان يضبُطُ الإنسَ والشياطينَ والطيرَ بهذا السحرِ. ثم طار فذهَب، وفَشا في الناسِ أن سليمانَ كان ساحرًا، واتَّخَذتْ بنو إسرائيلَ تلك الكتبَ، فلمَّا جاء محمدٌ خاصَموه بها، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 186 (987) من طريق عمرو بن حماد به إلى قوله: "إلا احترق"، وذكره ابن كثير بتمامه في تفسيره 1/ 194.¥.
وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. قال ¬في م، ت 2، ت 3: "قالوا".¥: إن اليهودَ سألوا محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- زمانًا عن أمورٍ مِن التوراةِ، لا يسألونه عن شيء مِن ذلك إلا أنزَل اللهُ عليه ما سألوا عنه فيخصِمُهم ¬خصمه يخصمه خصمًا وخصومة: غلبه. تاج العروس (خ ص م).¥، فلمَّا رأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلمُ بما أُنزِل إلينا منَّا. وإنهم سألوه عن السحرِ وخاصَموه به، فأنزَل اللهُ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}. وإن الشياطينَ عَمَدوا إلى كتابٍ فكتَبوا فيه السحرَ والكهانةَ وما شاء اللهُ مِن ذلك، فدفَنوه تحتَ مجلسِ سليمانَ -وكان سليمانُ لا يعلَمُ الغيبَ- فلما فارَق سليمانُ الدنيا استخرَجوا ذلك السحرَ، وخدَعوا به الناسَ وقالوا: هذا علمٌ كان سليمانُ يكتُمُه ويحسُدُ الناسَ عليه. فأخبرَهم النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بهذا الحديثِ، فرجَعوا مِن عندِه وقد خَزُ
وا ¬في م، ت 3: "حزنوا"، وفي ت 2: "خزيوا".¥ وأدحَض اللهُ حجتَهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 194، 195 عن الربيع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 95 إلى المصنف وابن أبي حاتم عن أبي العالية. وهو عند ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 186 (985).¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. قال: لمَّا جاءهم رسولُ اللهِ مُصَدِّقًا لِما معهم {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الآية. قال: اتَّبَعوا السحرَ، وهم أهلُ الكتابِ. فقرَأ حتى بلَغ: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}.
وقال آخرون: بل عنى اللهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا على عهدِ سليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: تَلَتِ الشياطينُ السحْرَ على اليهودِ على ملكِ سليمانَ، فاتَّبَعتْه اليهودُ على ملكِه. يعنى: اتَّبَعت السحْرَ على ملكِ سليمانَ.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، قال: عمَدتِ الشياطينُ حين عَرَفت موتَ سليمانَ بنِ داودَ عليه السلامُ، فكتَبوا أصنافَ السحرِ: مَن كان يحبُّ أن يبلُغَ كذا وكذا، فليقُلْ ¬في م: "فليفعل".¥ كذا وكذا. حتى إذا صنَّفوا ¬في م، ت 2، ت 3: "صنعوا".¥ أصنافَ السحْرِ، جعَلوه في كتابٍ ثم ختَموا عليه بخاتَمٍ على نقشِ خاتَمِ سليمانَ، وكتَبوا في عُنوانِه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا الصديقُ للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ. ثم دفَنوه تحتَ كرسيِّه. فاستَخرَجتْه بعدَ ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدَثوا ما أحدَثوا، فلما عثَرُوا عليه قالوا: [واللهِ] ¬سقط من: م، ت 2، ت 3.¥ ما كان سليمانُ بنُ داودَ إلا بهذا. فأفشَوُا السحرَ في الناسِ، وتعلَّموه وعلَّموه، فليس في أحدٍ أكثرُ منه في يهودَ، فلما ذكَر رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- -فيما نزَل عليه مِن اللهِ- سليمانَ بنَ داودَ، وعدَّه في مَن عدَّه مِن المرسلين، قال مَن كان بالمدينةِ مِن يهودَ: ألَا تَعجَبون لمحمدٍ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا. فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم على محمدٍ: {وَاتَّبَعُو
ا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} [الآية ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 195. وهو في سيرة ابن هشام 1/ 544 مختصرًا.¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ] (3) عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}. قال: كان حينَ ذهَب مُلكُ سليمانَ، ارتدَّ فِئامٌ ¬الفئام: الجماعة الكثيرة: اللسان (ف أ م).¥ مِن الجنِّ والإنس واتّبَعُوا الشهواتِ، فلما رجَع اللهُ إلى سليمانَ ملكَه، أقام ¬في م: "قام"، وفي تفسير ابن أبي حاتم وابن كثير: "وقام".¥ الناسُ على الدِّينِ كما كان ¬في م: "كانوا".¥، وإن سليمانَ ظهَر على كتبِهم فدفَنها تحتَ كرسيِّه، وتوفِّى سليمانُ حِدْثانَ ¬حدثان الأمر، بالكسر: أوله وابتداؤه كحداثته. التاج (ح د ث).¥ ذلك، فظهَرت الجنُّ والإنسُ على الكتبِ بعدَ وفاةِ سليمانَ، وقالوا: هذا كتابٌ مِن اللهِ نزَل على سليمانَ أخفاه مِنَّا؛ فأخَذوا به فجعَلوه دينًا، فأنزَل اللهُ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. واتّبَعُوا [الشهَواتِ التي كانت] ¬في
م، ت 2، ت 3: "ما".¥ تَتْلو الشياطينُ، وهي المعازفُ واللعِبُ، وكلُّ شيء يصُدُّ عن ذكرِ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 185 (984) عن محمد بن سعد به.¥.
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ قولِه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. أن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه توبيخٌ لأحبارِ اليهودِ الذين أدرَكوا رسولَ اللهِ، فجحَدوا نبوَّتَه وهم يعلَمون أنه للهِ رسولٌ مرسَلٌ، وتأنيبٌ منه لهم في رفْضِهم. تنزيلَه، وهجْرِهم العملَ به، وهو في أيديهم يعلَمونه ويعرِفون أنه كتابُ اللهِ، واتباعِهم واتباعِ أوائلِهم وأسلافِهم ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ. وقد بيَّنا وجهَ جوازِ إضافةِ أفعالِ أسلافِهم إليهم فيما مضَى، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا
الموضِعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 642، 643.¥.
وإنما اختَرنا هذا التأويلَ؛ لأن المتَّبِعَةَ ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ وبعدَه، إلى أن بعَث اللهُ نبيَّه بالحقِّ، [من السحرةِ لم تَزَلْ] ¬في م: "وأمر السحر لم يزل".¥ في اليهودِ، ولا دلالةَ في الآيةِ أن اللهَ أراد بقولِه: {وَاتَّبَعُوا}. بعضًا منهم دونَ بعضٍ، إذ كان جائزًا فصيحًا في كلامِ العربِ إضافةُ ما وصَفنا مِن اتِّباعِ أسلافِ المُخبَرِ عنهم بقولِه: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ). إلى أخلافِهم بعدَهم، ولم يكنْ بخصوصِ ذلك عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أثرٌ منقولٌ، ولا حجةٌ تدلُّ عليه، فكان الواجبُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: كلُّ مُتَّبِعٍ ما تَلَتْه الشياطينُ على عهدِ سليمانَ مِن اليهودِ داخلٌ في معنى الآيةِ. على النحوِ الذي قلنا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ}.
ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {مَا تَتْلُو}: الذي تَتلو. فتأويلُ الكلامِ إذن: واتَّبَعوا الذي تَتلو الشياطينُ.
واختلَف [أهلُ التأويلِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ في تأويلِ قولِه: {تَتْلُو}، فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: {تَتْلُو}: تُحدِّثُ وتَروِى وتتكلَّمُ به وتخبِرُ، نحوَ تلاوةِ الرجلِ القرآنَ، وهي قراءتُه. ووجَّه قائلو هذا القولِ تأويلَهم ذلك إلى أن الشياطينَ هي التي علَّمت الناسَ السحرَ ورَوَته لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مائتين مثلَها، فأرسَل سليمانُ إلى ما كتَبوا مِن ذلك ¬بعده في م: "فجمعه".¥، فلما توفِّى سليمانُ وجَدَتْه الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ، وهو السحرُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 195.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. قال ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: مِن الكهانةِ والسحرِ. قال ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 187 (992) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة نحوه بزيادة في أوله ستأتي في ص 327، 328.¥: وذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعتْ كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه في الناسِ وعلَّموهم إيَّاه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 96 إلى المصنف.¥.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: قولُه: {مَا تَتْلُو}. قال: نُراه ما تُحدِّثُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "سالم".¥.
وحدَّثني سَلْمُ ¬¥ بنُ جُنادةَ السُّوائىُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلَقت الشياطينُ في الأيامِ التي ابتُلى فيها سليمانُ، فكتبَتْ فيها كتبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرَءوها على الناسِ ¬سيأتي بتمامه في ص 323.¥.
وقال آخرون: معنى قولِه: {مَا تَتْلُو}: ما [تتَّبِعُ وتأتمُّه] ¬في م: "تتبعه وترويه".¥ وتعمَلُ به.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا [الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقزىُّ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الحسن بن عمرو العبقرى".¥، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: {تَتْلُو}. قال: تتَّبِعُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 96 إلى المصنف.¥.
وحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيانَ الثورىِّ، عن منصورٍ، عن أبى رزينٍ مثلَه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبَر عن الذين أخبَر عنهم أنهم اتَّبعوا ما تَتلوا الشياطينُ على عهدِ سليمانَ؛ باتباعِهم ما تَلَته الشياطينُ. ولقولِ القائلِ: هو يتلو كذا. في كلامِ العربِ معنيان: أحدُهما: الاتِّباعُ، كما يقالُ: تَلوتُ فلانًا. إذا مشَيْتَ خلفَه وتبِعتَ أَثرَه، كما قال جلَّ ثناؤه: (هُنالِك تَتْلُو ¬في م، ت 3: "تبلو". وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. والمثبت قراءة حمزة والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 325.¥ كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ) [يونس: 30]. يَعْني بذلك: تتَّبِعُ. والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما يقالُ: فلانٌ يَتلو القرآنَ. بمعنى أنه يقرَؤه ويدرُسُه، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ ¬ديوانه ص 377.¥:
نَبىٌّ يَرى ما لا يَرى الناسُ حولَه ... ويَتْلو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهَدِ
ولم يخبرْنا اللهُ تعالى ذكرُه بأي مَعْنَيَىِ ¬في م: "معنى".¥ التلاوةِ كانت تلاوةُ الشياطينِ الذين تَلَوْا ما تَلَوْه مِن السحرِ على عهدِ سليمانَ، بخبرٍ يقطَعُ العذرَ، وقد يجوزُ أن تكونَ الشياطينُ تَلَت ذلك دراسةً وروايةً وعملًا به ¬سقط من: م، ت 2، ت 3.¥، فتكونَ كانت له ¬في م: "متبعته".¥ متَّبِعةً ¬في م: "دارسته".¥ بالعملِ، ودِراسةً ¬بعده في م، ت 2، ت 3: "فى".¥ بالروايةِ، فاتَّبعتِ اليهودُ منهاجَها في ذلك فعمِلتْ به ورَوَته.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}: في ملكِ سليمانَ. وذلك أن العربَ تضَعُ "فى" موضعَ "على"، و "على" ¬في م، ت 2، ت 3: "من".¥ موضعَ "فى". مِن ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71]. يعنى به: على جذوعِ النخلِ، وكما يقالُ: فعلتُ كذا في عهدِ كذا، وعلى عهدِ كذا. بمعنًى واحدٍ.
وبما قلنا في ¬عزاه في الدر المنثور 1/ 96 إلى المصنف.¥ ذلك كان ابنُ جريجٍ وابنُ إسحاقَ يقولان في تأويلِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. يقولُ: في ملكِ سليمانَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 186 (988) من طريق سلمة به.¥.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ في قولِه: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. أي: في ملكِ سليمانَ ¬¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}.
