Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 124

Surah 2 : Ayah 124

وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ

And [remember] when Abraham was tested by his Lord with certain words, which he fulfilled[51]. Allah said, “I will make you a leader for mankind.” He said, “And from among my descendants?” Allah said, “My covenant does not include the wrongdoers.”

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى}: وإذ اخْتَبَر. يقالُ منه: ابْتَلَيتُ فلانًا أَبْتَلِيه ابتلاءً. ومنه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} [النساء: 6]. يعنى به: اخْتَبِرُوهم. وكان اختبارُ اللهِ تعالى ذكرُه إبراهيمَ اختبارًا بفرائضَ فرَضها عليه، وأمرٍ أمَره به، وذلك هو الكلماتُ التي أوحاهنَّ إليه فكلَّفه العمَلَ بهنَّ، امتحانًا منه له واختبارًا.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الكلماتِ التي ابْتَلى اللهُ بها إبراهيمَ خليلَه، صلواتُ الله عليه، فقال بعضُهم: هي شرائعُ الإسلامِ، وهي ثلاثون سهمًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: قال ابنُ عباسٍ: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدِّينِ فأقامه إلَّا إبراهيمُ؛ ابتلاه اللهُ بكلماتٍ فأتمهنَّ، قال: فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37]. قال: عَشْرٌ منها في "الأحزابِ"، وعشْرٌ منها في "براءةَ"، وعشرٌ منها في "المؤمنين"، و "سأل سائل". وقال: إن هذا الإسلامَ ثلاثون سهمًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 279، وأخرجه ابن أبى شيبة 11/ 522، وابن عساكر في تاريخه 6/ 194 من طريق عبد الأعلى به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 220 (1166)، والحاكم 2/ 470، 552 من طريق داود به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 111 إلى ابن مردويه.¥.
وحدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ الواسطيّ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحَّانُ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما ابتُلى أحدٌ بهذا الدِّينِ فقام به كلِّه غيرُ إبراهيمَ، ابْتُلى بالإسلامِ فأتمَّه، فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}. فذكَر عشرًا في "براءةَ"، فقال: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} [التوبة: 112]. وعشرًا في "الأحزابِ": {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35]، وعشرًا في سورةِ "المؤمنين"، إلى قولِه: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ ¬في الأصل، ت 1: "صلاتهم". وهما قراءتان، وسنذكر تخريجهما في موضعه من التفسير.¥ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:1 - 9]، وعشرًا في "سأل سائل": {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 279.¥ [المعارج: 22 - 34].
وحدَّثنا عبدُ ¬في م: "عبيد". وينظر تاريخ بغداد 9/ 371، والثقات لابن حبان 8/ 366.¥ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه ¬في م: "شبرمة". وينظر المصدر السابق.¥، قال: ثنا علىُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مُصْعَبٍ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتَلى اللهُ بهذا الدِّينِ أحدًا فأقامه إلَّا إبراهيمَ، قال اللهُ: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}. فكتب اللهُ له براءةً مِن النارِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 280.¥.
وقال آخَرون: هي خِصالٌ عَشْرٌ مِن سُنَنِ الإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: ابتلاه اللهُ بالطَّهارةِ؛ خمسٌ في الرأسِ، وخمسٌ في الجسدِ، في الرأسِ قصُّ الشاربِ، والمَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرأسِ، وفي الجسدِ تقليمُ الأظفارِ، وحلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإبطِ، وغَسْلُ أَثَرِ الغائطِ والبولِ بالماءِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 57، ومن طريقه الحاكم 2/ 266 - وسقط منه أول الإسناد- والبيهقي 1/ 149.
وأخرجه المصنف في تاريخه 1/ 280، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 219 (1165) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 111 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحَكَمِ بنِ أبانٍ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه، ولم يَذْكُرْ أَثَرَ البولِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 57، وأخرجه المصنف في تاريخه 1/ 280.¥.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} قال: ابتَلاه؛ أمَره ¬سقط من: م.¥ بالخِتَانِ، وحلْقِ العانةِ، وغسْلِ القُبُلِ والدُّبُرِ، والسواكِ، وقصِّ الشاربِ، وتقليمِ الأظفارِ، ونتْفِ الإبطِ. قال أبو هلالٍ: ونسِيتُ خَصْلةً ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 280.¥.
وحُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن مَطَرٍ، عن أبى الجَلْدِ، قال: ابْتُلِى إبراهيمُ بعشَرةِ أشياءَ، هنَّ في الإنسانِ سُنَّةٌ؛ الاستنشاقُ، وقصُّ الشاربِ، والسواكُ، ونتْفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظفارِ، وغسْلُ البراجِمِ ¬البراجم: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة بُرْجُمة. النهاية 1/ 113.¥، والخِتَانُ، وحلْقُ العانةِ، وغسْلُ الدُّبُرِ والفرجِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 280، 281: حدَّثني عبدان المروزى، ثنا عمار بن الحسن به.¥.
وقال بعضُهم: بل الكلماتُ التي ابْتُلِى بهنَّ عشْرُ خِلالٍ، بعضُهنَّ في تطهيرِ الجسدِ، وبعضُهنَّ في مناسكِ الحجِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن ابنِ هُبَيْرَةَ، عن حَنَشٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}. قال: ستَّةٌ في الإنسانِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ فالتي في الإنسانِ؛ حلْقُ العانةِ، والختانُ، ونتفُ الإبطَيْن ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الإبط".¥، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربِ، والغُسلُ يومَ الجمعةِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ الطوافُ، والسعىُ بينَ الصَّفا والمروةِ، ورمىُ الجِمارِ، والإفاضةُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 281، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 220 (1168) من طريق ابن لهيعة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 111 إلى ابن المنذر.¥.
وقال آخَرون: بل ذلك: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، و ¬في م: "في".¥ مناسكُ الحجِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}: فمنهنَّ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، وآياتُ النُّسُكِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 281، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 6/ 194 من طريق ابن إدريس به.¥
وحدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ مولى أُمِّ هانئ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: منهنَّ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، ومنهنَّ آياتُ النسكِ، و: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} ¬¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}. قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: إنى مُبْتَلِيك بأمرٍ، فما هو؟ قال: تَجْعَلُنِى للناسِ إمامًا؟ قال: نعم. قال: ومِن ذُرِّيَّتِى؟ قال: لا يَنالُ عهدى الظالمين. قال. تَجْعَلُ البيتَ مثابةً للناسِ؟ قال: نعم. وأَمْنًا؟ قال: نعم. وتَجْعَلُنا مُسْلِمَين لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أمةً مسلمةً لك؟ قال: نعم. وتُرِينا مناسكَنا وتَتُوبُ علينا؟ قال: نعم. قال: وتَجْعَلُ هذا البلدَ آمِنًا؟ قال: نعم. قال: تَرْزُقُ أهلَه مِن الثمراتِ مَن آمَن ¬بعده في م: "منهم".¥؟ قال: نعم ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 282، وهو في تفسير مجاهد ص 213، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 221 (1171).¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ نحوَه.
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، أخبرَه به عن عكرمةَ، قال: فعرَضتُه على مجاهدٍ فلم يُنْكِرْه ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 282.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه. قال ابنُ جُرَيْجٍ: فاجتمَع على هذا القولِ مجاهدٌ وعكرمةُ جميعًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 282.¥.
وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني أبى، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} قال: ابْتُلِىَ بالآياتِ التي بعدَها: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 282، وأخرجه ابن أبى شيبة 11/ 521 عن وكيع به.¥.
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}: فالكلماتُ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} وقولُه: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}. وقولُه: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}. وقولُه: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} الآية. وقولُه: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ} الآية. قال: فذلك كلُّه ¬في م: "كلمة".¥ مِن الكلماتِ التي ابْتُلِىَ بهنَّ إبراهيمُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 283.¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}: فمنهنَّ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}، ومنهنَّ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ}، ومنهنَّ الآياتُ في شأنِ المَنسَكِ، والمقامُ الذي جُعِل لإبراهيمَ، والرزقُ الذي رُزِق ساكنو البيتِ، ومحمدٌ بُعِث ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ في ذُرِّيَّتِهما صلى اللهُ عليهم (2).
