Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 164

Surah 2 : Ayah 164

إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

Indeed, in the creation of the heavens and earth; the alternation of the night and day; the sailing of the ships in the sea for the benefit of people; the sending down of rain from the sky by Allah, reviving thereby the earth after its death; the spreading of all kinds of creatures therein; the directing of the winds and clouds between the sky and earth – in all these, there are signs[71] for people of understanding.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القولُ في المعنَى الذي مِن أجلِه أنزلَ اللهُ علَى نبيِّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قولِه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أنزلَ اللهُ تعالى ذِكرُه هذه الآيةَ على نبيِّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ فقال بعضُهم: أنزلها جلَّ ثناؤه عليه احتجاجًا له على أهلِ الشركِ به من عَبَدَةِ الأَوثانِ، وذلك أنَّ الله تعالى ذكرُه لما أَنْزَل على نبيِّه محمدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}. فتلا ذلك على الصَّحابةِ، وسَمِع به المشركون من عبدةِ الأَوثانِ، قال المشركون: وما الحجةُ والبرهانُ على أنَّ ذلك كذلك، ونحن نُنْكِرُ ذلك، وَنَزْعُمُ أنَّ لنا آلهةً كثيرةً؟ فأنزلَ اللهُ عند ذلك: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} احتجاجًا لنبيِّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الذين قالوا ما ذكرْنا عنهم.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، أنَّ عطاءً قال: نَزَل على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} فقال كفارُ قريشٍ بمكَّةَ: كيف يَسَعُ الناسَ إلهٌ واحدٌ؟ فأَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} إلى قولِه: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فبهذا تعلمون ¬في م: "يعلمون".¥ أنه إلهٌ واحدٌ، وأنه إلهُ كلِّ شيْءٍ، وخالقُ كلِّ شيْءٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 272 (1462)، وأبو الشيخ في العظمة (118)، والواحدي في أسباب النزول ص 31، 32 من طريق إلى حذيفة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 164 إلى ابن المنذر.¥.
وقال آخرون، بل أُنْزِلت هذه الآيةُ على النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن أجلِ أنَّ أهلَ الشركِ سألوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - آيةً ¬سقط من: م، ت 1، ت 3.¥، فأنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ، يُعْلِمُهم فيها أنَّ لهم في خلقِ السماواتِ والأرضِ وسائرِ ما ذُكِر مع ذلك - آيةً بينةً على وحدانيةِ اللهِ، وأنه لا شريكَ له في مُلكِه لمن عَقَل وتَدَبَّر ذلكَ بفهمٍ صحيحٍ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، قال: لما نَزَلتْ: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} قال المشركون: إنْ كان هذا هكذا فليَأْتِنا بآيةٍ. فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} الآية ¬تفسير سفيان ص 54. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 163 إلى وكيع. وبعده في م، ت 1، ت 2: "حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجّاجِ، قال، ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن أبي الضُّحَى، قال: لما نَزَلَتْ: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليَأْتنا بآيةٍ. فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} الآية".¥.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن أبي الضُّحي، قال: لما نَزَلتْ هذه الآيةُ جَعَل المشركون يَعْجَبون ويقُولون: يقولُ: إلهُكم إلهٌ واحدٌ! فليَأْتِنا ¬في م، ت 1: "فلتأتنا".¥ بآيةٍ إن كنتَ مِن الصادقين. فأنْزَل اللهُ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} الآية ¬أخرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره - كما في الدر المنثور 1/ 163 - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 272 (1461)، والبيهقي في الشعب (104)، وفي الاعتقاد ص 32 - عن أبي جعفر به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (239 - تفسير)، وأبو الشيخ في العظمة (31)، والواحدي في أسباب النزول ص 32 من طريق أبي الأحوص عن سعيد بن مسروق به.¥.
حَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حدَّثَنِي الحسينُ، قال: حدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، أنَّ المُشركين قالوا للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أرِنا آيةً. فنَزَلتْ هذه الآيةُ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: سألتْ قريشٌ اليهودَ، فقالوا: حَدِّثونا عما جاءَكم به موسى مِن الآياتِ. فحَدَّثوهم بالعصا وبيدِه بَيْضاءَ للناظرين، وسألوا النصارى عما جاءَهم به عيسى مِن الآياتِ، فأحْبَروهم أنه كان يُبرِئُ الأكْمَهَ والأبرصَ ويُحيى الموتى بإذنِ اللهِ، فقالتْ قريشٌ عندَ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ادعُ اللهَ أن يَجْعَلَ لنا الصَّفا ذهبًا فنَزْدادَ يقينًا، ونَتَقَوَّى به على عدوِّنا. فسأل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ربَّه، فأوْحَى إليه: إنِّي مُعْطيهم، [أن أجْعَلَ] ¬في م: "فاجعل".¥ لهم الصَّفا ذهبًا، ولكن إن كذَّبوا بَعْدُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، عَذَّبْتُهم عذابًا لَمْ أُعَذِّبْه أحدًا مِن العالمين. فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "ذَرْنِي وَقَوْمي فأدْعُوَهُمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ". فأنْزَل اللهُ عليه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية. إنَّ في ذلك لآيةً لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجْعَلَ لهم الصَّفا ذهبًا ليَزْدادوا يَقينًا، فخَلْقُ ¬بعده في م: "الله".¥ السماواتِ والأرضِ، واختلافُ الليلِ والنهارِ، أعظمُ مِن أن
أجعلَ لهم الصَّفا ذهبًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 163 إلى المصنّف وعبد بن حميد. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 273 (1465) من طريق يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس. وأخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير 1/ 290 - من طريق جعفر به مثله.¥.
حدَّثَنِي موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} فقال المشركون للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: غَيِّرْ لنا الصَّفا ذهبًا إن كنتَ صادقًا، [آيةً منك] ¬في م، ت 1: "أنه منه"، وفي ت 2: "أنه منك".¥. فقال اللهُ: إنَّ في هذا ¬في م: "هذه الآيات".¥ لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلون وقال: قد سأل الآياتِ قومٌ مِن قَبْلِكم، ثم أصْبَحوا بها كافرين.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه نَبَّه عبادَه على الدَّلالةِ على وحدانيتِه وتَفرُّدِه بالأُلوهةِ، دونَ كلِّ ما سواه مِن الأشياءِ، بهذه الآيةِ. وجائزٌ أن تكونَ نَزَلَتْ فيما قاله عطاءٌ، وَجائزٌ أن تكونَ نَزَلتْ فيما قاله سعيدُ بنُ جبيرٍ وأبو الضُّحَى، ولا خبرَ عندَنا بتصحيحِ قولِ أحدِ الفريقين يَقْطَعُ العذرَ، فيجوزَ أن يَقضيَ أحدٌ لأحدِ الفريقين بصحةِ قولِه على الآخَرَين، وأيِّ القولَينْ كان صحيحًا، فالمرادُ مِن الآيةِ ما قلنا.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.
يعني تعالى جل ثناؤُه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: إن في إنشاءِ اللهِ السماواتِ والأرضَ وابْتدَاعِهما. ومعنى خَلْقِ اللهِ الأشياءَ: ابتداعُه لإيجادُه إيَّاها بعدَ أن لَمْ تكل موجودةً.
وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على المعنى الذي مِن أجلِه قيلَ: الأرض. ولم تُجْمَعْ كما جُمِعَتِ السماواتُ، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِهِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 459 وما بعدها.¥.
فإن قال لنا قائلٌ: وهل للسماواتِ والأرضِ خَلْقٌ هم غيرُها، فيقالَ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}؟!
قيل: قد اخْتُلِف في ذلك؛ فقال بعضُ الناسِ: لها خلقٌ هو غيرُها. واعْتَلُّوا في ذلك بهذه الآيةِ، وبالتي في سورةِ "الكهفِ": {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51]، وقالوا: لَمْ يخْلُقِ اللهُ شيئًا إلَّا واللهُ له مريدٌ. قالوا: فالأشياءُ كانت، بإرادةِ اللهِ، والإرادةُ خَلْقٌ لها.
وقال آخرون: خلْقُ الشيءِ صفةٌ لهُ، لَا هِي هُو، ولَا هي ¬سقط من: م، ت 1، ت 2.¥ غيرُه.
وقالوا: لو كان غيرَه لوَجَب أن يكونَ مِثْلُه موصوفًا. قالوا: ولو جازَ أن يكونَ خَلْقُه غيرَه وأن يكونَ موصوفًا لوَجَب أن تكون له صفةٌ هي له خَلْقٌ، ولو وَجَب ذلك كذلكَ، لَمْ يكنْ لذلك نهايةٌ. قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفةٌ للشيْءِ. قالوا: فخَلْقُ السماواتِ والأرضِ صفةٌ لهما، على ما وَصَفْنا. واعْتَلُّوا أيضًا بأن للشيْءِ خلقًا ليس هو به، من كتابِ اللهِ بنَحْوِ الذي اعْتَلَّ به الأَوَّلون.