إن قال لنا قائلٌ: وما هذا الكلامُ مِن قولِه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. ولا خبرَ مضَى ¬في م، ت 2، ت 3: "معنا".¥ قبلُ عن أحدٍ أنه أضاف الكفرَ إلى سليمانَ، بل إنما ذكَر اتباعَ مَن اتبعَ مِن اليهودِ ما تَلَته الشياطينُ، فما وجهُ نفىِ الكفرِ عن سليمانَ بعقبِ الخبرِ عن اتباعِ مَن اتبعَ ¬في م: "اتبعت"، وفي ت 2، ت 3: "اتبعته".¥ الشياطينَ في العملِ بالسحرِ وروايتِه مِن اليهودِ؟
قيل: وجهُ ذلك أن الذين أضاف اللهُ جلّ ثناؤُه إليهم اتباعَ ما تلَته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ من السحرِ والكفرِ من اليهودِ، نسَبوا ما أضافه الله تعالى ذكرُه إلى الشياطينِ من ذلك إلى سليمانَ بنِ داودَ، وزعَموا أن ذلك كان مِن عملِه ¬في م، ت 2: "علمه".¥ وروايتِه، وأنه إنما كان يستعبِدُ من كان ¬سقط من: م، ت 2، ت 3.¥ يستَعبِدُ من الإنسِ والجنِّ والشياطينِ وسائرِ خلقِ اللهِ بالسحرِ ¬بعده في الأصل، ت 1: "دون الشياطين".¥، فحسَّنوا بذلك -من ركوبِهم ما حرَّم اللهُ عليهم مِن السحرِ- لأنفسِهم عندَ من كان جاهلًا بأمرِ اللهِ ونهيِه، وعندَ من كان لا علمَ له بما أنزَل اللهُ في ذلك مِن التوراةِ. وتبرَّأ -بإضافةِ ذلك إلى سليمانَ- من سليمانَ، وهو نبىُّ اللهِ صلى الله عليه، منهم بشرٌ، وأنكَروا أن يكونَ كان للهِ رسولًا، وقالوا: بل كان ساحرًا. فبرَّأ اللهُ جلَّ ثناؤُه سليمانَ بنَ داودَ من السحرِ والكفرِ عندَ من كان منهم يَنْسِبُه إلى السحرِ والكفرِ، لأسبابٍ ادَّعَوْها عليه قد ذكَرنا بعضَها قبلُ، وسنذكُرُ باقىَ ما حضَرَنا ذكرُه منها، وأكذَبَ الآخرين الذين كانوا يعمَلون بالسحرِ، مُتَزيِّنِين عندَ أهلِ الجهلِ في علمِهم ¬في م: "عملهم"
.¥ ذلك بأن سليمانَ كان يعمَلُه، فنفَى اللهُ عن سليمانَ عليه السلامُ أن يكونَ كان ساحرًا أو كافرًا، وأعلَمهم أنهم إنما اتَّبَعوا في عملِهم بالسحرِ ما تَلته الشياطينُ في عهدِ سليمانَ، دونَ ما كان سليمانُ يأمُرُهم به ¬سقط من: م، ت 2، ت 3.¥ مِن طاعةِ اللهِ، واتِّباعِ ما أمَرهم به في كتابِه الذي أنزَله على موسى صلى اللهُ عليه.
ذكرُ الدّلالةِ ¬في م، ت 2، ت 3: "الدلائل".¥ على صحةِ ما قلنا من الأخبارِ والآثارِ
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان سليمانُ يتَتبَّعُ ما في أيدى الشياطينِ من السحرِ، فيأخُذُه فيدفِنُه تحتَ كرسيِّه في بيتِ خَزائنِه ¬في م، ت 2، ت 3 وتفسير ابن كثير: "خزانته".¥، فلم تقدِرِ الشياطينُ أن يصِلوا إليه، فدنَت ¬في تفسير ابن كثير: "فدبت".¥ إلى الإنسِ فقالوا لهم: أتريدون العلمَ الذي كان سليمانُ يسخِّرُ به الشياطينَ والرياحَ وغيرَ ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيتِ خَزائنِه (4) وتحتَ كرسيِّه. فاستَثارته الإنسُ فاستَخرَجوه فعمِلوا به، فقال أهلُ الحِجا ¬في م، ت 2، ت 3: "الحجاز"، والحجا: العقل والفطنة والمقدار. القاموس المحيط (ح ج ى).¥: كان سليمانُ يعمَلُ بهذا، وهذا سحرٌ. فأنزَل اللهُ على لسانِ نبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- براءةَ سليمانَ فقال: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} الآية. [فأبرَأ اللهُ] ¬في م، ت 2، ت 3، وتفسير ابن كثير: "فأنزل الله براءة".¥ سليمانَ على لسانِ نبيِّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 195.¥.
حدَّثني أبو السائبِ السُّوائىُّ، قال: حدّثناه أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الذي أصاب سليمانَ بنَ داودَ في سببِ أناسٍ من أهلِ امرأةٍ يقال لها: جَرادَةُ. وكانت مِن أكرمِ نسائِه عليه، قال: فكان هَوَى سليمانَ أن يكونَ الحقُّ لأهلِ الجَرادَةِ فيَقْضِىَ لهم، فعوقِب حينَ لم يكنْ هواه فيهم واحدًا. قال: وكان سليمانُ إذا أراد أن يدخُلَ الخلاءَ، أو يأتىَ شيئًا مِن نسائِه، أعطَى الجَرادَةَ خاتَمَه، فلما أراد اللهُ أن يَبْتَلِىَ سليمانَ بالذي ابتَلاه به، أعطَى الجَرادَةَ ذاتَ يومٍ خاتَمَه، فجاء الشيطانُ في صورةِ سليمانَ فقال لها: هاتى خاتمى. فأخَذه فلبِسه، فلما أُلبسه دانتْ له الشياطينُ والجنُّ والإنسُ. قال: فجاء سليمانُ فقال: هاتى خاتمى. فقالت: كذَبتَ لسْتَ سليمانَ. قال: فعرَف سليمانُ أنه بلاءٌ ابتُلِى به. قال: فانطلَقت الشياطينُ في تلك الأيامِ فكتَبتْ كُتُبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرءوها على الناسِ، وقالوا: إنما كان سليمانُ يغلِبُ الناسَ بهذه الكتبِ. قال: فبرِئ الناسُ مِن سليمانَ وأكفَروه حتى بعَث اللهُ محمدًا -صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأنزَل اللهُ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. يعنى: الذي كتَب الشياطينُ مِن السحرِ والكفرِ، {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}. فأنزَل اللهُ عذرَه ¬أخرجه النسائي في الكبرى (10993)، وفي تفسيره (13) من طريق أبي معاوية به بأطول مما هنا. وابن عساكر في تاريخه 22/ 248 من طريق جعفر بن عون، عن الأعمش به مختصرًا. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 193 عن المصنف. وإسناده ضعيف لعنعنة الأعمش، والمتن فيه نكارة واضحة.¥.
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصنعانىُّ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عمرانَ بنَ حُدَيرٍ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "جبير".¥، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: أخَذ سليمانُ من كلِّ دابةٍ عهدًا، فإذا أصِيب رَجلٌ فسُئل ¬في تفسير ابن كثير، والدر المنثور: "فسأل". وقوله: "فسئل". لعله يريد: فسئل له.¥ بذلك العهدِ، خُلِّى ¬في الأصل: "خلت".¥ عنه، فزاد ¬في م، ت 1، ت 3، والدر المنثور "فرأي"، وفي ت 2: "فرأوا".¥ الناسُ السَّجعَ والسحرَ وقالوا: هذا كان يعمَلُ به سليمانُ. فقال اللهُ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 196 عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 96 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
وحدَّثنا ابنُ ¬في م: "أبو".¥ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عمرانَ، [وهو عمرانُ] ¬سقط من: م.¥ بنُ الحارثِ، قال: بينا نحن عندَ ابنِ عباسٍ، إذ جاءه رجلٌ فقال له ابنُ عباسٍ: مِن أين جئتَ؟ قال: مِن العراقِ. قال: مِن أيِّه؟ قال: مِن الكوفةِ. قال: فما الخبرُ؟ قال: ترَكتُهم يتحدَّثون أن عليًّا خارجٌ إليهم. ففزِع [ثم قال] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فقال".¥: ما تقولُ لا أبا لك! لو شعَرنا ما نكَحنا نساءَه، ولا قسَّمنا ميراثَه، أمَا [إنى سأُحدِّثُكم عن] ¬في م: "أحدثكم من".¥ ذلك، إنَّه كانت الشياطينُ يَستَرِقون السمع مِن السماءِ، فيجِئُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فيأتى".¥ أحدُهم بكلمةِ حقٍّ قد سمِعها، فإذا جُرِّبَ ¬في م، ت 1، ت 2: "حدث".¥ منه صِدْقٌ، كذَب معها سبعين كِذْبةً. قال: فيُشرِبُها قلوبَ الناسِ، فأطلَع اللهُ عليها سليمانَ فدفَنها تحتَ كرسيِّه، فلمّا توفِّى سليمانُ قام شيطانٌ بالطريقِ فقال: ألَا أدلُّكم على كَنزِه المُمَنَّعِ الذي لا كنزَ له ¬سقط من: م.¥ مثلُه؟
تحتَ الكرسىِّ. فأخرَجوه فقالوا: هذا سحرٌ. فتَناسَخها الأممُ -حتى بَقاياها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بقاياهم".¥ ما يتحدَّثُ به أهلُ العراقِ- فأنزَل اللهُ عذرَ سليمانَ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ¬أخرجه الحاكم 2/ 265 وابن عساكر في تاريخه 22/ 255 من طريق جرير به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (207 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 187 (989) من طرق عن حصين به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 95 إلى سفيان بن عيينة وابن المنذر.¥.
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعَت كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه في الناسِ وعلَّموهم ¬في م ت 1، ت 2، ت 3: "أعملوهم".¥ إياه، فلما سمِع بذلك سليمانُ نبىُّ اللهِ، تتَبَّع ¬في م، ت 1، ت 3: "فتتبع".¥ تلك الكتبَ، فأتَى بها فدفَنها تحتَ كرسيِّه، كراهيةَ أن يَتَعَلَّمَها الناسُ، فلمَّا قبَض اللهُ نبيَّه سليمانَ، عمَدت الشياطينُ فاستَخرَجوها مِن مكانِها التي كانت فيه فعلَّموها الناسَ، فأخبَروهم أن هذا علمٌ كان يكتُمُه سليمانُ ويستأثِرُ به، فَعَذَرَ اللهُ ¬بعده في م ت 1، ت 2، ت 3: "نبيه".¥ سليمانَ وبرَّأه مِن ذلك، فقال: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} ¬تقدم طرف منه في ص 319، وسيأتي تخريجه في ص 329.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كتَبت الشياطينُ كتُبًا فيها سحرٌ وشركٌ، ثم دفَنتْ تلك الكتبَ تحتَ كرسىِّ سليمانَ، فلما مات استَخرجَ الناسُ تلك الكتبَ فقالوا: هذا علمٌ كتَمَناه سليمانُ. فقال اللهُ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 53، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 22/ 254 من طريق معمر به.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا [الحسينُ، قال: حدَّثنى] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} الآية ¬تقدم تخريجه من طريق عمرو بن دينار عن مجاهد في ص 319.¥. قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ من السماءِ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مثلَها، وإن سليمانَ أخَذ ما كتَبوا مِن ذلك فدفَنه تحت كرسيِّه، فلما توفِّى وجَدَته الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبى بكرٍ، عن شهرِ بنِ حَوْشبٍ، قال: لمَّا سُلِب سليمانُ مُلكَه، كانتِ الشياطينُ تكتُبُ السحرَ في غَيْبةِ سليمانَ، فكتَبَت: مَن أراد أن يأتىَ كذا وكذا، فليستَقبِلِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا، ومن أراد أن يفعَلَ كذا وكذا، فليستَدبِرِ الشمسَ ولْيقلْ كذا وكذا. فكتَبَتْه وجعلَتْ عُنوانَه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ. ثم دفَنَته تحتَ كرسيِّه، فلما مات سليمانُ قام إبليسُ خطيبًا فقال: يا أيُّها الناسُ، إن سليمانَ لم يكنْ نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتَمِسوا سحرَه في متاعِه وبيوتِه. ثم دلَّهم على المكانِ الذي دُفِن فيه، فقالوا: واللهِ لقد كان سليمانُ ساحرًا، هذا سحرُه، بهذا تعبَّدَنا، وبهذا قهَرَنا. فقال المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا. فلما بعَث اللهُ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، جعَل يذكُرُ الأنبياءَ حتى ذكَر داودَ وسليمانَ، فقالتِ اليهودُ: انظُروا إلى محمدٍ، يخلِطُ الحقَّ بالباطلِ، يذكُرُ سليمانَ مع الأنبياءِ، وإنما كان ساحرًا يركَبُ الريحَ. فأنزَل اللهُ عذرَ سليمانَ، فقال ¬ذكره ابن كثير في
تفسيره 1/ 195 عن المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 95 إلى المصنف.¥: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ} الآية ¬¥.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا سلمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}: وذلك أن رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- -فيما بلَغنى- لمَّا ذكَر سليمانَ بنَ داودَ في المرسَلين، قال بعضُ أحبارِ يهودَ: ألَا تعجَبون مِن محمدٍ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا. فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}. أي: باتباعِهم السحرَ، [وعملِهم] ¬في ت 2، ت 3: "وعلمهم".¥ به، {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} ¬سيرة ابن هشام 1/ 544.¥.
فإذ ¬في م: "فإذا".¥ كان الأمرُ في ذلك ما وصَفنا، وتأويلُ قولِه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}. ما ذكَرنا، فبيِّنٌ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فتبين".¥ أن في الكلامِ متروكًا، ترِك ذكرُه اكتفاءً بما ذكِر منه، وأن معنى الكلامِ: واتَّبَعوا ما تَتْلو الشياطينُ مِن السحرِ على مُلْكِ سليمانَ، فتُضِيفُه إلى سليمانَ، وما كفَر سليمانُ فيعمَلَ بالسحرِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا يعلِّمون الناسَ السحرَ.
وقد كان قتادةُ يتأوَّلُ قولَه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}. على [نحوِ ما ذكرْنا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ما قلنا".¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}. يقولُ: ما كان عن مشورتِه، ولا عن رضًا منه، ولكنه شيء افتَعَلَته الشياطينُ دونَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 187 (990) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة.¥.
وقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على اختلافِ المختلِفين في معنى: {تَتْلُو}. وتوجيهِ مَن وجَّه ذلك إلى أنه ¬في م: "أن تتلو".¥ بمعنى "تلَت"، إذ كان الذي قبلَه خبرًا ماضيًا، وهو قولُه: {تَتْلُو}. وتوجيهِ الذين وجَّهوا ذلك إلى خلافِ ذلك، وبيَّنا فيه وفي نظيرِه الصوابَ مِن القولِ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ ¬ينظر ما تقدم في ص 256.¥.
وأمَّا معنى قولِه: {مَا تَتْلُو}. فإنه: بمعنى: الذي تتلو، وهو السحرُ.
