Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 108

Surah 2 : Ayah 108

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

Or would you like to question your Messenger as Moses was questioned before? Whoever exchanges faith for disbelief has indeed strayed from the sound path.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أُنْزِلَت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بنُ حُرَيْمِلَةَ ووهبُ بنُ زيدٍ لرسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ائتنا بكتابٍ تُنَزِّلُه علينا مِن السماءِ نَقْرَؤُه، وفجِّرْ لنا أنهارًا نَتَّبِعْك ونُصَدِّقْك. فأَنْزَل اللهُ [فى ذلك مِن قولِهم] ¬سقط من: الأصل.¥: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} الآية ¬سيرة ابن هشام 1/ 548، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 202 (1074) من طريق سلمة به.¥.
وقال آخرون بما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ}: وكان موسى سئِل فقيل له: {أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 203 عقب الأثر (1077) معلقا.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً، فسألت العربُ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يأْتيَهم باللهِ ¬في الأصل: "الله".¥ فيَرَوْنَه جهرةً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 203 (1077) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 107 إلى ابن المنذر.¥.
وقال آخَرون بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً، فسأَلت قريشٌ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يَجْعَلَ لهم ¬في م: "الله له".¥ الصَّفا ذهبًا، قال: "نعم، [وهو] ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "هو".¥ لكم [كالمائدةِ لبَنِى] ¬في م: "كمائدة بنى".¥ إسرائيلَ ¬بعده في م: "إن كفرتم".¥ ". فأبَوْا ورجَعوا ¬تفسير مجاهد ص 211، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 203 (1075). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 107 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألتْ قريشٌ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يَجْعَلَ لهم الصَّفَا ذهبًا، فقال: "نَعَمْ، [وهو] ¬في الأصل: "هو".¥ لكم كالمَائِدةِ لبني إسرائيل إن كفَرْتُم". فأبَوْا ورجَعوا، فأَنْزَل اللهُ: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخَرون بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العالية، قال: قال رجلٌ: [يا رسولَ اللهِ] ¬في الأصل: "لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ".¥، لو كانت كفَّاراتُنا كفَّاراتِ بني إسرائيل؟ فقال النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اللهمَّ لا نَبْغِيها، [اللهمَّ لا نبغيها] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3، وفي تفسير ابن أبي حاتم: "ثلاثا".¥، ما أعطَاكم اللهُ خيرٌ ممَّا أعطَى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيلَ إذا أصابَ ¬في م: "فعل"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "وجد".¥ أحدُهم الخَطيئةَ وجَدها مكتوبةً على بابِه وكفَّارتَها، فإن كفَّرها كانت له خِزْيًا في الدنيا، وإن لم يُكَفِّرْها كانت له خِزيًا في الآخرةِ، [وقد] ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "فقد"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: "فما".¥ أعْطاكم اللهُ خيرًا ممَّا أعْطى بني إسرائيل، قال: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا} " [النساء: 110]. قال: وقال: "الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، كَفَّاراتٌ لمَا بينَهنَّ". وقال: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَل
ْها كُتِبت له حسنةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشْرَةَ أمثالِهَا، ولا يَهْلِكُ على اللهِ إلَّا هالكٌ". فأنْزَل اللهُ: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 203 (1076) من طريق ابن أبى جعفر به. وهو مرسل.
وقوله: "الصلوات الخمس. . .". أخرجه مسلم (233) من حديث أبى هريرة.
وقوله: "من هم بحسنة فلم يعملها. . .". أخرجه مسلم (131) من حديث ابن عباس.¥.
واخْتَلف أهلُ العربيةِ في معنى "أمْ" التي في قوله: {أَمْ تُرِيدُون}.
فقال بعضُ البصريِّين: هي بمعنى الاستفهامِ، وتأويلُ الكلامِ: أتُرِيدون أن تسألوا رسولَكم؟
وقال آخَرُ ¬في م: "آخرون".¥ منهم: هي بمعنى استفهامٍ مُسْتَقْبَلٍ مُنْقَطِعٍ مِن الكلامِ، كأنك تَمِيلُ بها إلى أوَّلِه، كقولِ العربِ: إنها لإبلٌ -يا قومُ- أم شاءٌ، ولقد كان كذا وكذا أمْ حَدْسُ ¬في الأصل: "حدثت".¥ نفسى.