وقال آخرون: خَلْقُ السماواتِ والأرضِ، وخلقُ كلِّ مخلوقٍ، هو ذلك الشيْءُ بعينِه لا غيرُه. فمعنى قولِه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: إنَّ في السماواتِ والأرضِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}.
يعنِي جل ثناؤُه بقولِه: {وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: وتَعاقُبِ الليلِ والنهارِ عليكم أيها، الناسُ، وإنَّما الاختلافُ في هذا الموضِعِ الافْتِعالُ، مِن خُلُوفِ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ، كما قال عز ذكرُه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] بمعنى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَخْلُفُ مكانَ صاحبِه، إذا ذهبَ الليلُ جاء النهارُ بعدَه، وإذا ذهبَ النهارُ جاء الليلُ خِلَافَه ¬في م، ت 1، ت 3: "خلفه". وهما بمعنًى.¥.
ومِن ذلك قيل: خَلَف فلانٌ فلانًا في أهلِه بسوءٍ. ومنه قولُ زُهيرٍ ¬شرح ديوانه ص 5.¥:
بها العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ ¬العين: البقر، الواحدة عَيْناء، والذكر أعْيَن، وسميت عينا لسعة أعينها. والآرام: الظباء البيض الخوالص البياض. خلفة: يعني إذا مضى فوج جاء آخر. أطلاؤها: جمع طلا وهو ولد البقرة وولد الظبية الصغير. وينهضن من كل مجثم: أراد أنهن يُنِمن أولادهن إذا أرضعنهن ثم يرعين، فإذا ظنن أن أولادهن أنفدن ما في أجوافهن من اللبن صَوَّتن بأولادهن فينهضن ليشربن. المجثم من جَثَم: إذا لزم مكانه فام يبرح أو لصِق بالأرض. ينظر شرح ديوان زهير ص 6، 7.¥
وأما "الليلُ" فإنه جمعُ لَيْلَةٍ، نظيرُ التَّمْرِ الذي هو جمعُ تَمْرَةٍ، وقد تُجمَعُ "ليالٍ"، فيَزِيدون في جمعِها ما لَمْ يكنْ في واحِدَتِها، وزيادتُهم الياءَ في ذلك نظيرُ زيادَتِهم إيَّاها في رَباعِيَةٍ وثَمانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ.
وأما "النهارُ" فإنه لا تكادُ العربُ تَجْمَعُه؛ لأنه بمنزلةِ الضَّوْءِ، وقد سُمِع في جمعِه "النُّهُر"، قال الشاعرُ ¬البيت في: الأزمنة والأمكنة ص 77، والمخصص 9/ 51 واللسان (ن هـ ر).¥:
لَوْلا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ ... ثَريدُ لَيْلٍ وثَريدٌ بالنُّهُرْ
ولو قِيل في جمعِ قليلِه: أنْهِرَةٌ. كان قياسًا.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ}.
يعني جل ثناؤُه: وإنَّ في الفُلكِ التي تجري في البحرِ. والفُلكُ هو السُّفنُ، واحدُه وجمعُه بلفظٍ واحدٍ، ويُذكَّرُ ويُؤنَّثُ، كما قال جلَّ ثناؤه في تذكيرِه في آيةٍ أُخرى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ¬في الأصل: "ذرياتهم". وهي قراءة نافع وابن عامر، وقرأ الباقون بالإفراد. ينظر حجة القراءات ص 600.¥ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: 41] فذَكَّرَه، وقد قال في هذه الآيةِ: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ}. [وإنما قِيل: تَجْري في البحرِ] ¬سقط كما: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. وهي مُجْراةٌ؛ لأنَّها إذا أُجْرِيَتْ فهي الجاريةُ، فأُضِيف إليها مِن الصِّفةِ ما هو لها.
وأما قولُه: {بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} فإنَّ معناه: بنَفْعِ ¬في م، ت 1، ت 2: "ينفع".¥ الناسِ. [فتأويلُ الكلامِ: وإنَّ في جَرْيِ الفُلكِ بنَفْعِ الناسِ] ¬¥ في البَحرِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
يعني جلّ ذكرُه بقولِه: {وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ}: وفيما أنزَل اللهُ مِن السماءِ من ماءٍ؛ وهو المطرُ الذي يُنزِلُه اللهُ مِن السماءِ.