كما ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. أي: السحرَ.
ولعلَّ قائلًا أن يقولَ: أوَ ما كان السحرُ إلا أيامَ سليمانَ؟
قيل له: بل ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بلي".¥ قد كان ذلك قبلَ ذلك، وقد أخبرَ اللهُ عن سَحَرةِ فرعونَ بما ¬في م: "ما".¥ أخبرَ عنهم، وقد كانوا قبلَ سليمانَ، وأخبرَ عن قومِ نوحٍ أنهم قالوا لنوحٍ إنه ساحرٌ.
فإن ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ قال: فكيف أخبرَ عن اليهودِ أنهم اتبَعوا ما تَلَته الشياطينُ في ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "على".¥ عهدِ سليمانَ، [دون الخبرِ عنهم أنهم اتَّبَعوا ما تَلَته الشياطينُ من ذلك أيامَ نوحٍ وأيامَ موسى؟
قيل: إنما أخبَر اللهُ بذلك، تعالى ذكرُه، عن اتِّباعِهم ما تَلَتْهُ الشياطينُ على عهدِ سليمانَ] ¬في م: "قيل".¥؛ لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمانَ -على ما قد قدَّمنا البيانَ عنه- فأراد اللهُ تعالى ذكرُه تَبرئةَ سليمانَ مما نَحَلُوه وأضافوا إليه مما كانوا وجَدوه، إما في خزائنِه ¬في الأصل: "خزانته".¥ وإما تحتَ كرسيِّه، على ما جاءت به الآثارُ التي قد ذكَرناها من ذلك، فخصّ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فحصر".¥ الخبرَ عما كانت اليهودُ اتبَعتْه مما ¬في م: "فيما".¥ تَلَته الشياطينُ أيَّامئذٍ ¬في م: "أيام سليمان".¥ دونَ غيرِه لذلك من ¬سقط من: م، ت 1.¥ السببِ، وإن كانت الشياطينُ قد كانت تاليةَ السحرِ والكفرِ قبلَ ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}.
قال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "العلم".¥ في تأويلِ "ما" التي في قولِه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}؛ فقال بعضُهم: معناها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "معناه".¥ الجحدُ، وهي بمعنى "لَمْ".
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. فإنه يقولُ: لَمْ يُنزِلِ اللهُ السِّحرَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 188 (997) عن محمد بن سعد به.¥.
وحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا حكَّامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}. قال: ما أنزَل اللهُ عليهما السحرَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 188 عقب الأثر (998) من طريق أبي جعفر به.¥.
فتأويلُ الآيةِ على هذا المعنى الذي ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ والربيعِ -مِن توجيهِهما معنى قولِه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}. أي ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إلى".¥: ولم ينزِلْ على الملَكين: واتَّبَعوا الذي تَتلو الشياطينُ على مُلكِ سليمانَ مِن السحرِ، وما كفَر سليمانُ، ولا أنزَل اللهُ السحرَ على المَلَكَينِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ. فيكونُ حينئذٍ قولُه: {بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف وجهُ تقديمِ ذلك؟
قيل: وجهُ تقديمِه أن يقالَ: واتبَعوا ما تَتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ، [وما كفَر سليمانُ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، وما أنزِل على المَلَكَين، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ. فيكونُ معنيًّا بـ {الْمَلَكَيْنِ} جبريلُ وميكائيلُ؛ لأَنَّ سحَرةَ اليهودِ، فيما ذكِر، كانت تزعُمُ أن اللهَ أنزَل السحرَ على لسانِ جبريلَ وميكائيلَ إلى سليمانَ بنِ داودَ، فأكذَبها اللهُ بذلك، وأخبرَ نبيَّه محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن جبريلَ وميكائيلَ لَمْ ينزِلا بسحرٍ قطُّ، وبرَّأ سليمانَ مما نحَلوه من السحرِ، وأخبرَهم أن السحرَ مِن عملِ الشياطينِ، وأنها تعلِّمُ الناسَ ذلك ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ببابلَ، وأن الذين يعلِّمونهم ذلك رجُلان؛ اسمُ أحدِهما هاروتُ، واسمُ الآخرِ ماروتُ، فيكونُ هاروتُ وماروتُ على هذا التأويلِ ترجمةً عن ¬في م، ت 2، ت 3: "على".¥ الناسِ وردًّا عليهم.
وقال آخرون ¬بعده في م: "بل".¥: تأويلُ "ما" التي في قولِه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}: الذى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ والزهرىُّ، عن عُبيدِ ¬في م: "عبد"، وينظر تفسير ابن كثير 1/ 202، والدر المنثور 1/ 99.¥ اللهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. كانا ملَكَينِ مِن الملائكةِ، فأُهبِطا ليحكُما بينَ الناسِ؛ وذلك أن الملائكةَ سخِروا مِن حكّامِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، وتفسير عبد الرزاق: "أحكام".¥ بنى آدمَ. قال: فحاكَمتْ إليهما ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "إليهم".¥ امرأةٌ، فَحافَا ¬في تفسير عبد الرزاق: "فحابيا". والمثبت موافق لما في الدر. وقوله: "فحافا". ضبط في الأصل بتشديد الفاء، وضبطناه بالتخفيف على أصل الفعل، ومعناه: جارا وظلما ومالا عن القصد في الحكم. وانظر التاج (ح ى ف).¥ لها، ثم ذهَبا يصعَدان فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ الدنيا. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: فكانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألا يعلِّما ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "يعلمان".¥ أحدًا حتى يقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 53، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 99 إلى عبد بن حميد و
ابن المنذر.¥.
وحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. فهذا سحرٌ آخرُ خاصَموه به أيضًا. يقولُ: خاصَموه بما أنزِل على المَلَكَين، وأن كلامَ الملائكةِ فيما بينَهم، إذا علِمتْه الإنسُ فصُنِع وعمِل به كان سحرًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 96 إلى المصنّف.¥.
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}: فالسحرُ سِحران: سحرٌ تعلِّمُه الشياطينُ، وسحرٌ يعلِّمُه هاروتُ وماروتُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 96 إلى المصنّف.¥.
وحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. قال: التفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 188 (996) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 96 إلى ابن المنذر.¥.
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}. فقرَأ حتى بلَغ: {فَلَا تَكْفُرْ}. قال: الشياطينُ والمَلَكان يعلِّمون الناسَ السحرَ.
فمعنى الآيةِ على تأويلِ هذا القولِ الذي ذكَرناه عمَّن ذكَرنا عنه: واتبَعتِ اليهودُ الذي تَلتِ الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ والذي أنزِل على الملكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
[وقال قائلو هذه المقالةِ: إن اللهَ أنزَل السحرَ على هاروتَ وماروتَ ببابلَ] ¬سقط من: م.¥. وهما ملَكان مِن ملائكةِ اللهِ، سنذكُرُ ما روِى مِن الأخبارِ في شأنِهما بعدُ ¬سقط من: م.¥ إن شاء اللهُ.
وقالوا: إن قال لنا قائلٌ: وهل يجوزُ أن يُنزِلَ اللهُ السحرَ، أم هل يجوزُ لملائكتِه أن تعلِّمَه الناسَ؟
قلنا له: إنَّ اللهَ تبارَك وتعالى قد أنزَل الخيرَ والشرَّ كلَّه، وبيَّن جميعَ ذلك لعبادِه، فأوحاه إلى رسلِه، وأمَرهم بتعليمِ خلقِه وتعريفِهم ما يحِلُّ لهم مما يحرُمُ عليهم، وذلك كالزِّنَا والسَّرَقِ ¬في م: "السرقة". وهما بمعنى.¥ وسائرِ المعاصى التي عرَّفَهُموها ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "عرفتمهوها".¥ ونهَاهم عن ركوبِها، فالسحرُ أحدُ تلك المعانِي ¬في م: "المعاصى".¥ التي أخبرَهم بها ونَهاهم عن العملِ بها.
وقالوا: ليس في العلمِ بالسحرِ إثمٌ، كما لا إثمَ في العلمِ بصنعةِ الخمرِ ونحتِ الأصنامِ والطَّنابيرِ ¬الطنابير، جمع الطُّنْبُور والطِّنْبار: من آلات الطرب، ذو عنق طويل وستة أوتار، معرب تَنْبور. الألفاظ الفارسية المعربة ص 113.¥ والملاعبِ، وإنما الإثمُ في عملِه وتسويتِه.
قالوا: وكذلك لا إثمَ في العلمِ بالسحرِ، وإنما الإثمُ في العملِ به، وأن يَضُرَّ به مَن لا يَحِلُّ ضَرُّه به.
قالوا: فليس في إنزالِ اللهِ إياه على الملَكَين، ولا في تعليمِ الملَكَين مَن علَّماه مِن الناسِ إثمٌ؛ إذ ¬في م: "إذا".¥ كان تعليمُهما مَن علَّما ذلك بإذنِ اللهِ لهما بتعليمِه، بعدَ أن يُخبِراه أنَّهما فتنةٌ، وينهياه عن السحرِ والعملِ به والكفرِ، وإنما الإثمُ على مَن يتعلَّمُه منهما ويعمَلُ به؛ إذ كان اللهُ تعالى ذكرُه قد نَهى ¬في م: "نهاه".¥ عن تعلُّمِه والعملِ به.
قالوا: ولو كان اللهُ أباح لبنى آدمَ أن يتعلَّموا ذلك، لَمْ يكنْ مَن تعلَّمَه ¬بعده في الأصل: "منهما".¥ حَرِجًا، كما لَمْ يكونا حَرِجَين ¬الحِرْج والحَرَج: الإثم، والحارج: الآثم. قال ابن سيده: أراه على النسب؛ لأنه لا فعل له. اللسان (ح ر ج). وقال الشيخ شاكر عن استعمال الحرِج بمعنى الآثم: وأهل اللغة ينكرون ذلك، لا يقال للآثم إلَّا "الحارج".¥ لعلمِهما به؛ إذ كان علمُهما بذلك عن تنزيلِ اللهِ إليهما.
وقال آخرون: معنى "مَا"، معنى "الذى"، وهي عطفٌ على "مَا"، الأُولي، غيرَ أن الأُولى في معنى السحرِ، ومعنى ¬سقط من: م.¥ الآخِرةِ في معنى التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه.
فتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: واتَّبَعوا السحرَ الذي تَتلو الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ، والتفريقَ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الذى".¥ بينَ المرءِ وزوجِه الذي أُنزِل على المَلَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
ذكر من قال ذلك
حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}: وهما يعلِّمان ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، وذلك قولُ اللهِ -[وقالوا: كفَر سليمانُ] ¬سقط من: م.¥ -: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا}. فكان يقولُ: أمَّا السحرُ فإنما تُعلِّمُه الشياطينُ، وأما الذي يعلِّمه الملَكان فالتفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه، كما قال اللهُ تعالى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 96 إلى المصنّف.¥.
وقال آخرون: جائزٌ أن تكونَ "مَا" بمعنى "الذى"، وجائزٌ أن تكونَ بمعنى "لَمْ".
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حَدَّثَنِي الليثُ بنُ سَعْدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، وسأله رجلٌ عن قولِ اللهِ: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. فقال الرجلُ: يعلِّمان الناسَ ما أنزِل عليهما، أم يعلِّمان الناسَ ما لَمْ يَنزِلْ عليهما؟ قال القاسمُ: ما أبالى أيَّتهما كانت ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 198 عن المصنّف. وينظر طبقات ابن سعد 5/ 187.¥.
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: حَدَّثَنِي أنسُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بشر". وينظر تهذيب الكمال 3/ 349.¥ بنُ عياضٍ، عن بعضِ أصحابِه، أن القاسمَ بنَ محمدٍ سُئل عن قولِ اللهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}. فقيل له: أُنزِل أو لَمْ يُنزَلْ؟ فقال: لا أبالى أي ذلك كان، إلَّا أنى آمنتُ به ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 198 عن المصنّف. وينظر طبقات ابن سعد 5/ 187.¥.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا قولُ من وجَّه "ما" التي في قولِه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}. إلى ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "التى".¥ معنى "الذى" دونَ معنى "ما" التي هي بمعنى الجحدِ. وإنما اختَرتُ ذلك من أجلِ أن "مَا" إن وجِّهت إلى معنى الجَحدِ فنَفَى ¬في م، ت 1، ت 3: "فتنفى".¥ عن الملَكَين أن يكونا مُنْزلًا إليهما، لَمْ ¬في م: "ولم".¥ يَخلُ الاسمان اللذان بعدَهما -أعنى هاروتَ وماروتَ - مِن أن يكونا بدلًا منهما وترجمةً عنهما، أو بدلًا من "الناسِ" في قولِه: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}. وترجمةً عنهم ¬في م: "عنهما".¥. فإن جُعِلا بدلًا من "المَلَكَين" وترجمةً عنهما، بطَل معنى قولِه: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}. لأنهما إذا لَمْ يكونا عالِمَين بما يُفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه، فما الذي يُتعلَّمُ منهما مما ¬في م: "ما".¥ يفرِّقُ بينَ المرءِ وزوجِه؟
وبعدُ، فإن "مَا" التي في قولِه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}. إن كانت بمعنى ¬في م، "في معنى".¥ الجَحْدِ عطفًا على قولِه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}. فإن اللهَ جلّ ثناؤُه نفَى بقولِه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}. عن سليمانَ أن يكونَ السحرُ من عملِه أو من علمِه أو تعليمِه، فإن كان الذي نفَى عن الملَكَين من ذلك نظيرَ الذي نفَى عن سليمانَ منه -وهاروتُ وماروتُ هما الملَكان- فمَن المتعلَّمُ منه إذن ما يفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه؟ وعمَّن الخبرُ الذي أخبرَ عنه بقولِه: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}؟ إنَّ خطأَ هذا القولِ لواضحٌ بيِّنٌ.