قال: وليس قولُه: {أَمْ تُرِيدُون} على الشكِّ، ولكنه قاله ليُقَبِّحَ له صنيعَهم. واسْتَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ الأَخْطَلِ ¬شرح ديوانه ص 385.¥:
كَذَبَتْكَ عَيْنُك أم رَأَيْتَ بوَاسِطٍ ... غَلَسَ الظَّلامِ مِن الرَّبَابِ خَيَالَا
وقال بعضُ نحويِّي الكوفيِّين ¬هو الفراء في معانى القرآن 1/ 71.¥: إن شيءتَ جعَلتَ قولَه: {أَمْ تُرِيدُون} استفهامًا مُبتدأً ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ على كلامٍ قد سبَقه، كما قال جل ثناؤه: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [السجدة: 1 - 3]. فجاءت "أمْ" وليس قبلَها استفهامٌ. فكان ذلك عندَه دليلًا على أنها استفهامٌ مبتدَأٌ على كلامٍ قد سبَقه.
وقال قائلُ هذه المقالةِ: "أم" في المعنى تكونُ ردًّا ¬في الأصل: "تدل".¥ على الاستفهامِ على جهتين: إحداهما، أن تُفَرِّقَ ¬في م: "تعرف".¥ معنى "أي"، والأُخْرَى، أن يُسْتَفْهَمَ بها، ويكونَ على جهةِ ¬في الأصل: "وجه".¥ النَّسَقِ، والذي يُنْوَى به الابتداءُ، إلَّا أنه ابتداءٌ مُتَّصلٌ بكلامٍ، فلو ابتدأتَ كلامًا ليس قبلَه كلامٌ ثم استَفْهمتَ، لم يكنْ إلَّا بالألفِ أو بـ "هل".
قال: وإن شيءتَ قلتَ في قولِه: {أَمْ تُرِيدُونَ}: قبلَه استفهامٌ فرُدَّ عليه، وهو في قولِه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي -على ما جاءتْ به الآثارُ التي ذكَرْناها عن أهلِ التأويلِ- أنه استفهامٌ مُبْتدَأٌ بمعنى: أَتُرِيدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم؟ وإنما جاز أن يَسْتَفْهِمَ القومَ بـ "أم" -وإن كانت "أم" أحدُ شروطِها أن تكونَ نَسَقًا في الاستفهامِ- لتقدُّمِ ما تقدَّمَها مِن الكلامِ؛ لأنها تكونُ استفهامًا مُبتَدأً إذا تقدَّمَها سابقٌ مِن الكلامِ، ولم يُسْمَعْ مِن العربِ استفهامٌ بها ولمَّا يتقدَّمْها كلامٌ. [ونظيرُه] ¬في الأصل: "هو ونظير"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "هو نظير".¥ قولُه جل ثناؤه: {الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}. وقد تكونُ "أم" بمعنى "بل" إذا سبَقها استفهامٌ لا تَصْلُحُ فيه "أي"، فيقولون: هل لك قِبَلَنا حقٌّ، أم أنت رجلٌ معروفٌ بالظلمِ؟ [يرادُ به: بل أنت رجلٌ مَعْروفٌ بالظُّلْمِ] ¬معانى القرآن للفراء 1/ 72، والصاحبى ص 168.¥. كما قال الشاعر ¬في النسخ: "تقولت أم القوم"، والتصويب من مصدري التخريج وما سيأتي في تفسير الآية 66 من سورة النمل.
وتغولت المرأة: تلونت. اللسان (غ و ل).¥:
فَوَاللهِ ما أَدْرِى أسَلْمَى [تَغَوَّلَتْ ... أمِ النَّوْمُ] ¬في م: "معنى".¥ أمْ كُلٌّ إلىَّ حَبِيبُ
يَعنى: بل كلٌّ إلىَّ حبيبٌ.
وقد كان بعضُهم يقولُ -مُنْكِرًا قولَ مَن زعَم أن "أم" في قولِه: {أَمْ تُرِيدُونَ} استِفهامٌ مُستقبَلٌ مُنقطِعٌ مِن الكلامِ، يَمِيلُ بها إلى أوَّلِه-: إن الأولَ خبرٌ، والثانىَ استفهامٌ، والاستفهامُ لا يكونُ في الخبرِ، والخبرُ لا يكونُ في الاستفهامِ، ولكن أدرَكه الشكُّ -بزَعمِه- بعدَ مُضِىِّ الخبرِ، فاسْتَفْهَمَ.