وقال آخَرون: بل ذلك مناسكُ الحَجِّ خاصَّةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ نَبْهانَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: مناسكُ الحجِّ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 283، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 6/ 195 من طريق شيبان، عن قتادة به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 112 إلى عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم.¥.
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: هي المناسكُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 284.¥.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ابتلاه بالمناسكِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 284، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 221 (1169) عن الحسن بن يحيى به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 6/ 193 من طريق محمد بن حماد الطهرانى عن عبد الرزاق به.¥.
وحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، قال: بلغَنا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: إن الكلماتِ التي ابْتُلِى بها إبراهيمُ، المناسكُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 284.¥.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التميمي، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: مناسكُ الحجِّ (1).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانىُّ ¬في حاشية الأصل: "الحمانى كذا وقع في الأم، وهو .. المثنى وعصره إلا أن طاهر. . . عنه على معنى. . . والله أعلم". وينظر ترجمة الحمانى في تهذيب الكمال 31/ 419.¥، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التميمي، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: منهنَّ مناسكُ الحجِّ (1).
وقال آخَرون: هي أمورٌ، منهن الخِتانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، عن يونسَ بنِ أبى إسحاقَ، عن الشَّعْبىِّ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: منهن الخِتانُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 284، وأخرجه ابن أبى شيبة 11/ 521 عن وكيع عن يونس به.¥.
وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ يقولُ. فذكَر مثلَه ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 284.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ -وسألَه أبو إسحاقَ عن قولِ اللهِ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} - قال: منهن الختانُ يا أبا إسحاقَ ¬في الأصل: "بالكواكب".¥.
وقال آخَرون: بل ذلك الخلالُ الستُّ؛ الكوكبُ، والقمرُ، والشمسُ، والنارُ، والهجرةُ، والختانُ، التي ابْتُلِى بهنَّ فصبَر عليهنَّ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: قلتُ للحسنِ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}؟ قال: ابتلاه بالكوكبِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 285، وابن عساكر في تاريخه 6/ 193 من طريق يعقوب به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 221 (1170) من طريق ابن علية به.¥ فرضِى عنه، وابتلاه بالقمرِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالشمسِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالنارِ فرضِى عنه، وابتلاه بالهجرةِ، وابتلاه بالختانِ ¬في م: "ابتلاه".¥.
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: أي واللهِ، لابتلاه ¬¥ بأمرٍ فصبَر عليه، ابتلاه بالكوكبِ ¬¥، والشمسِ، والقمرِ، فأحسَنَ في ذلك، وعرَف أن ربَّه دائمٌ لا يَزولُ، فوجَّه وجهَه للذى فطَر السماواتِ والأرضَ حنيفًا، وما كان مِن المشركينَ، ثم ابتلاه بالهجرةِ، فخرَج مِن بلادِه وقومِه حتى لحِق بالشامِ مهاجرًا إلى اللهِ، ثم ابتلاه بالنارِ قبلَ الهجرةِ، فصبَر على ذلك، وابتلاه الله بذَبْحِ ابنِه وبالختانِ، فصبَر على ذلك ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 285، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 6/ 195 من طريق شيبان، عن قتادة به.¥.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عمَّن سمِع الحسنَ يقولُ في قولِه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: ابتلاه بذَبْحِ ولدِه، وبالنارِ، وبالكوكبِ، والشمسِ، والقمرِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 285، وهو تفسير عبد الرزاق 1/ 57، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 6/ 193 من طريق محمد بن حماد الطهرانى عن عبد الرزاق به.¥.
وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن الحسنِ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}. قال: ابتلاه بالكوكبِ، وبالشمسِ، وبالقمرِ، فوجَده صابرًا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 285، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 6/ 193، 194 من طريق أبي هلال به نحوه مطولًا.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: الكلماتُ التي ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ ربُّه: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} إلى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 240 عن السديِّ.¥.
والصوابُ في ذلك مِن القولِ عندَنا أن يقالَ: إن اللهَ عز وجل أخبَر عبادَه أنه اخْتَبَر إبراهيمَ خليلَه بكلماتٍ أوحاهنَّ إليه، وأمَره أن يَعمَلَ بهنَّ، [فعمِل بهن] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ وأتمَّهنَّ، كما أخبرَ اللهُ جل ثناؤه عنه أنه فعَل. وجائزٌ أن تكونَ تلك الكلماتُ جميعَ ما ذكَره مَن ذكَرْنا قولَه في تأويلِ الكلماتِ، وجائزٌ أن تكونَ بعضَه؛ لأن إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه قد كان امْتُحِنَ فيما بلغَنا بكلِّ ذلك، فعمِل به، وقام فيه بطاعةِ اللهِ وأمرِه الواجبِ عليه فيه.
وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يقولَ: عنَى اللهُ بالكلماتِ اللواتى ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ شيئًا مِن ذلك بعينِه دونَ شيء، ولا عنَى به كلَّ ذلك. إلَّا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، مِن خبرٍ عن الرسولِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أو إجماعٍ مِن الحُجَّةِ، ولم يصحَّ بشيء ¬في م: "فيه شيء"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "شيء".¥ من ذلك خبرٌ عن الرسولِ بنقلِ الواحدِ، ولا بنقلِ الجماعةِ التي يَجِبُ التسليمُ لِما نَقَلَتْه. غيرَ أنه قد رُوِى عن النبيِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في نظيرِ معنى ذلك خبران لو ثَبَتا أو أحدُهما، كان القولُ به في تأويلِ ذلك هو الصوابَ: أحدُهما ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ ¬في م: "راشد"، وفي ت 2: "رشيد"، وفي ت 1، ت 3: "رشد". وينظر تهذيب الكمال 9/ 282.¥ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني زَبّانُ ¬في الأصل، م، ت 2، ت 3: "ريان"، وفي ت 1: "زياد". وينظر تهذيب الكمال 9/ 281.¥ بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ مُعاذِ بنِ أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمَّى اللهُ، إبراهيمَ خَلِيلَه، الذي وفَّى؛ لأنَّه كان يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُل
َّما أمْسَى: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] حتى يَخْتِمَ الآيةَ".
والآخَرُ ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيَّةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبى أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37]. قال: "تدْرُونَ ما وَفَّى؟ " قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "وَفَّى عَمَلَ يَوْمِه أربَعَ رَكَعاتٍ في النَّهَارِ".
فلو كان خبرُ سهلِ بنِ مُعاذٍ عن أبيه صحيحًا سَنَدُه، كان بَيِّنًا أن الكلماتِ التي ابْتُلِى بهنَّ إبراهيمُ، فقام بهنَّ، هي قولُه كُلَّما أصبَحَ وأمسَى: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ}. أوْ كان خبرُ أبى أمامةَ عُدُولًا نَقَلَتُه، كان معلومًا أن الكلماتِ التي أُوحِينَ إلى إبراهيمَ فابْتُلى بالعمَلِ بهنَّ، أن يُصَلِّىَ كلَّ يومٍ أربعَ ركَعاتٍ، غيرَ أنهما خبرانِ في أسانيدِهما نَظَرٌ.
فالصوابُ مِن القولِ في معنى الكلماتِ التي أخبَر اللهُ أنه ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ، ما بيَّنَّا آنفًا.
ولو قال قائلٌ في ذلك: إن الذي قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ والربيعُ بنُ أنسٍ، أوْلَى بالصوابِ مِن القولِ الذي قاله غيرُهم. كان مذهبًا؛ لأن قولَه: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} وقولَه: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ}، وسائرَ الآياتِ التي هي نظيرةُ ذلك -كالبيانِ عن الكلماتِ التي ذكَر اللهُ أنه ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {فَأَتَمَّهُنَّ}.
ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {فَأَتَمَّهُنَّ}: فأتمَّ إبراهيمُ الكلماتِ. وإتمامُه إيَّاهنَّ إكمالُه إيَّاهنَّ بالقيامِ للهِ بما أوجَب عليه فيهنَّ، وهو الوفاءُ الذي قال جلَّ ثناؤه: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}. يَعْني بذلك: وفي بما عَهِد إليه بالكلماتِ فأمَره به، مِن فرائِضه ومِحَنِه فيها.
كما حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {فَأَتَمَّهُنَّ}. أي: فأدَّاهنَّ ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخه 6/ 194 من طريق عبد الأعلى به.¥.
وحدَّثني بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَأَتَمَّهُنَّ}. أي: عمِل بهنَّ فأتمهنَّ ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخه 6/ 195 من طريق شيبان، عن قتادة.¥.
وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {فَأَتَمَّهُنَّ}. أي: عمِل بهنَّ وأتمهنَّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 222 عقب الأثر (1173) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}: فقال اللهُ: يا إبراهيمُ، إنى مُصَيِّرُك للناسِ إمامًا يُؤْتَمُّ به ويُقْتَدَى به.
كما حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} ليُؤَمَّ به ويُقتَدى به ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 222 عقب الأثر (1174) من طريق ابن أبى جعفر به.¥.
يقال منه: أمَمْتُ القومَ فأنا أَؤمُّهم أَمًّا وإمامةً. إذا كنتَ إمامَهم.
وإنما أراد جلَّ ثناؤه بقولِه لإبراهيمَ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}: إنى مُصَيِّرُك تَؤُمُّ مَن بعدَك مِن أهلِ الإيمانِ بي وبرُسُلي، فتَقَدَّمُهم أنت، ويتَّبعون هَدْيَك، ويَستَنُّون بسُنَّتِك التي تَعْمَلُ بها، بأمرِي إيَّاك ووحْيى إليك.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}.
يعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: قال إبراهيمُ -لمَّا رفَع اللهُ منزلتَه وكرَّمه، وأعلَمَه ما هو صانعٌ به، مِن تصييرِه إمامًا في الخيراتِ لمن في عصرِه، ولمن جاء بعدَه مِن ذُرِّيَّته وسائرِ الناسِ غيرِهم، يُهْتَدَى بهدْيِه ويُقْتَدى بأفعالِه وأخلاقِه - يا ربِّ، ومِن ذُرِّيَّتى فاجعلْ أئمةً يُقْتَدَى بهم، كالذي جعَلْتنى إمامًا يُؤْتَمُّ بي ويُقْتَدَى بى. مسألةٌ مِن إبراهيمَ ربَّه سأله إيَّاها.
كما حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال إبراهيمُ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}. يقولُ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتى مَن يُؤْتَمُّ ويُقْتَدَى به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 118 إلى المصنف.¥.
وقد زعَم بعضُ الناسِ أن قولَ إبراهيمَ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} مسألةٌ منه ربَّه لعَقِبهِ أن يكونوا على عهدِه ودِينِه، كما قال: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]. فأخبَرَ اللهُ جلَّ ثناؤه أن في عَقِبِه الظالمَ المخالفَ له في دِينِه، بقولِه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.
والظاهرُ مِن التنزيلِ يَدُلُّ على غيرِ الذي قاله صاحبُ هذه المقالةِ؛ لأن قولَ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}. في إثرِ قولِ اللهِ له جلَّ ثناؤه: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا}. فمعلومٌ أن الذي سأَل إبراهيمُ لذُرِّيَّته لو كان غيرَ الذي أخبَره ربُّه أنه أعطاه إيَّاه، لكان مُبَيَّنًا، ولكنَّ المسألةَ لمَّا كانت ممَّا قد جرَى ذكرُه، اكْتُفِىَ بالذكْرِ الذي قد مضَى مِن تكريرِه وإعادتِه، فقال: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}. بمعنى: ومِن ذُرِّيَّتى فاجْعَلْ مثلَ الذي جعَلْتنى به مِن الإمامةِ للناسِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124)}.
وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن أن الظالمَ لا يكونُ إمامًا يَقْتَدِى به أهلُ الخيرِ. وهو مِن اللهِ جلَّ ثناؤه جوابٌ لإبراهيمَ ¬في م: "لما توهم"، وفي ت 1: "لا يوهم"، وفي ت 2: "لا يتوهم".¥ في مسألتِه إياه أن يجعلَ من ذرِّيتِه أئمةً مثلَه. فأخبَره أنه فاعلٌ ذلك إلا بمن كان من أهلِ الظلمِ منهم، فإنه غيرُ مُصَيِّرِه كذلك، ولا جاعلِه في محلِّ أوليائِه عنده بالتَّكْرمةِ بالإمامةِ؛ لأن الإمامةَ إنما هي لأوليائِه وأهلِ طاعتِه، دون أعدائِه والكافرين به.
واختَلف أهلُ التأويلِ في العهدِ الذي حرَم اللهُ تعالى ذكرُه الظالمين أن ينالُوه؛ فقال بعضُهم: ذلك العهدُ هو النُّبوَّةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). يقولُ: عهدى: نبوّتى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 223 (1182)، من طريق عمرو به.¥.
فمعنى تأويلِ ¬في م: "قائل".¥ هذا القولِ في تأويله ¬في م: "تأويل".¥ الآيةَ: لا ينالُ النُّبوَّةَ أهلُ الظلمِ والشركِ.
وقال آخَرون: معنى العهدِ عهدُ الإمامةِ.
فتأويلُ الآيةِ على قولِهم: لا أجعلُ من كان من ذرِّيتِك [يإبراهيمُ] ¬في م: "بأسرهم".¥ ظالمًا، إمامًا لعبادي يُقْتَدَى به.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 118 إلى المصنف وعبد بن حميد ووكيع.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ، قال: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: لا يكونُ [لى إمامًا ظالمٌ] ¬في م: "إمام ظالما".¥.
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن عكرمةَ بمثلِه.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامِرٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عاصم". وينظر تهذيب الكمال 18/ 364.¥، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: لا يكونُ إمامًا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إمام".¥ ظالمٌ يُقْتَدَى به ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 241 عن سفيان به. وينظر تفسير سفيان ص 48، وتفسير ابن أبي حاتم 1/ 223 (1179).¥.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا مُشَرَّفُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "مسروق". وينظر تاريخ بغداد 13/ 224.¥ بنُ أبانٍ الخطّابُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الحطاب".¥، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: لا أجعلُ إمامًا ظالمًا يُقْتَدَى به.
وحدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربي، قال: ثنا مُسلمُ بنُ خالدٍ الزنْجىُّ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: لا أجعلُ إمامًا ظالمًا يُقْتَدَى به ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (213 - تفسير) من طريق مسلم بن خالد الزنجي به.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ.
قال ابنُ جُريجٍ: وأما عطاءٌ فإنه قال: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} فأبَى أن يجعلَ من ذريته ظالمًا إمامًا. قلت لعطاءٍ: ما عهدُه؟ قال: أمرُه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 223 (1178) من طريق حجاج عن ابن جريج عن عطاء، وكذا ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 241.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا عهْدَ عليك لظالمٍ أن تطيعَه في ظلمِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبى، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. يعنى: لا عهدَ لظالمٍ عليك في ظلمِه أن تطيعَه فيه ¬ينظر تفسير ابن كثير 1/ 241.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ الأعورِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: ليس للظالمين عهدٌ، وإن عاهدْتَه فانقُضْه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 224 (1186) من طريق سفيان به بلفظ: ليس لظالم عليك عهد في معصية الله أن تطيعه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 118 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وقال آخرون: معنى العهدِ في هذا الموضعِ الأمانُ.