وإن كان قولُه: {هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. ترجمةً عن "الناسِ" الذين في قولِه: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}. فقد وجَب أن تكونَ الشياطينُ هي التي تعلِّمُ هاروتَ وماروتَ السحرَ، وأن ¬سقط من: م.¥ تكونَ السحرةُ إنما تعلَّمت السحرَ من هاروتَ وماروتَ عن تعليمِ الشياطينِ إياهما. فإن يكنْ ذلك كذلك، فلنْ يخلوَ هاروتُ وماروتُ عندَ قائلى ¬في م، ت 2، ت 3: "قائل"، وغير واضحة في: ت 1.¥ هذه المقالةِ من أحدِ أمرين؛ إما أن يكونا ملَكَين، فإن كانا عندَهم ¬في م: "عنده".¥ ملَكَين، فقد أوجَبوا ¬في م: "أوجب".¥ لهما مِن الكفرِ باللهِ والمعصيةِ له - بنسبتِهم ¬في م: "بنسبته".¥ إياهما إلى أنهما يتعلَّمان مِن الشياطينِ السحرَ [والكفرَ] ¬سقط من: م.¥ ويعلِّمانه الناسَ، وإصرارِهما على ذلك ومُقامِهما عليه- أعظمَ مما ذكِر عنهما أنهما أتَياه مِن المعصيةِ التي استَحقَّا عليها العقَابَ. وفي خبرِ اللهِ تعالى ذكرُه عنهما أنهما لا يعلِّمان أحدًا ما يَتعلَّمُ منهما حتى يقولا له: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}. ما يُغنى عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على خطأِ هذا القولِ، أو أن يكونا كانا ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت
3.¥ رجلين من بنى آدمَ، فإن يكن ذلك كذلك فقد كانا يجبُ أن يكونَ بهلاكِهما قد ارتفَع السحرُ والعلمُ به والعملُ من بنى آدمَ؛ لأَنه إذا كان علمُ ذلك مِن قِبَلِهما يُؤخذُ، ومنهما يُتعلَّمُ، فالواجبُ أن يكونَ بهلاكِهما وعدمِ وجودِهما عدمُ السبيلِ إلى الوصولِ إلى المعنى الذي كان لا يوصَلُ إليه إلا بهما. وفي وجودِ السحرِ في كلِّ زمانٍ ووقتٍ، أبيَنُ الدَّلالةِ على فسادِ هذا القولِ. أو ¬في م: "وقد".¥ يزعُمُ قائلُو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قائل".¥ ذلك أنهما رجلان مِن بنى آدمَ لم يُعْدَما مِن الأرضِ منذُ خُلِقت الأرضُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، ولا يُعدَمان ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بعد".¥ ما وجِد السحرُ في الناسِ، فيدَّعى ما لا يَخفى بُطُولُه.
فإذ ¬في م، ت 1، ت 2: "فإذا".¥ فسَدتْ هذه الوجوهُ التي دلَّلنا على فسادِها، فبيِّنٌ أن معنى "ما" التي في قولِه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ}. بمعنى "الذي" وأن هاروتَ وماروتَ مُترجَمٌ بهما عن "الملَكَين"، ولذلك فُتِحت أواخرُ أسمائِهما؛ لأنهما في موضعِ خَفضٍ بالرَّدِّ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "على الرد".¥ على "الملَكَين"، ولكنهما لمّا كانا لا يُجْريان ¬في م: "يجران". والإجراء هو الصرف. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص 98 - 101.¥ فُتِحت أواخرُ أسمائِهما.
فإن التَبَس على ذي غباءٍ ما قلنا، فقال: وكيف يجوزُ لملائكةِ اللهِ أن تعلِّمَ الناسَ التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه؟ أم كيف يجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ إنزالُ ذلك على الملائكةِ؟
قيل له: إن اللهَ جلّ ثناؤُه عرَّف عبادَه جميعَ ما أمَرهم به، وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمَرهم ونهاهم بعدَ العلمِ منهم بما يؤمَرون به ويُنهَون عنه، ولو كان الأمرُ على غيرِ ذلك، لَما كان للأمرِ والنهْىِ معنًى مفهومٌ، فالسحرُ مما قد نهَى عبادَه من بنى آدمَ عنه، فغيرُ منكَرٍ أن يكونَ جلّ ثناؤُه علَّمه الملَكَين اللذين سمَّاهما في تنزيلِه، وجعَلهما فتنةً لعبادِه من بنى آدمَ، كما أخبرَ عنهما أنهما يقولان لمَن يَتعلَّمُ ذلك منهما: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}. ليَختَبِرَ بهما عبادَه الذين نهاهم عن التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، وعن السحرِ، فيمحِّصَ المؤمنَ بترْكِه التعلُّمَ منهما، ويُخزِىَ الكافرَ بتعلُّمِه السحرَ والكفرَ منهما، ويكونُ المَلَكان في تعليمِهما مَن علَّما ذلك، للهِ مُطِيعَين، إذ كانا عن إذنِ اللهِ لهما بتعليمِ ذلك من علَّماه يُعلِّمان، وقد عُبِد من دونِ اللهِ جماعةٌ من أولياءِ اللهِ، فلم يكنْ ذلك لهم ضائرًا، إذ لم يكنْ ذلك بأمرِهم إياهم به، بل عُبِد بعضُهم والمعبودُ عنه نَاهٍ، فكذلك المَلَكان غيرُ ضائرِهما سحرُ مَن سحَر ممن تعلَّم ذلك منهما بعدَ نهْيِهما إياه عنه، وعظَتِهما له بقولِهما: {إِنَّ
مَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}. إذ كانا قد أدَّيَا ما أمِرا به بقيلِهما ذلك.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. إلى قولِه: {فَلَا تَكْفُرْ}. [قال: قولُه: {فَلَا تَكْفُرْ}] ¬سقط من: م ت 1، ت 2، ت 3.¥: أُخِذ عليهما ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 192 (1011) من طريق عباد بن منصور، عن الحسن نحوه مطولا.¥.
ذكرُ بعضِ الأخبارِ التي [جاءت في شأْنِ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "في بيان".¥ الملَكين [وأمرِهما] (1)، ومَن قال: إن هاروتَ وماروتَ هما الملَكان اللذان ذكَر اللهُ في قولِه: {[وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ] (1) بِبَابِلَ}.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثني أبي، عن قتادةَ، قال: حدثنا أبو شعبةَ العدوىُّ في جنازةِ يونسَ بنِ جبيرٍ أبى غَلَّابٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللهَ تبارك وتعالى أفرَج السماءَ لملائكتِه ينظُرون إلى أعمالِ بنى آدمَ، فلما أبصَروهم يعمَلون بالخطايَا، قالوا: ياربِّ، هؤلاء بنو آدمَ الذي خلَقتَ بيدِك، وأسجَدتَ له ملائكتَك، وعلَّمتَه أسماءَ كلِّ شيء، يعمَلون بالخطايا. قال: أمَا إنكم لو كنتم مكانَهم لعمِلتُم مثلَ أعمالِهم. قالوا: سبحانَك ما كان ينبغى لنا. قال: فأمِروا أن يَختاروا [ملَكين ليهبِطَا] ¬في م: "من يهبط".¥ إلى الأرضِ. قال: فاخْتاروا هاروتَ وماروتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وأحِلَّ لهما ما فيها مِن شيء، غيرَ ألا يُشْرِكَا باللهِ شيئًا، ولا يسرِقا، ولا يزنِيا، ولا يشرَبا الخمرَ، ولا يقتُلا النفسَ التي حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ. قال: فما أشْهرا ¬في م، ت 1، ت 2: "استمرا". وأشهر: أتى عليه شهر. التاج (ش هـ ر).¥ حتى عرِّض لهما بامرأةٍ ¬في م: "امرأة".¥ قد قُسِم لها نصفُ الحسنِ، يقالُ لها: بِيذُخْتْ ¬في الأصل: "بيدخت". بالدال المهملة. وتقال بالوجهين. ينظر نهاية الأرب 1/ 39.¥. فلما أبصَراه
ا كشَرا ¬كذا في الأصل، وفي م: "أرادا"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "كسرا". وكتب في حاشية الأصل: "في الأم: كُسرا" وصححها.
وكشَر عن أسنانه: إذا أبدى، يكون في الضحك وغيره. وقد كاشره: إذا ضحك في وجهه وباسطه. والكَشْرُ ضرب من النكاح. التاج (ك ش ر). ولعله كنى بذلك عن إرادة الزنا والمراودة.¥ بها إِرْبًا ¬في م: "زنا".¥، فقالت: لا، إلَّا أن تُشرِكا باللهِ، وتشرَبا الخمرَ، وتقتُلا النفسَ، وتسجُدا لهذا الصنمِ. فقالا: ما كنا لنشرِكَ باللهِ شيئًا. فقال أحدُهما للآخرِ: ارجِعْ إليها. فقالت: لا، إلَّا أن تشرَبا الخمرَ. فشرِبا حتى ثَمِلا ¬ثمِل يَثْمَل ثمَلا: إذا سكر وأخذ فيه الشراب. اللسان (ث م ل).¥، ودخَل عليهما سائلٌ فقتَلاه، فلما وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الشرِّ، أفرَج اللهُ السماءَ لملائكتِه، فقالوا: سبحانَك كنتَ أنتَ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أعلمَ. قالْ فأوحَى اللهُ إلى سليمانَ ابنِ داودَ أن يُخيِّرَهما بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ الدنيا، فكُبِّلا مِن أكعبِهما إلى أعناقِهما بمثلِ أعناقِ البُخْتِ ¬البخت: الإبل الخراسانية. اللسان (ب خ ت).¥، وجُعِلا ببابلَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 100 إلى المصنف. وإسناده ضعيف لجهالة أبي شعبة العدوى.¥.
حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدَّثنا حمادٌ ¬في م: "حجاج"، وينظر تفسير ابن كثير 1/ 200.¥، عن ¬في الأصل: "بن".¥ عليِّ بنِ زيدٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ أنهما قالا: لمّا كثُر بنو آدمَ وعصَوْا، دعَت الملائكةُ عليهم والأرضُ والسماءُ والجبالُ: ربَّنا [ألَا تهلِكُهم] ¬في العقوبات لابن أبي الدنيا: "أهلكهم"، وفي تفسير ابن كثير: "لا تهلكهم"، وفي الدر المنثور: "لا تمهلهم". وكذا في بعض طبعات ابن كثير كما أشار محققوه.¥؟ فأوحَى اللهُ إلى الملائكةِ: إنى لو أنزَلتُ الشهوةَ والشيطانَ مِن قلوبِكم، ولو نزَلتم لفعَلتُم أيضًا قال: فحدَّثوا أنفسَهم أن لو ¬سقط من: الأصل، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ابتُلوا اعتصَموا. فأوحَى اللهُ إليهم أن اختاروا ملَكين مِن أفضلِكم. فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فأهبِطا إلى الأرضِ، وأنزِلت الزُّهَرةُ إليهما في صورةِ امرأةٍ مِن أهلِ فارسَ، كان أهلُ فارسَ يسمُّونها بِيذُختْ. قال: فوقَعا بالخطيئةِ، وكانت الملائكةُ يستغفِرون للذين آمنوا: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7]. فلما وقَعا بالخطيئةِ استغفَروا لمَن في الأرضِ: {أَلَا
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الشورى: 5]. فخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ الدنيا ¬أخرجه ابن أبي الدنيا في العقوبات (221) من طريق حماد بن سلمة به.¥
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عميرِ ¬في م: "عمرو".¥ بنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: كانت الزُّهَرةُ امرأةً جميلةً من أهلِ فارسَ، وإنها خاصَمت إلى الملَكَين هاروتَ وماروتَ، فراوَداها عن نفسِها، فأبَت عليهما إلا أن يعلِّمَاها الكلامَ الذي إذا تُكُلِّم به يُعرَجُ به إلى السماءِ، فعلَّماها، فتكلَّمَت، فعرَجَت إلى السماءِ فمُسِخَت كوكبًا ¬أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده -كما في المطالب العالية (3892) - وابن أبي الدنيا في العقوبات (223)، وأبو الشيخ في العظمة (702)، والحاكم 2/ 265 من طريق عمير بن سعيد عن على مطولا، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 199 عن المصنف، وقال: وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 97 إلى عبد بن حميد.¥.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن الثورىِّ، عن موسى ¬في م: "محمد".¥ بنِ عقبةَ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، عن كعبٍ، قال: ذكَرت الملائكةُ أعمالَ بنى آدمَ وما يأتُون من الذنوبِ، فقيل لهم: اخْتاروا منكم اثنين -وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: اختاروا ملَكَين- فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فقيل لهما: إنى أرسِلُ إلى بنى آدمَ رُسُلًا، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا، لا تُشرِكا بي شيئًا، ولا تزنِيا، ولا تشرَبا الخمرَ. قال كعبٌ: فواللهِ ما أمسَيا مِن ¬في الأصل: "في".¥ يومِهما الذي أُهبِطا فيه إلى الأرضِ حتى استكمَلا جميعَ ما نُهِيا عنه. وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: فما استَكمَلا يومَهما الذي أنزِلا فيه حتى عَمِلا ما حرَّم اللهُ عليهما ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 190 (1006) من طريق مؤمل به. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 53، وابن أبي شيبة 13/ 186، وابن أبي الدنيا في العقوبات (224)، والبيهقي في الشعب (164) من طريق الثورى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 98 الى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا معلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ المختارِ، عن موسى بنِ عقبةَ، قال: حدَّثني سالمٌ، أنه سمِع عبدَ اللهِ يحدِّثُ عن كعبِ الأحبارِ، أنه حدَّث أن الملائكةَ أنكَروا أعمالَ بنى آدمَ وما يأْتُون في الأرضِ مِن المعاصى، فقال اللهُ لهم: إنكم لو كنتم مكانَهم أتيتم ما يأتون مِن الذنوبِ، فاختاروا منكم ملَكَين. فاختاروا هاروتَ وماروتَ اخْتيارًا ¬سقط من: م.¥، فقال اللهُ لهما: إنى أرسِلُ رسلي إلى الناسِ، وليس بينى وبينَكما رسولٌ، انزِلا إلى الأرضِ، ولا تُشرِكا بي شيئًا ولا تزنِيَا. فقال كعبٌ: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، ما استكمَلا يومَهما الذي نزَلا فيه حتى أتَيا كلَّ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ما حُرِّم عليهما.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: إنه كان مِن أمرِ هاروتَ وماروتَ أنهما طعَنا على أهلِ الأرضِ في أحكامِهم، فقيل لهما: إنى أعطَيتُ بنى ¬في م: "ابن".¥ آدمَ عشرًا مِن الشهواتِ فبها يعصوننى. قال هاروتُ وماروتُ: ربَّنا لو أعطَيتنا تلك الشهواتِ ثم نزَلنا، لحكمْنا بالعدلِ. فقال لهما: انزِلا، فقد أعطَيتُكما تلك الشهواتِ العشرَ، فاحكُما بينَ الناسِ. فنزَلا ببابلِ دُنْباوَنْدَ ¬دُنْباوَند لغة في دُبَاوَنْد، ودُباوَنْد كورة من كور الرى بينها وبين طبرستان، ودُنْباوند جبل من نواحى الرى. معجم البلدان 2/ 544، 606.¥، فكانا ¬في الأصل: "فكان".¥ يحكُمان، حتى إذا أمسَيا عَرَجا، فإذا أصبَحا هبَطا، فلم يزالا بذلك حتى أتَتْهما امرأةٌ تخاصِمُ زوجَها، فأعجَبهما حسنُها -واسمُها بالعربيةِ الزُّهَرةُ، واسمُها ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ بالنَّبطيةِ بِيذُخْتْ، واسمُها بالفارسيةِ أناهِيذ- فقال أحدُهما لصاحبِه: إنها لتُعجِبُنى. قال الآخرُ: قد أردتُ أن أذكرَ لك ذلك ¬في م، ت 2، ت 3: "إليها".¥ فاستحييتُ منك. فقال الآخرُ: هل لك أن أذكرَها لنفسِها؟ قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذابِ اللهِ؟ قال الآخرُ: إنا نرجُو رحمةَ اللهِ.
