Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 121

Surah 2 : Ayah 121

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ

Those to whom We have given the Book recite it as it should be recited, it is they who believe in it. As for those who disbelieve in it, it is they who are the losers.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}.
اختلف أهلُ التأويلِ في الذين عناهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}؛ فقال بعضُهم؛ هم المؤمنون برسولِ اللهِ وبما جاء به من أصحابِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}: هؤلاء أصحابُ نبىِّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، آمَنوا بكتابِ اللهِ وصدَّقُوا به ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 218 (1161) من طريق شيبان، عن قتادة بنحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 111 إلى المصنف وعبد بن حميد عن قتادة بنحوه، وفيه زيادة.¥.
وقال آخرون: بل عَنَى اللهُ بذلك علماءَ بني إسرائيلَ الذين آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسلَه، فأقرُّوا بحكمِ التوراةِ، فعمِلوا بما أمَرهم اللهُ فيها من اتباعِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، والإيمانِ به، والتصديقِ بما جاء به من عندِ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}. [قال: مَن آمَن برسولِ اللهِ من بني إسرائيلَ وبالتوراةِ. وقرَأ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} قال: مَن كفر بالنَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من يهودَ، فأولئك هم الخاسرون ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 235.¥.
وهذا القولُ أولى بالصوابِ من القولِ الذي قاله قتادةُ؛ لأن الآياتِ قبلَها مضَت بأخبارِ أهلِ الكتابَيْن، وتبديلِ مَن بدَّل منهم كتابَ اللهِ، وتأوُّلِهم إيَّاه على غيرِ تأويلِه، وادِّعائِهم على اللهِ الأباطيلَ، ولم يَجْرِ لأصحابِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الآيةِ التي قبلَها ذكْرٌ، فيكونَ قولُه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}. موجَّهًا إلى الخبرِ عنهم، ولا لهم بعدَها ذكرٌ في الآيةِ التي تَتْلُوها، فيكونَ مُوَجَّهًا ذلك إلى أنه خبرٌ مبتدأٌ عن قَصَصِ أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعدَ انقضاءِ قَصَصِ غيرِهما، ولا جاء بأن ذلك خبرٌ عنهم أثَرٌ يَجِبُ التسليمُ له.
فإذْ كان ذلك كذلك، فالذي هو أوْلَى بمعنى الآيةِ أن يكونَ موجَّهًا إلى أنه خبرٌ عمن قصَّ اللهُ نبأَه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "جل ثناؤه".¥ في الآيةِ قبلَها والآيةِ بعدَها، وهم أهلُ الكتابيْن؛ التوراةِ والإنجيلِ. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: الذين آتيْناهم الكتابَ الذي قد عرَفته يا محمدُ، وهو التوراةُ، فقرءُوه واتَّبَعوا ما فيه، فصدَّقوك وآمَنوا بك، وبما جئتَ به مِن عندي، فأولئك يتلونه حقَّ تلاوتِه. وإنما أُدخلت الألفُ واللامُ في {الْكِتَابَ} لأنه معرفةٌ، قد كان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصحابُه عرَفوا أي الكتبِ عَنَى به.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}.
اخْتَلف أهلُ التأْويلِ في تأويلِ قولِ اللهِ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يتَّبعونه حقَّ اتِّباعِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ وعبدُ الأعلى، وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِىٍّ، جميعًا عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّبَاعِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 218 (1159)، وابن المقرئ في معجمه (105) من طريق داود به. وزاد ابن أبي حاتم: ثم قرأ: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} يقول: اتبعها. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 111 إلى ابن المنذر والهروى في فضائله.¥.
وحدَّثني ابنُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3. وينظر تهذيب الكمال 26/ 359.¥ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: حدَّثنا داودُ، عن عكرمةَ بمثلِه ¬ينظر ما سيأتي في ص 492.¥.
وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عكرمةَ مثلَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 218 (1157) من طريق عمرو بن محمد العنقزى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 111 إلى ابن المنذر.¥.
وحدَّثني الحسينُ بنُ عمرٍو العَنْقَزىُّ، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يُحِلُّون حلالَه، ويُحَرِّمون حرامَه، ولا يُحَرِّفونه ¬أخرجه الحاكم 2/ 266 من طريق عمرو بن حماد به. وقال: صحيح الإسناد.¥.
وحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: قال أبو مالكٍ: إن ابنَ عباسٍ قال في: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. فذكَر مثلَه، إلَّا أنه قال: ولا يُحَرِّفونه عن مواضعِه ¬¥.
وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا المُؤَمَّلُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا زُبَيدٌ ¬في م: "يزيد"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "زيد". وينظر تهذيب الكمال 9/ 289.¥، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 236 عن سفيان.¥.
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبي العالية، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: والذي نفسى بيدِه، إن حَقَّ تلاوتِه أن يُحِلَّ حلالَه، ويُحَرِّمَ حرامَه، ويَقْرَأَه كما أنزَلَه اللهُ، ولا يُحَرِّفَ الكَلِمَ عن مواضعِه، ولا يَتَأَوَّلَ منه شيئًا على غيرِ تأويلِه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 235 عن أبي العالية.¥.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ومنصورِ بنِ المُعْتَمِرِ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}: أن يُحَلَّ حلالُه، ويُحَرَّمَ حرامُه، ولا يُحَرَّفَ ¬في م: "يحرفه".¥ عن مواضعِه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 56، 57. وقتادة ومنصور لم يدركا ابن مسعود.¥.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدَّثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه ¬ينظر فضائل القرآن لأبى عبيد ص 61.¥.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبادُ بنُ العَوَّامِ، عن الحجَّاجِ، عن عطاءٍ مثلَه ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 218 عقب الأثر (1159) معلقا.¥.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ في قوله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه ¬تفسير الثورى ص 48.¥.
وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا المُؤمَّلُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدىُّ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الأزدى".¥، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيانَ، قالوا جميعًا: عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ مثلَه.
وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: عمَلًا به.
وحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، [عن مجاهدٍ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه، ألم تَرَ إلى قولِه: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} [الشمس: 2]؟ يعنى الشمسَ إذا اتَّبعها ¬في م: "تبعها".¥ القمرُ ¬أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 62 عن هشيم به.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المُباركِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ وقيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يعمَلون به حقَّ عمَلِه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مجاهدٍ، قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتِّباعِه.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}: يعمَلون به حَقَّ عملِه ¬تفسير مجاهد ص 212، 213، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (211 - تفسير) من طريق خصيف عن مجاهد.¥.
وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ في قولِه: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتباعِه.
وحدَّثني عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو قُتيبةَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أبى جعفرٍ، عن ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أبى". وينظر تهذيب الكمال 3/ 457.¥ أيوبَ، عن أبى الخليلِ، عن مجاهدٍ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتباعِه.
وحدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا يحيى القَطَّانُ، عن عبدِ الملِكِ، عن عطاءٍ قولَه: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتباعِه، يعمَلون به حقَّ عمَلِه ¬تقدم من وجه آخر عن عطاء في ص 489.¥.
وحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكِيعٍ، قال: حدَّثني أبى، عن المُباركِ، عن الحسنِ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يعمَلون بمحكمِه، ويؤمنون بمتشابِهه، ويَكِلُون ما أَشْكَل عليهم إلى عالمِه ¬أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور 1/ 111 - ، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 218 (1158).¥.
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} قال: أحَلُّوا حلالَه، وحرَّموا حرامَه، وعمِلوا بما فيه. ذُكِر ¬في ت 2: "قيل".¥ لنا أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: إن حقَّ تلاوتِه أن يُحَلَّ حلالُه، ويُحَرَّمَ حرامُه، وأن يُقْرَأَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يقرأه".¥ كما أنزَلَه اللهُ، ولا يُحَرَّفَ ¬في م: "يحرفه".¥ عن مواضعِه ¬ينظر ما تقدم في ص 486، 489.¥.
حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا الحكَمُ بنُ عَطِيَّةَ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يتَّبِعونه حقَّ اتِّباعِه ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "قال اتباعه".¥، يحِلُّون حلالَه، ويحرِّمون حرامَه، ويقرءونه كما أُنْزِل.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبرنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن داودَ، عن عكرمةَ: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه، أمَا سمِعتَ قولَ اللهِ: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} [الشمس: 2]. قال: إذا اتَّبَعها ¬في م، ت 1، ت 3: "تبعها"، وفي ت 2: "تبعتها".
