Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 15

Surah 2 : Ayah 15

ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

Allah will mock them[11] and prolong them to wander blindly in their transgression.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}.
قال أبو جَعفرٍ: اخْتُلِف في صفةِ استهزاءِ اللهِ تعالى ذكرُه الذي ذكَر أنه فاعلُه بالمنافقين الذين وصَف صفتَهم؛ فقال بعضهم: استهزاؤُه بهم كالذي أخْبرنا تبارك اسمُه أنه فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ في قولِه تعالى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى} [الحديد: 13، 14] الآية. وكالذي أخبرنا أنه فعَل بالكفارِ بقولِه: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178]. فهذا وما أشْبهه من استهزاءِ اللهِ تعالى ذكرُه وسخريتِه ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهلِ الشركِ به، عندَ قائلي هذا القولِ ومتأوِّلي هذا التأويلِ.
وقال آخرون: بل استهزاؤُه بهم توبيخُه إياهم، ولومُه لهم على ما ركِبوا من معاصيه ¬في م: "معاصى الله".¥
والكفرِ به، كما يقالُ: إن فلانًا ليُهْزَأُ منه ¬بعده في ر: "منذ".¥ اليومَ، ويُسخرُ منه. يُرادُ به توبيخُ الناسِ إيَّاه ولومُهم له. أو ¬في ص، ر، ت 2: "و".
والضمير في قوله: إهلاكه إياهم وتدميرهم. عائد على الله سبحانه، وهو معطوف على قوله: توبيخه إياهم.¥ إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، كما قال عَبِيدُ بنُ الأبْرَصِ ¬ديوانه ص 7.¥:
سَائِلْ بنا حُجْرَ ابنِ أُمِّ قَطَامِ إذْ ... ظلَّت به السُّمْرُ النواهِلُ ¬النواهل، جمع الناهل والناهلة: وهي الإبل العطاش، تشبه بها الرماح، كأنها تعطش إلى الدم. التاج (ن هـ ل).¥ تَلعبُ
فزعَموا أن السُّمْرَ - وهي القَنَا - لا لَعِبَ منها، ولكنها لما قتَلَتهم وشرَّدتهم، جعَل ذلك من فعلِها لعبًا بمن فعَلَت ذلك به. قالوا: فكذلك استهزاءُ الله جلَّ ثناؤُه بمَن اسْتَهزَأ به من أهلِ النِّفاقِ والكفرِ به، إما إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، وإما إملاؤُه لهم ليأخُذَهم في حالِ أمنِهم عندَ أنفسِهم بَغتةً، أو توبيخُه لهم ولائمتُه إيَّاهم. قالوا: وكذلك معنى المكرِ منه والخديعةِ والسُّخريةِ.
وقال آخرون: قولُه: {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}. على الجوابِ، كقولِ الرجلِ لمن كان يخدَعُه إذا ظَفِر به: أنا الذي خدَعتُك. ولم تكنْ منه خديعةٌ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمرُ إليه. قالوا: وكذلك قولُه: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ} [آل عمران: 54]، و {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}.
على الجوابِ، واللهُ لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْءُ. والمعنى عندَهم ¬زيادة من: ر.¥ أن المكرَ والهُزْءَ حاقَ بهم.
وقال آخرون: قولُه: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}. وقولُه: {يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]،. وقولُه: {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ} [التوبة: 79]. و {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]. وما أشْبه ذلك - إخبارٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه أنه مجازِيهم جزاءَ الاستهزاءِ، ومعاقبُهم عقوبةَ الخِداعِ، فأخْرج خبرَه عن جزائِه إيَّاهم وعقابِه ¬في ص: "معاقبته".¥ لهم، مُخْرَجَ خبرِه عن فعلِهم الذي عليه استحقُّوا العقابَ في اللفظِ، وإن اخْتَلف المعنَيان، كما قال جلَّ ثناؤُه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]. ومعلومٌ أن الأُولَى من صاحِبها سيئةٌ، إذ كانت منه للهِ تبارك وتعالى معصيةً، وأن الأخرى عَدْلٌ؛ لأنها من اللهِ جزاءٌ للعاصي على المعصيةِ، فهما - وإن اتَّفق لفظاهما - مختلفتا المعنى، وكذلك قولُه: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194]. فالعُدْوانُ الأولُ ظلمٌ، والثاني جزاءٌ لا ظلمٌ، بل هو عَدلٌ؛ لأنه عقوبةٌ للظالمِ على ظلمِه، وإن وافق لفظُه لفظَ الأولِ. وإلى مثلِ ¬زيادة من: ر.¥ هذا المعنى وَجَّهوا كلَّ ما ف
ي القرآنِ من نظائرِ ذلك، مما هو خبرٌ عن مكرِ اللهِ جلَّ وعزَّ بقومٍ، وما أشْبَه ذلك.