فلما جاءت تخاصِمُ زوجَها ذكَرا لها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يستطيعا".¥ نفسَها، فقالت: لا، حتى تقضِيا لي على زوجى. فقضَيا لها على زوجِها، ثم واعَدتْهما خَرِبةً من الخَرِبِ يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعُها، قالت: ما أنَا بالذي أفْعَلُ حتى تخبرانى بأي كلامٍ تصعَدان إلى السماءِ، وبأي كلامٍ تنزِلان منها. فأخبَراها فتكلَّمت فصعِدت، فأنساها اللهُ ما تَنْزِلُ به، فبقِيت مكانَها، وجعَلها اللهُ كوكبًا -فكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ كلما رآها لعَنها وقال: هذه التي فتَنت هاروتَ وماروتَ- فلما كان الليلُ أرادا أن يصعَدا فلم يُطِيقا ¬في م، ت 1، ت 3: "الهلك".¥، فعرَفا الهَلكةَ ¬في م: "بين عذاب الدنيا و".¥، فخُيِّرا [عذابَ الدنيا من عذابِ] ¬بعده في م: "من عذاب الآخرة".¥ الآخرةِ، فاختارا عذابَ الدنيا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 202.¥، فعُلِّقا ببابلَ، وجعَلا يكلِّمان الناسَ كلامَهما، وهو السحرُ ¬¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: لما وقَع الناسُ مِن بعدِ آدمَ فيما وقَعوا فيه مِن المعاصِى والكفرِ باللهِ، قالت الملائكةُ في السماءِ: أي ربّ، هذا العالَمُ إنما خلقتَهم لعبادتِك وطاعتِك، وقد ركِبوا الكفرَ، وقتلَ النفسِ الحرامِ، وأكلَ المالِ الحرامِ، والسرقةَ، والزنا، وشرْبَ الخمرِ. فجعَلوا يدعون عليهم ولا يَعْذِرونهم، فقيل لهم: إنهم في غَيْبٍ. فلم يعذِروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم ملَكَين آمرُهما بأمرى، وأنْهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروتَ وماروتَ، فأُهبِطا إلى الأرضِ، وجعِل لهما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، والدر المنثور: "بهما".¥ شهواتُ بنى آدمَ، وأمِرا أن يعبُدا اللهَ، وألا يشرِكا به شيئًا، ونُهِيا عن قتلِ النفسِ الحرامِ، وأكلِ المالِ الحرامِ، والسرقةِ، والزنا، وشربِ الخمرِ، فلبِثا في الأرضِ على ذلك زمانًا يحكُمان بينَ الناسِ بالحقِّ -وذلك في زمانِ إدريسَ- وفي ذلك الزمانِ امرأةٌ حسنُها في سائرِ النساءِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، والدر المنثور: "الناس".¥ كحسنِ الزُّهَرةِ في سائرِ الكواكبِ، وأنها أتَت عليهما، فخضَعا لها بالقولِ، وأراداها على نفسِها، وأنها أبَت إلا أن
يكونا على أمرِها ودينِها، وأنهما سأَلاها عن دينِها الذي ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "التى".¥ هي عليه، فأخرَجت لهما صنمًا، فقالت: هذا أعبُدُ. فقالا: لا حاجةَ لنا في عبادةِ هذا. فذهَبا فصبَرا ما شاء اللهُ، ثم أتَيا عليها فخضَعا لها بالقولِ، وأراداها على نفسِها، فقالت: لا، إلَّا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجةَ لنا في عبادةِ هذا. فلما رأتْ أنهما قد ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أبَيا أن يعبُدا الصنمَ، قالت لهما: اختارا إحدَى الخِلالِ الثلاثِ؛ إما أن تعبُدا الصنمَ، أو تقتُلا النفسَ، أو تشرَبا هذه ¬سقط من: الأصل.¥ الخمرَ. فقالا: كلُّ هذا لا ينبغى، وأهونُ الثلاثِ شُرْبُ الخمرِ. فسقَتْهما الخمرَ حتى إذا ¬بعده في الأصل: "وأنهما".¥ أخَذتِ الخمرُ فيهما ¬¥، وقَعا بها، فمرَّ بهما إنسانٌ وهما في ذلك، فخشِيا أن يُفشِىَ عليهما فقتَلاه، فلما أن ذهَب عنهما السكرُ، عرَفا ما قد ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، وأرادا أن يصعَدا إلى السماءِ فلم يستطِيعا، فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وكُشِف الغطاءُ فيما ¬سقط من: م.¥ بينهما وبينَ أهلِ السماءِ، فنظَرتِ الملائكةُ إلى ما قد (1) وقَعا فيه مِن الذنبِ، فعجِبوا كلَّ ال
عَجَبِ، و [عرَفوا أنه] ¬في م: "علموا أن".¥ مَن كان في غَيْبٍ فهو أقلُّ خشيةً ¬في م: "غشية".¥، فجعَلوا بعدَ ذلك يستغفِرون لمَن في الأرضِ. وإنهما لمّا وقَعا فيما وقَعا فيه مِن الخطيئةِ، قيل لهما: اختارا عذابَ الدنيا أو عذابَ الآخرةِ. فقالا: أمَّا عذابُ الدنيا فإنه ينقطِعُ [ويذهَبُ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، وأمَّا عذابُ الآخرةِ فلا انقطاعَ له. فاختارا عذابَ الدنيا، فجُعِلا ببابلَ، فهما يعذَّبان ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 100 إلى المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 189 (1005) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس قوله، وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 201 عن ابن أبي حاتم، وقال: رواه الحاكم في مستدركه مطولا عن. . . أبى جعفر الرازى به، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روى في شأن الزهرة، والله أعلم.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا فرجُ بنُ فَضالةَ، عن معاويةَ ابنِ صالحٍ، عن نافعٍ، قال: سافَرتُ مع ابنِ عمرَ، فلما كان مِن آخرِ الليلِ، قال: يا نافعُ، انظُرْ، طلعتِ الحمراءُ؟ [قلتُ: لا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قالها".¥. مرَّتين أو ثلاثًا، ثم قلتُ: قد طلَعت. قال: لا مرحبًا بها ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ولا أهلًا. قلت: سبحانَ اللهِ، نجمٌ مسخَّرٌ سامعٌ مطيعٌ! قال: ما قلتُ لك إلا ما سمِعتُ من رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو ¬في م: "و".¥ قال: قال لي ¬سقط من الأصل.¥ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنَّ الملائكةَ قالت: يا ربِّ، كيف صبرُك على بنى آدمَ في الخطايا والذنوبِ؟ قال: إنى ابتَليتُهم وعافَيتُكم. قالوا: لو كنا مكانَهم ما عصَيناك. قال: فاختارُوا ملَكَين منكم". قال: "فلم يألُوا أن يختارُوا، فاختارُوا هاروتَ وماروتَ" (1).
وحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: أمّا شأنُ هاروتَ وماروتَ، فإن الملائكةَ عجِبت من ظلمِ بنى آدمَ، وقد جاءتْهم الرسلُ والكتبُ والبيناتُ، فقال لهم ربُّهم: اختاروا منكم ملَكَين أُنزِلْهما يحكُمان في الأرضِ بين بنى آدمَ. فاختاروا -[فلم يألُوا] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3. ممم بقية السابق ممم -[348]-_ (أ) أخرجه سنيد -كما في الدر المنثور 1/ 97 - ومن طريقه الخطيب 8/ 42، وابن الجوزي في الموضوعات 1/ 186، والذهبى في الميزان 2/ 236. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 199 عن المصنف، وقال: غريب جدا، وأقرب ما في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، لا عن النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. . . وينظر تفسير ابن كثير 1/ 198 - 200، والدر المنثور 1/ 97، 98، والضعيفة (912). ممم¥ - هاروتَ وماروتَ. فقال لهما حينَ أنزَلهما: أَعجِبتما مِن بنى آدمَ ومِن ظلمِهم ومعصيتِهم، وإنما تأتِيهم الرسلُ والكتبُ مِن وراءَ وراءَ؟! وأنتما ليس بينى وبينَكما رسولٌ، فافعَلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا. فأمَرهما بأمرٍ ونهاهما، ثم نزَلا على ذلك، ليس أحدٌ أطوعَ للهِ منهما، فحكَما فعدَلا، فك
انا يحكُمان النهارَ بين بنى آدمَ، فإذا أمسَيا عَرَجا وكانا مع الملائكةِ، وينزِلان حين يصبِحان فيحكُمان فيعدِلان، حتى أُنزِلت عليهما الزُّهَرةُ في أحسنِ صورةِ امرأةٍ تخاصِمُ، فقضَيا عليها، فلما قامت وجَد كلُّ واحدٍ منهما في نفسِه، فقال أحدُهما لصاحبِه: وجَدتَ مثلَ ما وجَدتُ؟ قال: نعم. فبعَثا إليها: أنِ ائتِينا نَقْضِ لكِ. فلما رجَعت، قالا لها -وقضيا لها-: ائتِينا. فأتتهما، فتكشَّفا لها عن عورتِهما، وإنما كانت شهوتُهما في أنفسِهما، ولم يكونا كبنى آدمَ في شهوةِ النساءِ ولذَّتِها، فلما بلَغا ذلك واستحلَّاه وافتُتِنا، طارتِ الزُّهَرةُ فرجَعت حيث كانت، فلما أمسَيا عَرَجا فزُجِرا ¬في م: "فردا"، وفي ت 1: "فرجعا"، وفي ت 2: "فرجوا".¥ فلم يؤذنْ لهما، ولم تحمِلْهما أجنِحَتُهما، فاستغاثا برجلٍ من بنى آدمَ، فأتَياه فقالا: ادعُ لنا ربَّك. فقال: كيف يشفَعُ أهلُ الأرضِ لأهلِ السماءِ؟ قالا: سمِعنا ربَّك يذكُرُك بخيرٍ في السماءِ. فوعَدهما يومًا وعْدًا ¬في م: "وغدا".¥؛ يدعو لهما، فدَعا لهما فاستُجيب له، فخيِّرا بين عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فنظَر أحدُهما إلى صاحبِه [فقال: ألا تعلمُ] ¬في م: "فقالا نعلم".¥ أن أفواجَ ¬في م:
"أنواع".¥ عذابِ اللهِ في الآخرةِ كذا وكذا في الخلدِ ¬بعده في الأصل: "نعم". وعليها استشكال.¥، ومع الدنيا سبعَ ¬في تفسير ابن كثير: "تسع".¥ مراتٍ مثلَها. فأُمِرا أن ينزِلا ببابلَ، فثَمَّ عذابُهما، وزُعِم أنهما معلَّقان في الحديدِ مَطويَّان؛ يصطَفِقان ¬في تفسير ابن كثير: "يصفقان". واصطفق القوم: اضطربوا. اللسان (ص ف ق).¥ بأجنِحَتِهما ¬أخرجه أبو الشيخ في العظمة (704) من طريق أبي حذيفة به مختصرًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 192 (1009) من طريق ابن جريج، عن مجاهد مختصرا. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 203 كاملًا ثم قال: وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسديِّ والحسن و. . . وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال.¥.
