تفسير البغوي (معالم التنزيل)
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} أَيْ يُجَازِيهِمْ جَزَاءَ اسْتِهْزَائِهِمْ سُمِّيَ الْجَزَاءُ بِاسْمِهِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَتِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى "وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا" (40-الشُّورَى) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ أَنْ يُفْتَحَ لَهُمْ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَيْهِ سُدَّ عَنْهُمْ، وَرُدُّوا إِلَى النَّارِ وَقِيلَ هُوَ أَنْ يُضْرَبَ لِلْمُؤْمِنِينَ نُورٌ يَمْشُونَ عَلَى الصِّرَاطِ فَإِذَا وَصَلَ الْمُنَافِقُونَ إِلَيْهِ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "وَحِيَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ" (54-سَبَأٍ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: "فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ" الْآيَةَ (13-الْحَدِيدِ) وَقَالَ الْحَسَنُ مَعْنَاهُ اللَّهُ يُظْهِرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نِفَاقِهِمْ {وَيَمُدُّهُمْ} يَتْرُكُهُمْ وَيُمْهِلُهُمْ وَالْمَدُّ وَالْإِمْدَادُ وَاحِدٌ، وَأَصْلُهُ الزِّيَادَةُ إِلَّا أَنَّ الْمَدَّ أَكْثَرُ مَا يَأْتِي فِي الشَّرِّ وَالْإِمْدَادُ فِي الْخَيْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَدِّ "وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا" (79-مَرْيَمَ) وَقَالَ فِي الْإِمْدَادِ "وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ" (6-الْإِسْرَاءِ) "وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ" (22-الطُّورِ) {فِي طُغْيَانِهِمْ} أَيْ فِي ضَلَالَتِهِمْ وَأَصْلُهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ. وَمِنْهُ طَغَى الْمَاءُ {يَعْمَهُونَ} أَيْ يَتَرَدَّدُونَ فِي الضَّلَالَةِ مُتَحَيِّرِينَ