وقال آخرون: إن معنى ذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدتِهم قالوا: إنا معكم على دينِكم في تكذيب محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به، وإنما نحن - بما نُظهرُ لهم من قولِنا لهم: صدَّقْنا بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به - مستهزِئون.
يعنُون أنَّا نُظهرُ لهم ما هو عندَنا باطلٌ لا حَقٌّ ولا هُدًى. قالوا: وذلك هو معنًى من معاني الاستهزاءِ، فأخْبر اللهُ أنه يَسْتهزئُ بهم، فيُظهرُ لهم من أحكامِه في الدنيا خلافَ الذي لهم عندَه في الآخرةِ، كما أظْهروا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين في الدينِ ما هم على خلافِه في سرائرِهم.
والصوابُ في ذلك من القولِ والتأويلِ عندَنا أن معنى الاستهزاءِ في كلامِ العربِ إظهارُ المستهزِئ للمستهزَأ به من القولِ والفعلِ ما يُرْضِيه ويُوافِقُه ¬سقط من: ص، وفي ر، ت 2: "يوفقه".¥ ظاهرًا، وهو بذلك من قيلِه وفعلِه به مُوَرِّطُه ¬في م: "مورثه".¥ مساءَتَه ¬في ص، م: "مساءة".¥ باطنًا، وكذلك معنى الخِداعِ والسُّخريةِ والمكرِ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل لأهلِ النِّفاقِ في الدنيا من الأحكامِ - بما أظْهروا بألسنتِهم من الإقرارِ باللهِ وبرسولِه وبما جاء به من عندِ اللهِ، المُدْخِلِهم ¬في م: "المدخل لهم".¥ في عِدادِ مَن يشمَلُهم ¬في ص، م: "يشمله".¥ اسمُ الإسلامِ، وإن كانوا ¬في ر: "كان".¥ لغيرِ ذلك مُستبطِنين ¬بعده في م: "من".¥ -أحكامَ المسلمين ¬في ر: "الإسلام".¥ المصدِّقين إقرارَهم بألسنتِهم بذلك، بضمائرِ قلوبهم، وصَحائحِ عزائمِهم، وحميدِ أفعالِهم المحققةِ لهم صحةَ إيمانِهم، مع علمِ الله جلَّ وعزَّ بكذبِهم، واطلاعِه على خُبْثِ اعتقادِهم، وشكِّهم فيما ادَّعَوا بألسنتِهم أنهم به ¬سقط من: م.¥ مصدِّقون، حتى ظنُّوا في الآخِرةِ - إذ حُشِروا في عِدادِ من كانوا في عِدادِهم في الدنيا - أنّهم وارِدُون مَوْرِدَهم، وداخِلون مَدْخَلَهم، واللهُ جلَّ جلالُه مع إظهارِه ما قد أظْهر لهم من الأحكامِ المُلْحِقتِهم ¬في م: "الملحقهم".¥ في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ إلى حالِ تمييزِه بينَهم وبينَ أوليائِه، وتفريقِه بينهم وبينهم - مُعِدٌّ لهم من أليمِ عقابِه ونَكالِ عذابِه، ما أعدَّ منه لأعْدى أعدائِه، وشرِّ ¬في م: "أشر".¥ عبادِه، حتى ميّ
َز بينهم وبينَ أوليائِه، فألحَقهم من طبقاتِ جحيمِه بالدركِ الأسفلِ [من النارِ] ¬زيادة من: ر.¥ - كان معلومًا ¬قوله: كان معلوما. جواب قوله: فإذ كان ذلك كذلك ... المتقدم أول الفقرة.¥ أنه جلَّ ثناؤُه بذلك من فعلِه بهم، وإن كان جزاءً لهم على أفعالِهم، وعدلًا ما فعَل من ذلك بهم؛ لاستحقاقِهم إيًّاه منه بعصيانِهم له كان بهم بما أظهَر لهم من الأمورِ التي أظْهرها لهم من إلحاقِه أحكامَهم في الدنيا بأحكامِ أوليائِه وهم له أعداءٌ، وحشرِه إيّاهم في الآخرةِ مع المؤمنين وهم به من المكذِّبين، إلى أن ميَّز بينَهم [وبينَهم - مستهزِئًا بهم] ¬في م: "وبينهم مستهزئا".¥ وساخرًا، ولهم خادِعًا، وبهم ماكرًا؛ إذ كان معنى الاستهزاءِ والسُّخريةِ والمكرِ والخديعةِ ما وصَفنا قبلُ، دونَ أن يكونَ ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزِئُ بصاحبِه له ظالمٌ، أو عليه فيها ¬بعده في م: "غير".¥ عادلٌ، بل ذلك معناه في كلِّ أحوالِه، إذا ¬في ر: "إذا قد".¥ وُجدَت الصفاتُ التي قدَّمنا ذكرَها في معنى الاستهزاءِ وما أشْبَهه من نظائِرِه.