قال أبو جعفرٍ: وحُكِى عن بعضِ القرأةِ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وما أُنزِل على المَلِكينِ). يعنى به: رجلين مِن بنى آدمَ ¬قرأها كذلك ابن عباس والحسن وأبو الأسود الدؤلي والضحاك وابن أبزى، وهي قراءة شاذة. المحتسب 1/ 100، والبحر المحيط 1/ 329. وأخرج قراءة ابن أبزى والضحاك ابن أبي حاتم في تفسيره (1000، 1002).¥.
وقد دلَّلْنا على خطأِ القراءةِ بذلك مِن جهةِ الاستدلالِ ¬ينظر ما تقدم في ص 338، 339.¥، فأما مِن جِهَةِ النقلِ، فإجماعُ الحجةِ على خطأِ القراءةِ بها من الصحابةِ والتابعين وقرأةِ الأمصارِ. وكفَى بذلك شاهدًا على خطَئِها.
وأما قولُه: {بِبَابِلَ}. فإنه اسمُ قريةٍ أو موضعٍ مِن مواضعِ الأرضِ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيها؛ فقال بعضُهم: إنها ببابلِ دُنْباوَنْدَ.
حدَّثني بذلك موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ ¬تقدم تخريجه في ص 345.¥.
وقال بعضُهم: بل ذلك ببابلِ العراقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن أبي الزنادِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ في قصةٍ ذكَرتها عن امرأةٍ قدِمت المدينةَ، فذكَرت أنها صارت بالعراقِ ببابلَ، فأتَت بها هاروتَ وماروتَ، فتعلَّمت منهما السحرَ ¬سيأتي تخريجه في ص 353.¥.
واختُلف في معنى السحرِ؛ فقال بعضُهم: هو خُدَعٌ ومَخاريقُ ومعانٍ يفعَلُه الساحرُ، حتى يُخَيَّلَ إلى المسحورِ الشيء أنه بخلافِ ما هو به، نظيرَ الذي يرى السَّرابَ مِن بعيدٍ، فيُخَيَّلُ إليه أنه ماءٌ، ويرَى الشيء مِن بعيدٍ [فيه، فيتبيَّنُه] ¬في م: "فيثبته".¥ بخلافِ ما هو به ¬سقط من: م.¥ على حقيقتِه، وكراكبِ السفينةِ السائرةِ سيرًا حثيثًا يُخَيَّلُ إليه أن ما عاين مِن الأشجارِ والجبالِ سائرٌ معه. قالوا: فكذلك المسحورُ، ذلك صفتُه، يحسَبُ بعدَ الذي وصَل إليه مِن سحرِ الساحرِ أن الذي يراه أو يفعلُه بخلافِ الذي هو به على حقيقتِه.
كالذي حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لمّا سُحِر، كان يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشيء ولم يَفْعَلْه ¬أخرجه أحمد 6/ 50 (24283)، والبخاريّ (3175) من طريق يحيى بن سعيد به. وأخرجه أحمد 6/ 63 (24393)، والبخاريّ (3268)، ومسلم (2189)، وغيرهم من طرق عن هشام به.¥.
وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: سحَر رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يهودىٌّ مِن يهودِ بنى زُرَيقٍ، يقالُ له: لبيدُ ابنُ الأعصمِ. حتى كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُخَيَّلُ إليه أنه يفعلُ الشيء وما يَفْعَلُه ¬أخرجه مسلم (2189) من طريق ابن نمير به.¥.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: كان عروةُ بنُ الزبيرِ وسعيدُ بنُ المسيّبِ يحدِّثان أن يهودَ بنى زُرَيقٍ عقَدوا عُقَدَ سِحْرٍ لرسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فجعَلوها في بئرِ حَرْمٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "حزم" بالزأي، وفي صحيح مسلم: "بئر ذي أروان". قال الإمام النووى في شرح مسلم 14/ 177: هكذا هو في جميع نسخ مسلم: ذي أروان. وكذا وقع في بعض روايات البخاريّ، وفي معظمها: "ذروان". وكلاهما صحيح، والأول أجود وأصح، وادعى ابن قتيبة أنه الصواب، وهو قول الأصمعى، وهي بئر بالمدينة في بستان بنى زريق.¥، حتى كان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُنكِرُ ¬في جامع معمر: "يغض".¥ بصرَه، ودلَّه اللهُ على ما صنَعوا، فأرسَل رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى بئرِ حرْمٍ التي فيها العُقَدُ فانْتزَعها، فكان رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقولُ: "سحرَتْنى يهودُ بنى زريقٍ" ¬أخرجه معمر في جامعه (19764) عن ابن شهاب به، ولم يذكر اسم البئر. وأخرجه ابن سعد 2/ 198 من طريق ابن شهاب به، مقتصرا على آخره.
وقال الحافظ في الفتح 10/ 226، 227: قال المازرى: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها. . . وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر، كالأمراض. . . وعقد القاضى عياض في هذا البحث فصلا جيدا في الشفا 2/ 865 وما بعدها.¥.
وأنكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ الساحرُ يَقدِرُ بسحْرِه على قلبِ شيء عن حقيقتِه، أو ¬في م: "و".¥ استسخارِ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "استحسان".¥ شيء مِن خلقِ الله إلا نظيرَ الذي يقدِرُ عليه مِن ذلك سائرُ بنى آدمَ، أو إنشاءِ شيء مِن الأجسامِ سوى المخاريقِ والخُدَعِ المتخيَّلةِ لأبصارِ الناظرين، بخلافِ حقائقِها التي وصَفنا. وقالوا: لو كان في وُسعِ السحرةِ إنشاءُ الأجسامِ، وقلبُ حقائقِ الأعيانِ عما هي به مِن الهيئاتِ، لم يكنْ بينَ الباطلِ والحقِّ فصلٌ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فضل".¥، ولجاز أن تكونَ جميعُ المحَسّاتِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "المحسوسات".¥ مما سحَرته السحرةُ فقلَبت أعيانَها. قالوا: وفي وصفِ الله جلَّ وعزَّ سحرَ ¬سقط من: م.¥ سحَرةِ فرعونَ بقولِه: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66]. وفي خبرِ عائشةَ عن رسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه كان إذ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إذا".¥ سُحِر يخيَّلُ إليه أنه يفعَلُ الشيء وهو لا يفعلُه -أوضحُ الدَّلالةِ على بُطُولِ دعْوَى المدَّعِين- أن الساحرَ يُنشيء أعيانَ الأشياءِ بسحرِه، ويستسْخِرُ ما يتعذَّرُ اس
تسخارُه على غيرِه مِن بنى آدمَ، كالمواتِ والجمادِ والحيوانِ- وصحةِ ما قلنا.
وقال آخرون: قد يقدِرُ الساحرُ بسحرِه أن يحوِّلَ الإنسانَ حمارًا، وأن يَسحَرَ [الحيوانَ والجمادَ] ¬في م: "الإنسان والحمار".¥، وينشيء أعيانًا وأجسامًا.
واعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني ابن أبي الزنادِ، قال: حدَّثني هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنها قالت: قدِمت عليَّ امرأةٌ مِن أهلِ دُومَةِ الجندلِ ¬دومة الجندل: هي ما بين برك الغماد ومكة. معجم ما استعجم 2/ 564.¥، جاءت تَبتغى رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعدَ موتِه ¬بعده في الأصل: "في".¥ حَدَاثةَ ذلك، تسألُه عن شيء دخَلتْ فيه من أمرِ السحرِ ولم تعمَلْ به. قالت عائشةُ لعروةَ: يا بنَ أختى، فرأيتُها تبكى حينَ لم تجِدْ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فيشفِيَها، كانت تبكى حتى إنى لأرحَمُها، وتقولُ: إنى لأخافُ أن أكونَ قد هلَكْتُ، كان لي زوجٌ فغاب عنى، فدخَلَت عليَّ عجوزٌ فشكَوتُ ذلك إليها، فقالت: إن فعَلتِ ما آمرُكِ به، فأجعلُه يأتيك. فلما كان الليلُ جاءتْنى بكلبَين أسودَين، فركِبتْ أحدَهما وركِبتُ الآخرَ، فلم يكنْ كشيء ¬هذه اللفظة ليست عند ابن أبي حاتم، حيث أورده مختصرًا، وفي المستدرك: "مكثى"، وفي سنن البيهقي: "كثير".¥ حتى وقَفنا ببابلَ، فإذا برجلَين، معلَّقَين بأرجلِهما، فقالا: ما
جاء بكِ؟ فقلتُ: أتعلَّمُ السحرَ. فقالا: إنما نحن فتنةٌ، فلا تكفُرى وارجِعى. فأبَيْتُ، وقلتُ: لا. قالا: فاذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبُولى فيه. فذهَبتُ ففزِعتُ فلم أفعلْ، فرجَعتُ إليهما، فقالا: أفعَلتِ؟ فقلتُ: نعم. قالا: فهل رأيتِ شيئًا؟ قلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: لم تفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى. [فأرْبَبْتُ وأبيتُ] ¬في م: "فأييت". وأرب فلان بالمكان: إذا أقام به فلم يبرحه. التاج (ر ب ب).¥، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنورِ فبولى فيه. فذهَبتُ فاقشعرَرْتُ وخفتُ، ثم رجعتُ إليهما فقلتُ: قد فعلتُ.
فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: لم أرَ شيئًا. فقالا: كذَبتِ لم تَفعَلى، ارجِعى إلى بلادِك ولا تكفُرى، فإنك على رأسِ أمرِكِ ¬أي في أوله. التاج (ر أ س).¥. فأرْبَبْتُ وأبيتُ، فقالا: اذهَبى إلى ذلك التنُّورِ فبولى فيه. فذهَبتُ إليه فبُلتُ فيه، فرأيتُ فارسًا مُتقنِّعًا بحديدٍ خرَج منه ¬في م، ومصادر التخريج: "منى". وقولها: "منه". أي من البول.¥ حتى ذهَب في ¬في الأصل: "إلى".¥ السماءِ، وغاب عنى حتى ما أراه. فجئتُهما فقلتُ: قد فعلتُ. فقالا: فما رأيتِ؟ فقلتُ: رأيتُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ فارسًا مُتقنِّعًا خرَج منه (2)، فذهَب في السماءِ حتى ما أراه. فقالا: صدَقتِ، ذلك إيمانُكِ خرَج منك، اذهبى. فقلتُ للمرأةِ: واللهِ ما أعلمُ شيئًا، وما قالا لي شيئًا. فقالت: بلى، لن تريدى شيئًا إلا كان، خُذى هذا القمحَ فابذُرى. فبذَرتُ، فقلتُ: أطْلِعى. فأطْلَعتْ، وقلت: أحْقِلى. فأحْقَلت، ثم قلت: [أفْرِكى. فأفْرَكَتْ] ¬في المستدرك: "أفرخى فأفرخت".¥، ثم قلت: أيْبِسى. فأيْبَست، ثم قلت: أطْحِنى. فأطْحَنَتْ، ثم قلتُ: أخبزِى. فأخبَزتْ. فلمّا رأيتُ أنى لا أريدُ شيئًا إلا كان، سُقِط في يدِى وندِمتُ، واللهِ يا أمَّ المؤمنين ¬بعده في م، ت 1، ت 2:"والل
ه".¥ ما فعلتُ شيئًا قطُّ ولا أفعلُه أبدًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 194 (1022)، والحاكم 4/ 155، والبيهقي 8/ 136 من طريق الربيع بن سليمان به مطولا ومختصرا. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 203، 204 عن المصنف، وقال: أثر غريب، وسياق عجيب. وقال أيضًا: 1/ 205: هذا إسناد جيد إلى عائشة.¥.
فقال أهلُ هذه المقالةِ بما وصَفنا، واعتلُّوا بما ذكَرنا، وقالوا: لولا أن الساحرَ يقدِرُ على فعلِ ما ادّعى أنه يقدِرُ على فعلِه، ما قدَر أن يفرِّقَ بينَ المرءِ وزوجِه. قالوا: وقد أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يتعلَّمون مِن الملَكَين ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، وذلك لو كان على غيرِ الحقيقةِ، وكان على وجهِ التخييلِ والحُسبانِ، لم يكنْ تفريقًا على صحةٍ، وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يفرِّقون على صحةٍ.
وقال آخرون: بل السحرُ أخْذٌ بالعينِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}.
وتأويلُ ذلك: وما يعلِّمُ الملَكان من أحدٍ مِن الناسِ الذي أُنزِل عليهما مِن التَّفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاءٌ وفتنةٌ لبنى آدمَ، فلا تكفُرْ بربِّك.