والأثر أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 61 عن هشيم به. وأخرجه في غريب الحديث 4/ 173 عن عباد بن العوام عن داود به. وينظر ما تقدم في ص 488.¥.
وقال آخَرون: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}: يَقْرَءونه حقَّ قراءتِه.
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك أنه بمعنى: يَتَّبِعونه حَقَّ اتباعِه. مِن قولِ القائلِ: ما زلتُ أَتلو أثرَه. إذا اتَّبَع أثرَه؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه. وإذ كان ذلك تأويلَه، فمعنى الكلامِ: الذين آتيناهم الكتابَ يا محمدُ، مِن أهلِ التوراةِ الذين آمنوا بك، وبما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندي - يَتَّبِعون كتابي الذي أنزلْتُ على رسولي موسى صلواتُ اللهِ عليه، فيؤمِنون به، ويقِرُّون بما فيه مِن نعتِك وصفتِك، وأنك رسولي، فَرْضٌ عليهم طاعتي في الإيمانِ بك، والتصديقِ بما جئتَهم به مِن عندي، ويَعمَلون بما أحْلَلتُ لهم، ويتَجنَّبون ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يجتنبون".¥ ما حرَّمتُ عليهم فيه، ولا يُحَرِّفونه عن مواضِعِه، ولا يُبَدِّلونه، ولا يُغَيِّرونه عمَّا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "كما".¥ أنزلتُه عليهم، بتأويلٍ ولا غيرِه.
وقولُه: {حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. مبالغةٌ في صفةِ اتِّباعِهم الكتابَ، ولزومِهم العملَ به، كما يقالُ: إن فلانًا لعالمٌ حَقُّ عالمٍ. وكما يقالُ: إن فلانًا لفاضلٌ كلُّ فاضلٍ.
وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في إضافةِ "حقّ" إلى المعرفةِ؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: غيرُ جائزةٍ إضافتُه إلى معرفةٍ؛ لأنه بمعنى "أي"، وبمعنى قولِك: أفضلُ رجلٍ. قال ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فلان".¥: و "أَفْعَلُ" لا يُضافُ إلى واحدٍ معرفةٍ، لأنه مُبَعَّضٌ، ولا يكونُ الواحدُ [المعرفةُ مبعَّضًا] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "المبعض معرفة".¥. فأحالوا أن يقالَ: مرَرتُ بالرجُلِ حقَّ الرجُلِ، ومرَرتُ بالرجُلِ جِدَّ الرجُلِ. كما أحالوا: مرَرتُ بالرجُلِ أي الرجُلِ. وأجازوا ذلك في: كلّ الرجلِ، وعين ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "غير".¥ الرجلِ، ونفس الرجلِ. وقالوا: إنما أجَزْنا ذلك لأن هذه الحروفَ كانتْ في الأصلِ تواكيدَ، فلمَّا صِرْنَ مُدُوحًا تُرِكْنَ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "مدوحا".¥ على أصولِهنَّ في المعرفةِ.
وزعَموا أن قولَه: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. إنما جازت إضافتُه إلى "التلاوةِ" وهي مضافةٌ إلى معرفةٍ، لأن العربَ تعتدُّ بالهاءِ إذا عادت [بالنكرةِ نكرةً] ¬في م:"إلى نكرة بالنكرة".¥، فيقولون: مرَرتُ برجلٍ واحدِ أُمِّه، ونَسِيجِ وَحْدِه، وسيِّدِ قومِه. قالوا: فكذلك قولُه: {حَقَّ تِلَاوَتِهِ}. إنما جازت إضافةُ "حقّ" إلى "التلاوةِ" وهي مضافةٌ إلى الهاءِ؛ لاعتدادِ العربِ بالهاءِ التي في نظائرِها في عِدَادِ النكِراتِ. قالوا: ولو كان تأويلُ ¬سقط من: م.¥ ذلك: حقَّ التلاوةِ. لوجَب أن يكونَ جائزًا: مرَرتُ بالرجُلِ حَقَّ الرجُلِ. فعلى هذا القولِ تأويلُ الكلامِ: الذين آتَيْناهم الكتابَ يَتْلونه حَقَّ تلاوةٍ.
وقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: جائزةٌ إضافةُ "حقّ" إلى النكِراتِ مع النكراتِ، ومع المعارفِ إلى المعارفِ، وإنما ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: مرَرتُ بالرجُلِ غُلامِ الرجُلِ، وبرجُلٍ غُلامِ رجلٍ. فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: الذين آتيناهم الكتابَ يتلُونه حقَّ التلاوةِ ¬في م، ت 2، ت 3: "تلاوته".¥.
وأَوْلَى ذلك بالصوابِ عندَنا القولُ الأولُ؛ لأن معنى قولِه: {حَقَّ تِلَاوَتِهِ}: أي تلاوةٍ، بمعنى مَدْحِ التلاوةِ التي تلَوْها وتفضيلِها، و "أي" غيرُ جائزةٍ إضافتُها إلى واحدٍ معرفةٍ عندَ جميعِهم، فكذلك "حقّ" غيرُ جائزةٍ إضافتُها إلى واحدٍ معرفةٍ، وإنما أُضِيف في قولِه: {حَقَّ تِلَاوَتِهِ} إلى ما فيه الهاءُ؛ لِماَ وصفتُ مِن العلَّةِ التي تقدَّمَ بيانُناها.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {أُولَئِكَ}: هؤلاء الذين أخْبَر عنهم أنهم يَتْلون ما آتاهم مِن الكتابِ حقَّ تلاوتِه.
وأمَّا قولُه: {يُؤْمِنُونَ بِهِ}. فإنه يعنى: يُصَدِّقون به. والهاءُ التي في قولِه: {بِهِ} عائدةٌ على الهاءِ التي في {تِلَاوَتِهِ}. وهما جميعًا مِن ذكْرِ الكتابِ الذي قال اللهُ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}. فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن المؤمنَ بالتوراةِ هو المُتَّبِعُ ما فيها مِن حلالِها وحرامِها، والعاملُ بما فيها مِن فرائضِ اللهِ التي فرَضها فيها على أهلِها، وأن أهلَها الذين هم أهلُها مَن كان ذلك صفتَه دونَ مَن كان مُحَرِّفًا لها، مُبَدِّلًا تأويلَها، مُغَيِّرًا سُنَنَها، تاركًا ما فرَض اللهُ فيها عليه.
وإنما وصَف جلَّ ثناؤُه مَن وصَف بما وصَف به مِن مُتَّبِعى التوراةِ، فأَثْنَى عليهم بما أَثْنَى به عليهم؛ لأن في اتباعِها اتباعَ محمدٍ نبيِّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتصديقَه؛ لأن التوراةَ تَأمُرُ أهلَها بذلك، وتُخْبِرُهم عن اللهِ تعالى ذكرُه بنُبُوَّتِه وفرْضِ طاعتِه على جميعِ خلْقِ اللهِ مِن بنى آدمَ، وأن في التكذيبِ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- التكذيبَ بها ¬في م: "لها".¥، فأخبَر جلَّ ثناؤُه أن مُتَّبِعى التوراةِ هم المؤمنونَ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وهم العاملون بما فيها.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}. قال: مَن آمن برسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن بني إسرائيل وبالتوراةِ، وأن الكافرَ بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو الكافرُ بها الخاسرُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)}
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ}: ومَن يَكْفُرْ بالكتابِ الذي أخبَرَ أنه يَتْلُوه مَن آتاه مِن المؤمنين حَقَّ تلاوتِه.
ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {يَكْفُرْ}: يَجْحَدْ ما فيه مِن فرائضِ اللهِ ونُبُوَّةِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتصديقِه، ويُبَدِّلْه فيُحَرِّفْ تأويلَه، أولئك هم الذين خسِروا علْمَهم وعمَلَهم، فبَخَسوا أنفسَهم حُظوظَها مِن رحمةِ اللهِ، واسْتَبْدَلوا بها سَخَطَ اللهِ وغضَبَه.
وقال ابنُ زيدٍ في ذلك ¬في م: "قوله".¥ بما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}. قال: مَن كفَر بالنبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن يهودَ، فأولئك هم الخاسرون.

Tafsir in other languages · 6