وبنحوِ ما قلنا فيه رُوي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}. قال: يسخَرُ بهم للنِّقمةِ منهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 48 (143) من طريق أبي كريب به.¥.
وأمّا الذين زعَموا أن قولَ اللهِ جلّ ثناؤُه: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}. إنما هو على وجهِ الجوابِ، وأنه لم يكنْ من اللهِ استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا خديعةٌ، فنافون عن اللهِ جلّ ثناؤُه ما قد أثْبَته اللهُ جلّ ثناؤُه لنفسِه وأوْجَبه لها. وسواءٌ قال قائلٌ: لم يكنْ من اللهِ جلَّ ذكرُه استهزاءٌ ولا مكرٌ ¬بعده في م: "ولا خديحة".¥ ولا سُخريةٌ بمن أخْبَر أنه يَسْتَهزِئُ ويسخَرُ ويمكُرُ به. أو قال: لم يخسِفِ اللهُ بمن أخْبَر أنه خسَف به من الأممِ، ولم يُغرقْ من أخْبَر أنه غرّقه منهم.
ويقالُ لقائلِ ذلك: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَرنا أنه مكَر بقومٍ مضَوا قبلَنا لم نَرَهم، وأخْبَر عن آخرين أنه خسَف بهم، وعن آخرين أنه غرّقهم، فصدَّقْنا اللهَ جلّ ثناؤُه فيما أخْبَرنا به من ذلك، ولم نفرِّقْ بين شيْءٍ منه، فما برهانُك على تفريقِك ما فرَّقْتَ بينَه، بزعمِك أنه قد غرّق وخسَف بمن قد ¬زيادة من: ر.¥ أخْبَر أنه غرّقه وخسَف به، ولم يمكُرْ بمن أخْبَر أنه قد مكَر به؟ ثم يُعكَس القولُ عليه في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
فإن لجَأ إلى أن يقولَ: إن الاستهزاءَ عبثٌ ولعبٌ، وذلك عن اللهِ عزَّ وجلَّ منفيٌّ.
قيل له: إن كان الأمرُ عندَك على ما وصَفْتَ من معنى الاستهزاءِ، أفَلسْتَ تقولُ: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بهم، وسخِر اللهُ منهم، ومكَر اللهُ بهم. وإن لم يكنْ من اللهِ عندَك هُزْءٌ ولا سخريةٌ؟ فإن قال: لا. كذَّب بالقرآنِ، وخرَج من ¬في م: "عن".¥ ملَّةِ الإسلامِ. وإن قال: بلى. قيل له: أفتقولُ من الوجهِ الذي قلت: {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}، {سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ}: يلعَبُ اللهُ بهم ويعبَثُ. ولا لعبَ من اللهِ ولا عبثَ؟ فإن قال: نعم. وصَف اللهَ بما قد أجْمَع المسلمون على نفيِه عنه، وعلى تخطئةِ واصفِه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجةُ من العقولِ على ضلالِ مُضيفِه إليه. وإن قال: لا أقولُ: يلعبُ اللهُ بهم، ولا يعبَثُ. وقد أقولُ: يَسْتهزِئُ بهم، ويسخَرُ منهم. قيل: فقد فرَّقت بين معنى اللعبِ والعبثِ، والهُزْء والسخريةِ، والمكرِ والخديعةِ، ومن الوجهِ الذي جاز قيل هذا، ولم يَجُزْ قيلُ هذا، افْتَرق معنياهما، فعُلم أن لكلِّ واحدٍ منهما معنًى غيرَ معنى الآخرِ.
وللكلامِ في هذا النوعِ موضعٌ غيرُ هذا، كرِهنا إطالَة الكتابِ باستقصائِه، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفَهمِه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَيَمُدُّهُمْ}.