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: إذا أتاهما -يعنى هاروتَ وماروتَ- إنسانٌ يريدُ السحرَ، وعَظاه وقالا له: لا تكفُرْ، إنما نحن فتنةٌ. فإذا أبَى، قالا له: ائتِ هذا الرمادَ فبُلْ عليه. فإذا بال عليه خرَج منه نورٌ يسطَعُ حتى يدخُلَ السماءَ، وذلك الإيمانُ، وأقبَل ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قيل".¥ شيء أسودُ كهيئةِ الدُّخَانِ حتى يدخُلَ في مسامعِه وكلِّ شيء منه، فذلك غضبُ الله، فإذا أخبرَهما بذلك علَّماه السحرَ، فذلك قولُ الله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} الآية ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 206 عن السديِّ.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ: {حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}. قالا: أُخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 103 إلى المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 192 (1011، 1012) من طريق عباد بن منصور عن الحسن، وأبى جعفر عن قتادة.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ: كانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر} ¬تقدم تخريجه في ص 333.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال غيرُ قتادةَ: أخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يَتقدَّما إليه فيقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر}.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أخِذ عليهما أن يقولا ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخِذ الميثاقُ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر}: لا يَجترِئُ على السحرِ إلا كافرٌ ¬ذكر آخره ابن كثير في تفسيره 1/ 206 عن الحسين به.¥.
وأما "الفتنةُ" في هذا الموضعِ، فإن معناها الاختبارُ والابتلاءُ، مِن ذلك قولُ الشاعرِ ¬نسبه المصنف في تاريخه 4/ 426 إلى الحباب بن يزيد المجاشعى عم الفرزدق. وفي الاستيعاب 1/ 412، والإصابة 2/ 29: الحتات بن يزيد، وفي الإصابة: زيد. ونسبه ابن قتيبة في معجم الشعراء ص 240، والمبرد في الكامل 3/ 29، وابن حجر في الإصابة 5/ 637، إلى ابن الغريرة -وفى الكامل: الغريزة- النهشلى، وذكر الخلاف في نسبته في أنساب الأشراف 6/ 228 فقال: وقال على بن الغدير بن المضرس الغنوى، ويقال: إهاب بن همام. . . المجاشعى. ويقال ابن الغريرة النهشلى.¥:
[وقد فُتن] ¬رواية المصنف في تاريخه: "قد سفه".¥ الناسُ في دينِهم ... وخَلَّى ابنُ عفّانَ شَرًّا طَوِيلا
ومنه يقالُ: فتَنتُ الذهبَ في النارِ -إذا امتَحنتَها لتعرِفَ جَوْدَتَها مِن رَداءتِها- أفتِنُها ¬في م، ت 1، ت 2: "أفتنه". وقوله: "أفتنها". يريد القطعة من الذهب. كقوله: "امتحنتها. . .".¥ فتنةً وفتونًا.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ}. أي: بلاءٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 103 إلى المصنف. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 192 (1012) من طريق أبي جعفر، عن قتادة.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}.
وقولُه جلَّ ثناؤُه: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا}. خبرٌ مبتدأٌ عن المتعلِّمين مِن الملَكَين ما أُنزِل عليهما، وليس بجوابٍ لقولِه: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ}. بل هو خَبرٌ مستأنفٌ، فلذلك رفِع فقيل: {فَيَتَعَلَّمُونَ}. فمعنى الكلامِ إذن: وما يعلِّمان مِن أحدٍ حتى يقولا: إنما نحنُ فتنةٌ. فيأبَون قبولَ ذلك منهما، فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.
وقد قيل: إن قولَه: {فَيَتَعَلَّمُونَ}. خبرٌ عن اليهودِ معطوفٌ على قولِه: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} - {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وجعَلوا ذلك مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
والذي قلنا أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن إلحاقَ ذلك بالذي يليه مِن الكلامِ، ما كان للتأويلِ وجهٌ صحيحٌ، أولَى مِن إلحاقِه بما قد حِيل بينه وبينه من معْترَضِ الكلامِ.
والهاءُ والميمُ والألفُ، مِن قولِه: {مِنْهُمَا}. من ذكرِ الملَكَين. ومعنى ذلك: فيتعلَّمُ الناسُ من الملَكَين الذي يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.
و {مَا} التي مع {يُفَرِّقُونَ} بمعنى الذى. وقيل: إن ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ معنى ذلك: السحرُ الذي يفرِّقون به. وقيل: هو معنًى غيرُ السحرِ. وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك فيما مضَى قبلُ ¬ينظر ما تقدم في ص 336، 337.¥.
وأما "المرءُ"؛ فإنه بمعنى رجلٍ، من أسماءِ بنى آدمَ، والأُنثى منه المرأةُ. يوحَّدُ ويثنَّى، ولا يجمعُ ثلاثتُه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ثلاثيه".¥ على صورتِه، يقالُ منه: هذا امرؤٌ صالحٌ، وهذان امرآن صالحان. ولا يقالُ: هؤلاء امرؤو صِدقٍ. ولكن يقالُ: هؤلاء رجالُ صِدقٍ، وقومُ صِدقٍ. وكذلك المرأةُ تُوحَّدُ وتُثنَّى، ولا تُجْمَعُ على صورتِها، يقالُ: هذه امرأةٌ، وهاتان امرأتان. ولا يقالُ: هؤلاء امرآتٌ. ولكن: هؤلاء نسوةٌ.
وأما "الزوجُ"، فإن أهلَ الحجازِ يقولون لامرأةِ الرجلِ: هي زوجُه. بمنزلةِ الزوجِ الذَّكرِ، ومِن ذلك قولُ الله تعالى ذكرُه: {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} [الأحزاب: 37]. وتميمٌ وكثيرٌ من قيسٍ وأهلُ نجدٍ يقولون: هي زوجتُه ¬بعده في م: "كما".¥.
قال الشاعرُ ¬هو الفرزدق، والبيت في شرح ديوانه ص 605.¥:
فإن [الذي يمشِى يُحَرِّشُ ¬حرش بينهم: أفسد وأغرى بعضهم ببعض. التاج (ح ر ش).¥] ¬في شرح الديوان: "امرأً يسعى يخبب".¥ زَوْجَتى ... كماشٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى ¬الشرى: موضع تنسب إليه الأسد، قال بعضهم: شرى موضع بعينه تأوى إليه الأسد، وقيل: هو شرى الفرات وناحيته، وبه غياض وآجام ومأسدة. اللسان (ش ر ى).¥ يَسْتبِيلُها ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "يستقيلها". والمراد يأخذ بولها في يده. اللسان (ب و ل).¥
فإن قال قائلٌ: وكيف يفرِّقُ الساحرُ بينَ المرءِ وزوجِه؟
قيل: قد دلَّلنا فيما مضَى على أن معنى السحرِ تخييلُ الشيء إلى المرءِ بخلافِ ما هو به في عَينِه وحقيقتِه، بما فيه الكفايةُ لمَن وفِّق لفهمِه ¬ينظر ما تقدم في ص 350 وما بعدها.¥. فإذ كان ذلك صحيحًا بالذي عليه استشهَدْنا، فتفريقُه بينَ المرْءِ وزوجِه، تخييلُه بسحرِه إلى كلِّ واحدٍ منهما شخصَ الآخرِ على خلافِ ما هو به في حقيقتِه مِن حسنٍ وجمالٍ، حتى يقبِّحَه عندَه، فينصرِفَ بوجهِه ويعرِضَ عنه، حتى يُحدِثَ الزوجُ لامرأتِه فِراقًا. فيكونُ الساحرُ مفرِّقًا بينَهما بإحداثِه السببَ الذي كان عنه ¬في م: "منه".¥ فُرْقَةُ ما بينَهما. وقد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا على أن العربَ تضيفُ الشيء إلى مُسبِّبِه من أجلِ تَسْبِيبِه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "تسببه".¥، وإن لم يكنْ باشرَ فعل ما حدَث عن السببِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 198، 199.¥. فكذلك تفريقُ الساحرِ بسحْرِه بينَ الزوجَين ¬في م: "المرء وزوجه".¥.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ}: وتفريقُهما أن يؤَخَّذَ ¬التأخيذ: أن تحتال المرأة بحيل في منع زوجها عن جماع غيرها وذلك نوع من السحر. اللسان (أ خ ذ).¥
كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبِه، ويُبغَّضَ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه ¬أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 193 (1015، 1016) من طريق أبي جعفر وسعيد بن بشير، عن قتادة نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 103 الى عبد حميد.¥.
وأما الذين نفَوا ¬في م: "أبوا"، وفي ت 2، ت 3: "بنوا".¥ أن يكونَ الملَكان يعلِّمان الناسَ التفريقَ يينَ المرء وزوجِه، فإنهم وجَّهوا تأويلَ قولِه: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا}. إلى: فيتعلَّمون مكانَ ما علَّماهم ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، كقولِ القائلِ: ليت لنا [من كذا، كذا وكذا] ¬في م: "كذا من كذا. أي مكان كذا".¥
كما قال الشاعرُ ¬البيتان في أمالي المرتضى 1/ 421 دون نسبة.¥:
جَمَعْتَ من الخيراتِ وَطْبًا وعُلبَةً ¬العلبة: قدح ضخم من جلود الإبل. التاج (ع ل ب).¥ ... وصَرًّا لأخْلافِ ¬الأخلاف جمع الخِلف: وهو ضرع الناقة. اللسان (خ ل ف).¥ المُزَمَّمَةِ ¬في م: "المذممة"، وفي نسختين من الأمالي: "المزهمة" والمزممة: النوق التي علقت عليها الأزمة. اللسان (ز م م).¥ البُزْلِ ¬البزل جمع بازل، ويقال ذلك للبعير إذا استكمل السنة الثامنة وطعن في التاسعة وفطر نابه. اللسان (ب ز ل).¥
ومِن كلِّ أخْلاقِ الكِرامِ نَميمةً ... وَسَعْيًا على الجارِ المُجاوِرِ بالمَحْلِ ¬في م، ت 2: "بالنجل". والمحل: المكر والكيد. اللسان (م ح ل).¥
يريدُ بقولِه: جَمَعْتَ ¬بعده في م، ت 1، ت 2: "من الخيرات"، وبعده في ت 3: "من الخبرات مكان هذه الخيرات".¥ مكانَ خيراتِ الدنيا هذه الأخلاقَ الرديئةَ والأفعالَ الدنيئةَ. ومنه قولُ الآخرِ:
صَلَدَتْ ¬صلدت الأرض: صلبت فلم تنبت شيئا. التاج (ص ل د).¥ صَفَاتُك ¬الصفاة: الصخرة الملساء. اللسان (ص ف ا).¥ أن تَلِينَ حُيُودُها ¬في ت 1، ت 3: "جلودها"، وفي ت 2: "جنودها". وجبل ذو حيود: إذا كانت له حروف ناتئة في أعراضه لا في أعاليه. التاج (ح ى د).¥ ... وَوَرِثْتَ من سَلَفِ الكِرَامِ عُقُوقا
يعنى: وَرِثتَ مكانَ سلفِ الكرامِ عُقوقًا مِن ولدِك ¬في م: "والديك".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}: وما المتعلِّمون مِن الملَكَين هاروتَ وماروتَ ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، بضارِّين بالذي تعلَّموه منهما مِن المعنى الذي يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، من أحدٍ من الناسِ، إلا من قد قضَى اللهُ عليه أن ذلك يضُرُّه، فأما مَن دفَع اللهُ عنه ضُرَّه وحفِظه مِن مكروهِ السحرِ والنَّفْثِ والرُّقى، فإن ذلك غيرُ ضارِّه ولا نائلِه أذَاه.
وللإذْنِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ منها الأمرُ على غيرِ وجهِ الإلزامِ، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ منه قولُه: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}؛ لأن اللهَ جلّ ثناؤُه قد حرَّم التفريقَ بينَ الرجلِ ¬في م: "المرء".¥ وحليلتِه بغيرِ سحرٍ -فكيف به على وجهِ السحرِ- على لسانِ الأُمةِ؟ ومنها التخليةُ بينَ المأذونِ له والمخلَّى بينَه وبينَه. ومنها العلمُ ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "العمل".¥ بالشيء، يقالُ منه: قد أذِنْتُ بهذا الأمرِ، إذا علِمتَ به، آذَنُ به إذنًا. ومنه قولُ الحطيئةِ ¬البيت ليس في ديوانه،: هو في التبيان 1/ 380.¥:
ألا يا هِنْدُ إن جَدَّدْتِ وَصْلًا ... وإلَّا فائْذنِينى بانْصِرامِ
يعنى: فأعلِمينى.
ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 279]. وهذا هو معنى الآيةِ، كأنه قال جلّ ثناؤُه: وما هم بضارين بالذي تعلَّموا مِن الملَكَين مِن أحدٍ إلا بعلمِ اللهِ. يعنى: بالذي سبَق له في علمِ اللهِ أنه يضرُّه.
كما حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ في قولِه: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}. قال: بقضاءِ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 194 (1020) من طريق ابن المبارك به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ}.