فتأويلُ الكلامِ على معنى قولِهم: قال اللهُ: لا ينالُ أمانى أعدائى وأهلَ الظلمِ لعبادي. أي: لا أُؤمِّنُهم مِن عذابى في الآخرةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}: ذلكم يومَ القيامةِ عندَ اللهِ، لا ينالُ عهدَه ظالمٌ، فأما في الدنيا فقد نالُوا عهدَ اللهِ، فوارثوا به المسلمين وعادُّوهم ¬في الأصل: "غازوهم به".¥ وناكَحوهم به، فلما كان يومُ القيامةِ قصَر اللهُ عهدَه وكرامتَه على أوليائِه ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخه 6/ 195 من طريق شيبان، عن قتادة نحوه.¥.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ في الآخرةِ الظالمون ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3، وتفسير ابن أبي حاتم: "الظالمين".¥، فأما في الدنيا، فقد ناله الظالمُ [فأمِن به] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، وأكَل به وعاشَ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 58، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 224 (1187) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [بنُ عبدِ اللهِ] (5)، عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: {قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ في الآخرةِ الظالمون، فأما في الدنيا، فقد ناله الظالمُ فأَمِن به، وأكَل وأبصَر وعاشَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 242 عن إبراهيم.¥.
وقال آخرون: بل العهدُ الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ دينُ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: فعهدُ اللهِ الذي عَهِد إلى عبادِه دينُه. يقولُ: لا ينالُ دينُه الظالمين، ألا ترى أنه قال: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 113]. يقولُ: ليس كلُّ ذرِّيتِك يا إبراهيمُ على الحقِّ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 223 عقب الأثر (1180) معلقا، وينظر تفسير ابن كثير 1/ 242.¥.
وحدَّثني محمدُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يحيى".¥ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: لا ينالُ طاعتي ¬في م، ت 2، ت 3: " عهدى"، وفي ت 1: "عهد".¥ عدوٌّ لي يَعْصِينى، ولا أَنحَلُها إلا وَلِيًّا لي يُطيعُنى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 223، 224 (1183، 1185) من طريق جويبر به.¥.
وهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ عن أنه لا ينالُ مِن ولدِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه عهدُ اللهِ -الذي هو النبوّةُ والإمامةُ لأهلِ الخيرِ، بمعنى الاقتداءِ به في الدنيا، والعهدُ الذي بالوفاءِ [به للهِ] ¬في م، ت 2: "به"، وفي ت 1، ت 3: "لله".¥ ينجو في الآخرةِ مَن وفي للهِ به في الدنيا- مَن كان منهم ظالمًا مُعْتَدِيًا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "متعديا".¥، جائرًا عن قصدِ سبيل الحقِّ، فهو إعلامٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه لإبراهيمَ أنَّ مِن ولدِه من يُشرِكُ به، ويَزولُ ¬في م: "يجور".¥ عن قصدِ السبيلِ، ويَظلِمُ نفسَه وعبادَه.
كالذي حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عَتّابُ بنُ بشرٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}. قال: إنه سيكونُ في ذرّيتِك ظالمون ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (212 - تفسير) من طريق عتاب بن بشر به.¥.
وأما نَصْبُ {الظَّالِمِينَ}، فلأن العهدَ هو الذي لا يَنالُ الظالمينَ. وقد ذُكر أنه في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (لا يَنَالُ عَهْدِى الظالمون) ¬ينظر تفسير القرطبى 2/ 108.¥. بمعنى أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهدَ اللهِ.
وإنما جاز الرفعُ في {الظَّالِمِينَ} والنصبُ، وكذلك في "العهدِ"، لأن كلَّ ما نال المرءَ فقد ناله المرءُ. كما يقالُ: نالنى خيرُ فلانٍ، ونِلْتُ خيرَه. فيُوجَّهُ الفعلُ مرةً إلى الخيرِ، ومرةً إلى نفسِه.
وقد بيّنّا معنى الظُّلمِ فيما مضَى فكَرِهْنا إعادتَه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 559.¥.

Tafsir in other languages · 6