قال أبو جعفر: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَيَمُدُّهُمْ}؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {وَيَمُدُّهُمْ}: يُملي لهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 78 عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 31 إلى المصنف عن ابن مسعود وحده. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 48 (144) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي من قوله. وسيأتي بقية هذا الأثر في ص 321، 322.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ: {وَيَمُدُّهُمْ} قال: يَزيدُهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 48 (145) من طريق ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 31 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وكان بعضُ نحوييِّ ¬بعده في ر: "أهل".¥ البصرةِ يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى: يَمُدُّ لهم. ويزعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ العربِ: الغلامُ يلعَبُ الكِعابَ. [يُراد به: يلعَبُ بالكِعابِ] ¬سقط من: ص.¥. قال: وذلك أنهم قد يقولون: قد مدَدْتُ له، وأمْددْتُ له. في غيرِ هذا المعنى، وهو قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: {وَأَمْدَدْنَاهُمْ} [الطور: 22]. وهذا من: أمْدَدناهم. قال: ويقالُ: قد مدَّ البحرُ فهو مادٌّ، وأمَدَّ الجُرْحُ فهو مُمِدٌّ.
وحُكِي عن يونسَ الجَرْميِّ ¬ينظر تهذيب اللغة 14/ 85.¥ أنه كان يقولُ: ما كان من الشرَّ فهو: مدَدْتُ، وما كان من الخيرِ فهو: أَمْدَدتُ. ثم قال: وهو كما فسَّرتُ لك، إذا أردتَ أنك ترَكْتَه فهو: مَدَدتُ له، وإذا أردتَ أنك أعْطيتَه قلت: أمْدَدتُ.
وأما بعضُ نحوييِّ الكوفةِ فإنه كان يقولُ: كلُّ زيادةٍ حدَثت في الشيْءِ من نفسِه، فهو: مَدَدتُ، بغيرِ ألفٍ، كما تقولُ: مدَّ النهَرُ، [ومدَّه نهَرٌ] ¬في ص: "مده فهو"، وفي ر: "مد نهر".¥ آخرُ غيرُه. إذا اتَّصل به فصار منه، وكلُّ زيادةٍ حَدَثت في الشيْءِ من غيرِه فهو بألفٍ، كقولِك: أمدَّ الجُرْحُ؛ لأنَّ المِدَّةَ من غيرِ الجُرحِ، وأمْدَدتُ الجيشَ بمَدَدٍ.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: {وَيَمُدُّهُمْ}. أن يكونَ بمعنى: يزيدُهم. على وجهِ ¬في ر: "معنى".¥ الإملاءِ والتركِ لهم في عُتوِّهم وتمرُّدِهم، كما وصَف ربُّنا جلَّ ثناؤُه أنه فَعَل بنظرائِهم في قولِه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]. [فكذلك قولُه: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}] ¬سقط من: ص، م.¥. يعني: [يَذَرُهم ويَتركُهم فيه، ويُملي] ¬في ص، م: "نذرهم ونتركهم فيه ونملي".¥ لهم ليزْدادوا إثمًا إلى إثمِهم.
ولا وجهَ لقولِ من قال: ذلك بمعنى: يَمُدُّ لهم. لأنَّه [لا تدافُعَ بين] ¬في ص: "تتدافع".¥ العربِ وأهلِ المعرفةِ بلغتِها أن يستجيزوا قولَ القائلِ: مدَّ النهَرَ ¬في ص: "إليهم".¥ نَهَرٌ آخرُ.
بمعنى: اتصل به فصار ¬في ص: "صارا".¥ زائدًا [ماءُ المتَّصَلِ] ¬في ر، ت 2: "ما اتصل"، وفي ت 1: "بماء المتصل".¥ به بماءِ المتَّصِلِ. مِن غيرِ تأوُّلٍ منهم ذلك ¬في ص: "وذلك".¥ أن معناه: مدَّ النهَرَ ¬في ص: "للنهر".¥ نهَرٌ آخرُ. فكذلك ذلك في قولِه جلّ وعزّ: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فِي طُغْيَانِهِمْ}.
قال أبو جعفرٍ: والطغيانُ الفُعْلانُ، من قولِك: طغَى فلانٌ يطغَى طُغْيانًا. إذا تجاوَز في الأمرِ حدَّه فبغَى. ومنه قولُ اللهِ جلّ ثناؤُه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6، 7] أي: يتجاوزُ حدَّه.