وقولُه: {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}. وإحياؤُها: عِمارتُها وإخراجُ نباتِها.
والهاءُ التي في {بِهِ} عائدةٌ على "الماءِ"، والهاءُ والألفُ في قولِهِ: {بَعْدَ مَوْتِهَا} على الأرضِ. وموتُ الأرضِ: خرابُها ودُثُورُ عمارتِها، وانقطاعُ نباتِها الذي هو للعبادِ أقْواتٌ، وللأنامِ أرزاقٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}.
يعني بقوله: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}: وإنَّ فيما بَثَّ في الأرضِ من دابةٍ.
ومعنى قوله: {وَبَثَّ فِيهَا}: وفَرَّقَ فيها، مِن قولِ القائلِ: بَثَّ الأميرُ سَراياه.
يعني: فَرَّقَ.
والهاءُ والألفُ في قولِه: {فِيهَا} عائدَتانِ على "الأرضِ".
والدَّابَّةُ: الفاعِلَةُ، من قولِ القائلِ: دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدِبُّ دَبيبًا فهي دابَّةٌ. والدَّابَّةُ اسمٌ لكلِّ ذي رُوحٍ كان غيرَ طائرٍ بِجَناحٍ؛ لدَبِيبهِ على الأرضِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}.
يعني بقولِه: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}: وفي تصريفه الرياحَ. فأسْقَطَ ذكْرَ الفاعلِ وأضاف الفِعلَ إلى المفعولِ، كما يقال: يُعْجِبني إكرامُ أخيك. يُرادُ: إكرامُك أخاك.
وتصريفُ اللهِ إيَّاها أن يُرْسِلهَا مرةً لَواقِحَ، ومرةً يَجْعَلُها عَقِيمًا، ويَبْعَثُها عذابًا تُدّمِّرُ كلَّ شيْءٍ بأمرِ ربِّها.
كما حَدَّثَنَا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ} قال: قادرٌ واللهِ ربُّنَا على ذلك، إذا شاءَ جَعَلَها عذابًا ريحًا عَقيمًا لا تُلْقِحُ، إنما هي عذابٌ على من ¬في ص: "ما".¥ أُرسِلَتْ عليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 275 (1474) من طريق شيبان، عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 164 إلى عبد بن حميد.¥.
وزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ ¬هو الفراء في معاني القرآن 1/ 97.¥ أنَّ معنى قولِه: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}. أنَّها تأتي مرَّةً جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا. ثم قال: وذلك تصريفُها ¬في الأصل: "تصرفها".¥.
وهذه الصفةُ التي وصَف الرياحَ بها صفةُ تَصَرُّفِها لا صفةُ تَصْرِيفها؛ لأنَّ تصريفَها تصريفُ اللهِ لها، وتصرُّفَها اختلافُ هُبُوبِها.
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}: وتصريفِ اللهِ هبوبَ الرياحِ باختلافِ مَهابِّها.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}.
يعني بقوله: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ}: وفي السحاب المُسخَّرِ.
و"السحابُ" جمعُ سحابةٍ. يَدُلُّ علَى ذلك قولُه جل ذكرُه: {وَيُنْشيء السَّحَابَ الثِّقَالَ} [الرعد: 12].
ووحَّدَ المُسخَّرِ وذَكَّره، كما يُقالُ: هذه تمرةٌ، وهذا تمرٌ كثيرٌ، في جمعِه، وهذه نخلةٌ، وهذا نخلٌ.
وإنما قيل للسحاب: سحابٌ - إنْ شاء اللهُ - لجرِّ بعضِه بعضًا، وسَحْبِه إيَّاهُ.
مِن قولِ القائلِ: مَرَّ فلانٌ يَسْحَبُ ¬في م: "يجر".¥ ذيلَه. [بمَعْنى: يَجُرُّه] ¬في م، ت 1، ت 2، ت؛: "يعني يسحبه".¥.
فأمّا معنى قولِه: {لَآيَاتٍ}: فإنه: علاماتٍ ودلالاتٍ على أنَّ خالقَ ذلك كلِّه ومُنْشيءه إلهٌ واحدٌ. {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} لمن عَقَل مواضعَ الحُجَجِ، وفَهِم عن اللهِ أدِلَّتَه على وحدانيَّتِه.