فإذ كان بمعنى ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ "أم" ما وصَفْنا، فتأويلُ الكلامِ: أتُريدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم مِن الأشياءِ نظيرَ ما سأَل قومُ موسى موسى ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فى مسألتكم".¥ مِن قبلِكم، فتَكْفُروا إن مُنِعْتُموه، بمسألَتِكم ¬¥ ما لا يجوزُ في حكمةِ اللهِ إعطاؤُكُموه، أو تَهْلِكوا إن كان ممَّا يجوزُ في حكمتِه ¬في ت 1، ت 3: "حكمه".¥ إعطاؤُكُموه، فأعْطاكُموه، ثم كفَرتُم مِن بعدِ ذلك، كما هلَك مَن كان قبلَكم مِن الأممِ التي سألت أنبياءَها ما لم يكنْ لها مسألتُها إيَّاهم، فلمَّا أُعْطِيَتْ كفَرَت، فعُوجِلَت بالعقوباتِ لكفرِها بعدَ إعطاءِ اللهِ إيَّاها سُؤْلَها.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ}: ومَن يَسْتَبْدِلْ، {الْكُفْرَ}، ويعنى بالكفرِ الجحودَ باللهِ وبآياتِه، {بِالْإِيمَانِ}، يعنى بالتصديقِ باللهِ وبآياتِه والإقرارِ به.
وقد قيل: عَنى بالكفرِ في هذا الموضعِ الشدَّةَ، وبالإيمانِ الرخاءَ.
ولا أعرِفُ الشدةَ في معانى الكفرِ، ولا الرخاءَ في معنى الإيمانِ، إلَّا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد -بتأويلِه الكفرَ بمعنى الشدَّةِ في هذا الموضعِ، وبتأويلِه الإيمانَ في معنى الرخاءِ- ما أعَدَّ اللهُ للكفارِ في الآخرةِ مِن الشدائدِ، وما أعَدَّ اللهُ لأهلِ الإيمانِ فيها مِن النعمِ ¬في م، ت 2: "النعيم".¥، فيكونُ ذلك وجهًا وإن كان بعيدًا مِن المفهومِ بظاهرِ الخطابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، عن أبي العالية: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ}. يقولُ: يَتَبَدَّلِ الشدَّةَ بالرخاءِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 204 (1078) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ¬بعده في الأصل، م، ت 3: "ابن".¥ أبى جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية بمثلِه.
وفى قولِه: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}. دليلٌ واضحٌ على صحةِ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ ما قلنا مِن أن هذه الآياتِ مِن قولِه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. خطابٌ مِن اللهِ المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وعتابٌ منه لهم على أمرٍ سلَف منهم، ممَّا سُرَّ به اليهودُ، وكرِهه رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لهم، فكرِهه اللهُ لهم، فعاتَبهم ¬في الأصل: "فعاقبهم".¥ على ذلك، وأعْلَمَهم أن اليهودَ أهلُ غِشٍّ لهم، وحسَدٍ وبَغْىٍ، وأنهم يتمنَّوْن لهم المكارِهَ، ويَبْغُونهم الغوائلَ، ونهاهم أن يَنْتَصِحوهم، وأخبرَهم أن مَن ارتدَّ منهم عن دينِه فاسْتَبْدَل بإيمانِه [باللهِ وبرسولِه] ¬سقط من: م، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "بالله".¥ كُفرًا، فقد أخْطَأ قصدَ السبيلِ.

القولُ في تأويلِ قولِه: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)}
أمَّا قولُه: {فَقَدْ ضَلَّ}. فإنه يعنى به: ذهَب وجارَ ¬في م، ت 1، ت 2: "حاد".¥. وأصلُ الضلالِ عن الشيء: الذهابُ عنه والجورُ ¬في م: "الحيد".¥، ثم يُسْتَعْمَلُ في الشيء الهالكِ والشيء الذي لا يُؤْبَهُ له، كقولِهم للرجلِ الخاملِ الذي لا ذِكْرَ له ولا نباهةَ: ضُلُّ بنُ ضُلٍّ، وقُلُّ بن قُلٍّ. وكقولِ الأخطلِ في الشيء الهالكِ ¬شرح ديوانه ص 392.¥:
كُنْتَ القَذَى في مَوْجِ أَكْدَرَ ¬في م: "أكبر".¥ مُزْبِدٍ ... قَذَفَ الأَتِىُّ ¬الأتى: السيل لا يدرى من أين أتى. اللسان (أ ت ى).¥ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا
يعنى: هلَك فذهَب.