يعنى [جلَّ ثناؤُه بقولِه] ¬في م، ت 1، ت 3: "بذلك جلَّ ثناؤه".¥: {وَيَتَعَلَّمُونَ}. أي: الناسُ الذين يتعلَّمون من الملَكَين، ما أنزِل إليهما ¬في م: "عليهما".¥ من المعنى الذي يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، يتعلَّمون منهما السحرَ الذي يضرُّهم في دينِهم، ولا ينفعُهم في مَعادِهم؛ فأما في العاجلِ في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسِبون به ويُصيبون به معاشًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. الفريقَ الذين [أخبرَ عنهم أنهم] ¬سقط من، م، وفي ت 1، ت 3: "أنهم".¥ لمَّا جاءهم رسولٌ من عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما معهم، نبَذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلمون، واتَّبَعوا ما تتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ. فقال جلَّ ثناؤُه: لقد علِم النابِذون مِن يهودِ بني إسرائيل، كتابي وراءَ ظهورِهم تجاهلًا منهم، التاركون العملَ بما فيه، من اتباعِك يا محمدُ واتباعِ ما جئتَ به، بعدَ إنزالى إليك كتابي مصدِّقًا لما معهم، وبعدَ إرساليك إليهم بالإقرارِ بما معهم وما في أيديهم، المؤثِرون عليه اتباعَ السحرِ الذي تَلته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ، والذي أنزِل على الملَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ - لمن اشتَرى السحرَ بكتابي الذي أنزَلتُه على رسولي فآثرَه عليه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ}. [أي: لمَن استحبَّه] ¬سقط من: م، ت 1، ت 3.¥، {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} يقولُ: قد علِم ذلك أهلُ الكتابِ في عهدِ اللهِ إليهم؛ أن الساحرَ لا خلاقَ له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 195 (1024) من طريق يزيد به، إلى قوله: لمن استحبه. وأخرج باقيه 1/ 195 (1023، 1029) من طريق سعيد وغيره عن قتادة.¥.
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} يعنى: اليهودَ، يقولُ: قد علِمَت اليهودُ أن من تعلَّمه و ¬في م، ت 1، ت 3: "أو".¥ اختاره ما له في الآخرةِ من خلاقٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 195 (1030) من طريق عمرو بن حماد به، إلى قوله: اليهود.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ}: لمن اشتَرى ما يفرِّق به بينَ المرءِ وزوجِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 195 (1025) من طريق أبي حذيفة عن شبل عن ابن أبي نجيح من قوله.¥.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. قال: قد علِمت يهودُ أن في كتابِ اللهِ في التوراةِ، أن من اشتَرى السحرَ، وترَك دينَ اللهِ، ما له في الآخرةِ من خلاقٍ، [ومن لم يكنْ له خَلاقٌ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 3.¥، فالنارُ مثْواه ومأْواه ¬ينظر التبيان للطوسي 1/ 381.¥.
وأما قولُه: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ}. فإن "مَن" في موضعِ رفعٍ، وليس قولُه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}. بعاملٍ فيها؛ لأن قولَه: {عَلِمُوا}. بمعنى اليمينِ، فلذلك كانت "مَن" ¬سقط من: م، ت 1، ت 3.¥ في موضعِ رفعٍ؛ لأن الكلامَ بمعنى: واللهِ لَمن اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. ويكونُ ¬في م، ت 2: "لكون".¥ قولُه: {عَلِمُوا}. بمعنى اليمينِ، أُجِيبَ ¬في م: "حققت"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "خففت".¥ بلامِ اليمينِ، فقيل: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ}. كما يقالُ: أقسِمُ لَمَن قام خيرٌ ممن قعَد. وكما يقالُ: قد علمتَ لعمرٌو خيرٌ من أبيك. وأما "مَن" فهو حرفُ جَزاءٍ، وإنما قيل: اشتَراه. ولم يقلْ: يشترِه ¬في م: "يشتروه".¥؛ لدخولِ لامِ القسمِ على "مَن"، ومِن شأنِ العربِ إذا أحدَثت على حرفِ الجزاءِ لامَ القسمِ، ألا ينطِقوا في الفعلِ معه إلا بـ "فَعَل" دونَ " يفْعَل" إلا قليلًا؛ كراهةَ أن يُحدِثوا على الجزاءِ حادثًا وهو مجزومٌ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} [الحشر: 12]. وقد يجوزُ إظهارُ فعلِه بعدَه على "يفعلُ" مجزومًا، كما قال الشاعرُ ¬معانى القرآن للفراء 1/ 66 ونسبه في 2/ 131 إلى الكميت بن معروف عن الكسائي،
وهو في الخزانة 10/ 68.¥:
لَئن تكُ قد ضاقَتْ عليكم بُيوتُكمْ ... لَيَعْلَمُ ربي أنَّ بَيتىَ واسِعُ
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}؛ فقال بعضُهم: الخلاقُ في هذا الموضعِ النصيبُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. يقولُ: من نصيبٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 103 إلى المصنف، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 195 عقب الأثر (1026) معلقا.¥.
وحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. قال: من نصيبٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 195 عقب الأثر (1026) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: قال سفيانُ: سمِعنا في قولِه: {مَا ¬في الأصل، م، ت 1، ت 3: "وما".¥ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. أنه: ما له في الآخرةِ من نصيبٍ.
وقال آخرون ¬في م، ت 1، ت 3: "بعضهم".¥: الخَلاقُ هاهنا: الجِهةُ ¬في م: "الحجة".¥.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: {مَا ¬في الأصل، م، ت 1، ت 3: "وما".¥ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. قال: ليس له في الآخرةِ جهةٌ ¬في م: "حجة"، وفي تفسير عبد الرزاق: "جنة"، وفي تفسير ابن كثير 1/ 207 عن عبد الرزاق: "جهة".
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 54، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 195 (1027) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وقال آخرون: الخَلاقُ الدينُ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} قال: ليس له دينٌ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 54، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 195 (1028) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وقال آخرون: الخلاقُ هاهنا القِوامُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. قال: قِوامٌ ¬عزاه في الدر المنثور 1/ 103 إلى المصنف.¥.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ من قال: معنى الخلاقِ في هذا الموضعِ النصيبُ. وذلك أن ذلك معناه في كلامِ العربِ. ومنه قولُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَيُؤيِّدنَّ اللهُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهم" ¬حديث صحيح: أخرجه النسائي في الكبرى (8885)، وابن حبان (4517) من حديث أنس. وأخرجه أحمد 5/ 45 (الميمنية) من حديث أبى بكرة، ولفظه: "إن الله تبارك وتعالى سيؤيد. . .".¥. يعنى: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ في الإسلامِ والدينِ. ومنه قولُ أميةَ بنِ أبي الصلتِ ¬ديوانه ص 54.¥:
يَدْعون بالوَيْلِ فيها لا خلاقَ لهم ... إلا سرابيلُ مِن قِطْرٍ ¬القطر: النحاس الذائب. تاج العروس (ق ط ر).¥ وأغلالُ
يَعْني بذلك: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ إلا السرابيلُ [والأغلالُ] ¬زيادة من: م، ت 1، ت 3.¥.
فكذلك قولُه: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}: ما له في الدارِ الآخرةِ حظٌّ من الجَنةِ، من أجلِ أنه لم يكنْ له إيمانٌ ولا دينٌ ولا عملٌ صالحٌ يجازَى به الجنةَ ويثابُ عليه، فيكونَ له حظٌّ ونصيبٌ من الجنةِ. وإنما قال جلَّ ثناؤه: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. فوصَفه بأنه لا نصيبَ له في الآخرةِ، وهو يعنى به: لا نصيبَ له من جزاءٍ وثوابٍ وجنةٍ، دونَ نصيبِه من النارِ؛ إذ كان قد دلَّ بذمِّه ¬في م: "ذمه".¥ جلَّ ثناؤه أفعالَهم التي نفَى من أجلِها أن يكونَ لهم في الآخرةِ نصيبٌ، على مرادِه من الخيرِ، وأنه إنما يَعْني بذلك أنه لا نصيبَ لهم فيها من الخيراتِ، فأما من الشرورِ فإن لهم منها ¬سقط من: م.¥ فيها [أنصباءَ وأنصباءَ] ¬في م، ت 1، ت 3: "نصيبا".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)}.
قد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن معني: {شَرَوْا}: باعُوا ¬ينظر ما تقدم في ص 245.¥. فمعنى الكلامِ إذن: ولبئسَ ما باع به نفْسَه مَن تعلَّم السحرَ لو كان يعلمُ سوءَ عاقبتِه.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} يقولُ: بئس ما باعوا به أنفسَهم ¬تقدم تخريجه في ص 246.¥.
فإن قال لنا قائل: وكيف قال جلَّ ثناؤه: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. وقد قال قبلُ: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. فكيف يكونون عالِمين بأن من تعلَّم السحرَ فلا خلاقَ له ¬في م، ت 3: "لهم".¥، وهم يجهَلون أنهم بئسَ ما شرَوْا بالسحرِ أنفسَهم؟
قيل: معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي توهَّمتَه من أنهم مرصوفون [بجهلِ ما] ¬في م، ت 1، ت 3: "بالجهل بما".¥ هم موصوفون بالعلمِ به، ولكنَّ ذلك من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وإنما معنى الكلامِ: وما هم بضارِّين به من أحدٍ إلا بإذنِ اللهِ، ويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم، ولبئس ما شرَوْا به أنفسَهم لو كانوا يعلَمون، ولقد علِموا لمن اشتَراه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ. فقولُه: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. ذمٌّ من اللهِ تعالى ذكرُه فعْلَ المتعلِّمين من المَلَكَين التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه، وخبرٌ منه جلَّ ثناؤه عنهم أنهم بئس ما باعوا ¬في م: "شروا به".¥ أنفسَهم، برضاهم بالسحرِ عِوضًا من ¬في م: "عن".¥ دينِهم الذي به نجاةُ أنفسِهم من الهلكةِ، جهلًا منهم بسوء عاقبةِ فعلِهم، وخسارةِ صفقةِ بيعِهم؛ إذ كان قد يتعلَّمُ ذلك منهما من لا يعرِفُ اللهَ، ولا يعرِفُ حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه. ثم عاد إلى الفريقِ الذي أخبَر عنهم أنهم نبَذوا كتابَه وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلَمون، واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشياطِينُ على ملْكِ سليمانَ وما أُنْزِل على الملَكَينِ، فأخبَر عنهم أنهم قد علِموا أن م
ن اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من خلاقٍ، ووصَفهم بأنهم يركَبون معاصىَ اللهِ على علمٍ منهم بها، ويكفُرون باللهِ ورسلِه، ويُؤْثِرون اتباعَ الشياطينِ والعملَ بما أحدَثَتْهُ من السحرِ، على العملِ بكتابِه ووحيِه وتنزيلِه، عنادًا منهم له ¬سقط من: م، ت 1، ت 3.¥، وبغيًا على رسلِه، وتعدِّيًا منهم حُدودَه، على معرفةٍ منهم بما لِمَنْ فعَل ذلك عندَ اللهِ من العقابِ والعذابِ. فذلك تأويلُ ذلك ¬في م، ت 1، ت 3: "قوله".¥.
وقد زعَم بعضُ الزاعِمين أن قولَه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. معنىٌّ ¬في م، ت 1، ت 3: "يعنى".¥ به الشياطينُ، وأن قولَه: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} معنيٌّ ¬في م، ت 1، ت 3: "لجميع".¥ به الناسُ.
وذلك قولٌ [لقولِ جميعِ] ¬في م: "وذما لهم على نبذهم"، وفي ت 1: "وذما لهم من نبذهم".¥ أهلِ التأويلِ مخالفٌ. وذلك أنهم مُجْمِعون على أن قولَه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ}. معنىٌّ به اليهودُ دونَ الشياطينِ، ثم هو مع ذلك خلافُ ما دلَّ عليه التنزيلُ؛ لأن الآياتِ قبلَ قولِه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}. وبعدَ قولِه: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} جاءت من اللهِ بذَمِّ اليهودِ، وتوبيخِهم على ضلالِهم [ذَهابِهم عن] ¬بعده في م: "وراء ظهورهم".¥ وحىِ اللهِ وآياتِ كتابِه ¬¥، مع علمِهم بخطأِ فعلِهم، فقولُه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. أحدُ تلك الأخبارِ عنهم.
وقال بعضُهم: إن الذين وصَف اللهُ بقولِه: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فنفَى عنهم العلمَ، هم الذين وصَفهم اللهُ بقولِه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. وإنما نفَى عنهم جلّ ثناؤُه العلمَ بقولِه: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. بعدَ وصفِه إياهم بأنهم قد علِموا بقولِه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}. من أجلِ أنهم لم يعمَلوا بما علِموا، وإنما العالِمُ، العاملُ بعلمِه، فأما إذا خالَف عملُه علمَه، فهو في معانى الجهَّالِ. قالوا ¬في م: "قال".¥: وقد يقالُ للفاعلِ الفعلَ بخلافِ ما ينبغى أن يفعلَ، وإن كان بفعلِه عالِمًا: لو علِمتَ لأقصَرتَ. كما قال كعبُ بنُ زهيرٍ المزنيُّ، وهو يصِفُ ذئبًا وغُرابًا تبِعاه لينالا من طعامِه وزادِه ¬شرح ديوان كعب بن زهير ص 51.¥:
إذا حضَرانى قلتُ لو تَعْلَمانه ... ألم تَعْلَما أنى مِن الزَّادِ مُرْمِلُ ¬المرمل: الذي نفد زاده، وأصله من الرمل، كأنه لصق بالرمل. اللسان (ر م ل).¥
فأخبرَ أنه قال لهما: لو تعلَمانه. فنفَى عنهما العلمَ، ثم استخبرَهما فقال: ألم تعلَما. قالوا: فكذلك قولُه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}. و: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}.
وهذا تأويلٌ، وإن كان له مخرَجٌ ووجهٌ، فإنه خلافُ الظاهرِ المفهومِ بنفسِ الخطابِ، أعنى بقولِه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}. وقولِه {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. وإنما هو استخراجٌ. وتأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ بالخطابِ دونَ الخفيِّ الباطنِ منه -حتى تأتىَ دَلالةٌ من الوجهِ الذي يجبُ التسليمُ له، بمعنًى خلافِ دليلِه الظاهرِ المتعارَفِ في أهلِ اللسانِ الذين بلسانِهم نزَل القرآنُ- أَولى ¬سقط من: الأصل، ت 1، ت 2، ت 3.¥.