ومنه قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ ¬ديوانه ص 44.¥:
ودعا اللهَ دعوةً [لاتَ هَنَّا] ¬في الديوان: "لا يهنا".¥ ... بعدَ طُغْيانِه فظلَّ ¬في إحدى نسخ الديوان: "فصار".¥ مُشيرَا وإنما عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِم} أي ¬في م: "أنه".¥: يُملي لهم، ويذَرُهم يبغُون في ضلالَتِهم ¬في ص، م: "ضلالهم".¥ وكفرِهم حَيارَى يتردَّدون.
كما حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. قال: في كفرِهم يتردَّدون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 49 (148، 150) عن أبي زرعة، عن المنجاب به.¥.
وحدَّثني موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {فِي طُغْيَانِهِمْ}: في كفرِهم ¬تقدم أول هذا الأثر في ص 321، 322.¥. حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {فِي طُغْيَانِهِمْ}: في ضلالتِهم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 49 عقب الأثر (148) معلقا.¥.
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: {فِي طُغْيَانِهِمْ}: في ضلالتِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 49 عقب الأثر (148) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فِي طُغْيَانِهِمْ} قال: طغيانُهم كفرُهم وضلالتُهم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 79 عن ابن زيد.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: {يَعْمَهُونَ (15)}.
قال أبو جعفرٍ: والعَمَهُ نفسُه الضلالُ. يقالُ منه: عمِه فلانٌ يعمَهُ عَمَهانًا وعُموهًا، إذا ضلَّ. ومنه قولُ رؤْبةَ بنِ العجَّاجِ يصفُ مَضَلَّةً من المَهامِهِ ¬ديوان رؤبة (مجموعة أشعار العرب) ص 166.¥:
ومَخْفَقٍ ¬المخفق: الأرض التي تستوي فيكون فيها السراب مضطربا. اللسان (خ ف ق).¥ من لُهْلُهٍ ¬في ص: "أهله". واللهله: الأرض الواسعة يضطرب فيها السراب. اللسان (لهله).¥ ولُهْلُهِ
من ¬في الديوان: "و".¥ مَهْمَهٍ ¬المهمه: الفلاة بعينها لا ماء بها ولا أنيس. اللسان (م هـ هـ).¥ يَجْتَبْنَهُ ¬في الديوان: "أطرافه"، وفي ص: "يجتنه"، وفي ت 1: "يجبنه". وجاب المفازة جوبًا: قطعها. تاج العروس (ج و ب).¥ في ¬في ص، ر، ت 1، ت 2: "و".¥ مَهْمَهِ
أعْمَى الهُدى بالجاهلين العُمَّهِ
والعُمَّهُ جمعُ عامِهٍ، وهم الذين يضلُّون فيه فيتحيَّرون.
فمعنى قولِه جلَّ ثناؤُه إذن ¬سقط من: م.¥: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. في ضلالتِهم وكفرِهم الذي قد غمَرَهم دَنَسُه، وعلاهم رِجْسُه، يتردَّدون حَيارَى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المَخْرَجِ منه سبيلًا؛ لأن اللهَ قد طبَع على قلوبِهم، وختَم عليها، وأَعْمَى أبصارَهم عن الهدَى وأغشاها ¬في ص: "أعشاها"، وفي ت 2: "أعشاهم".¥، فلا يُبْصِرونَ رُشْدًا، ولا يهتَدون سبيلًا.
وبنحوِ ما قلنا في العَمَهِ جاء تأويلُ المتأوِّلين.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {يَعْمَهُونَ}: يتمادَوْن في كفرِهم ¬تقدم أول هذا الأثر في ص 321، 322.¥.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهِيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {يَعْمَهُونَ}. قال: يتمادَوْن ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 49 (149) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 31 إلى ابن المنذر.¥.
حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {يَعْمَهُونَ}. قال: يتردَّدون ¬تقدم في ص 321.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: {يَعْمَهُونَ}: المتلدِّدُ ¬سقط من: ص، وفي ت 1: "التلذذ"، وفي ت 2: "المتلذذ". وتلدد: تلفت يمينا وشمالا وتحير متبلدا. اللسان (ل د د).¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. قال: يتردَّدون ¬تفسير مجاهد ص 196، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 31 إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفَة، قال حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ مثلَه.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: {يَعْمَهُونَ} قال: يتردَّدون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 49 عقب الأثر (150) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.


Tafsir in other languages · 6