والذي عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}: فقد ذهَب عن سواءِ السبيلِ وجارَ عنه.
وأمَّا تأويلُ قولِه: {سَوَاءَ السَّبِيلِ}. فإنه يعنى بالسواءِ القصدَ والمَنْهَجَ. وأصلُ السواءِ الوَسَطُ. ذُكِر عن عيسى بنِ عُمرَ النحوىِّ أنه قال: مازِلْتُ أكتُبُ حتى انْقَطعَ سَوَائى. يعنى: وَسَطى. وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ ¬البيت في الأضداد ص 42، ومجاز القرآن 1/ 157. وسيأتي البيت في تفسير الآية 58 من سورة الأنفال.¥:
يا وَيْحَ أنْصَارِ النَّبيّ ونَسْلِهِ ... بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَوَاءِ المُلْحَدِ
يعنى بالسواءِ: الوسَطَ. والعربُ تقولُ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "هو".¥: في سواءِ الليلِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "السبيل".¥. يعنى: في مُسْتَوى الليْلِ ¬¥. وسواءُ الأرضِ مستواها عندَهم.
وأمَّا "السبيل"، فإنها الطريقُ المسبولُ، صُرِف مِن مسبولٍ إلى سبيلٍ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: ومَن يَسْتَبْدِلْ بالإيمانِ باللهِ وبرسولِه الكفرَ، فيَرْتَدَّ عن دينِه، فقد جار عن منهجِ الطريقِ ووسَطِه الواضحِ المسبولِ.
وهذا القولُ ظاهرُه الخبرُ عن زوالِ المُسْتبدِل بالإيمانِ الكفرَ عن الطريقِ، والمعنىُّ به الخبرُ عنه أنه قد ترَك دينَ اللهِ الذي ارْتَضَاه لعبادِه، وجعَله لهم طريقًا يَسْلُكونه إلى رضاه، وسبيلًا ¬في ت 1، ت 2، ت 3: "سبلا".¥ يَرْكَبونها إلى محبَّتِه والفوزِ بجِنانِه. فجعَل جلَّ ثناؤه الطريقَ -الذي إذا ركِب مَحَجَّتَه السائرُ فيه، ولزِم وَسَطَه المجتازُ فيه، نجا وبلَغ حاجتَه، وأدرك طَلِبَتَه- لدِينِه الذي دعا إليه عبادَه مَثَلًا لإدراكِهم -بلزومِه واتِّباعِه- إدْراكَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إدراكهم".¥ طَلِباتِهم في آخرتِهم، كالذي يُدْرِكُ اللازمُ محجَّةَ السبيلِ -بلزومِه إيَّاها- طَلِبَتَه مِن النجاةِ منها، والوصولِ إلى الموضعِ الذي أمَّه وقصَده. وجعَل مثَلَ الجائرِ ¬في م: "الحائد".¥ عن دِينِه، والحائدِ عن اتِّباعِ ما دعا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "دعاه".¥ إليه مِن عبادِه ¬في م: "عبادته".¥ في خَيْبَتِه ¬في م: "حياته".¥ ما رجا أن يُدْرِكَه بعمَلِه في آخرتِه، وينالَ به في مَعَادِه وذهابِه، عمَّا أمَّل مِن ثوابِ عملِه، وبُعْدِه به مِن ربِّه -مثلَ الجائرِ (3) عن منهجِ الطريقِ، وقصدِ السبيلِ، الذي لا يزدادُ وُغُولًا في الو
جهِ الذي سلَكه، إلَّا ازدادَ مِن موضعِ حاجتِه بُعْدًا، وعن المكانِ الذي أمَّه وأرادَه نَأيًا.
وهذه السبيلُ التي أخبَرَ اللهُ عنها، أن مَن يَتَبَدَّلِ الكفرَ بالإيمانِ فقد ضلَّ سَواءها، هو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "هى".¥ الصراطُ المستقيمُ، الذي أُمِرْنا بمسألتِه الهدايةَ ¬في م: "نفسه".¥ له بقولِه: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}.

Tafsir in other languages · 6