فأعلَم عزّ ذِكرُه عبادَه بأنَّ الأدلةَ والحُجَجَ إنما وُضعتْ مُعْتبَرًا لذوِي العقولِ والتمييزِ، دونَ غيرِهم مِن الخلْقِ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمرِ والنهيِ، والمُكَلَّفين الطاعةِ والعبادةَ، ولهم الثوابُ، وعليهم العقابُ.
فإن قال قائلٌ: وكيف احْتَجَّ على أهلِ الكفرِ بقولِه: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} الآية. في توحيدِ اللهِ، وقد عَلِمْتَ أن أصنافًا من أصنافِ الكُفْرِ ¬في م، ت 1، ت 2: "الكفرة".¥ تَدْفَعُ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ وسائرُ ما ذُكِر في هذه الآيةِ مخلوقةً؟
قيل: إنَّ إنكارَ مَن أنْكَر ذلك غيرُ دافعٍ أن يكونَ جميعُ ما ذَكَر جل ثناؤُه في هذه الآيةِ دليلًا على خالقِه وصانعِه، وأنَّ له مُدَبِّرًا لا يُشبِهُه، وبارئًا لا مِثْلَ له، وذلك وإن كان كذلك، فإن اللهَ إنما حاجَّ بذلكَ قومًا كانوا مُقِرِّين بأن اللهَ خالِقُهم، غيرَ أنهم كانوا يُشرِكون في عبادَتِه عبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه فقال - إذ أنكروا قولَه: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}. وزَعَموا أنَّ له شركاءَ مِن الآلِهةِ -: إنّ إلهَكم الذي خَلَق السماواتِ والأرضَ، وأجْرَى فيها الشمسَ والقمرَ لكم بأرزاقِكم دائِبَيْن في سيرِهما - وذلك هو معنى اختلافِ الليلِ والنهارِ -[وحَمَلَكم في البَرِّ والبحرِ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "في الشمس والقمر".¥ - وذلك هو معنى قولِه: {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} - وأنْزَل لكم الغيثَ مِن السماءِ، فأخْصَب به جَنابَكم ¬الجناب: الناحية، والفناء وما قرب من محلة القوم. اللسان (ج ن ب).¥ بعدَ جُدُوبِه، وأَمْرَعَه ¬أمرع: أخصَب وأكْلأ. اللسان (م ر ع).¥ بعدَ دُثُورِه، فنَعَشَكم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فينعشكم".¥ به بعدَ قُنوطِكم - وذلك هو معنى
قولِه: {وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} - وسخَّر لكم الأنعامَ فيها لكم مطاعِمُ ومآكلُ، ومنها جَمالٌ ومَراكِبُ، ومنها أثاثٌ وملابسُ - وذلك هو معنى قولِه: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} - وأرسلَ لكم الرِّياحَ لَواقِحَ لأشجارِ ثمارِكم وغذائِكم وأقْواتِكم، وسَيَّر لكم السحابَ الذي بوَدْقِه ¬الوَدْق: المطر كله شديده وهَيِّنُه. اللسان (و د ق).¥ حياتُكم، وحياةُ نَعَمِكم ومواشِيكم، وذلك هو معنى قولِه: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}.
فأخْبَرَهم أن إلهَهم هو اللهُ الذي أنْعَم عليهم بهذه النِّعمِ، وتَفَرَّد لهم بها، ثم قال: {هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ} [الروم: 40]، فتُشْرِكوه في عبادتِكم إياي، وتَجْعلوه لي نِدًّا وعِدْلًا؟ فإنْ لَمْ يكنْ مِن شركائكم مَن يَفْعَلُ من ذلكم مِن شيْءٍ، ففي الذي عدَدْتُ عليكم مِن نِعْمتي، وتَفَرَّدتُ لكم بأياديَّ دَلالاتٌ لكم إنْ كنتم تَعْقِلون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك أنِّي لكم بالإحسانِ إليكَم مُتفرِّدٌ دونَ غيري، وأنتم تَجْعَلون لي في عبادتِكم إيَّايَ أنْدادًا. فهذا هو معنى الآيةِ.
والذين، ذُكِّروا بهذه الآيةِ، واحْتُجَّ عليهم بها، هم القومُ الذين، وَصَفْتُ صفتَهم دونَ المعطِّلةِ والدَّهْرِيةِ، وإن كان في أصغرٍ ما عدَّد اللهُ في هذه الآيةِ مِن الحُجَجِ البالغةِ، المَقْنَع لجميعِ الأنامِ، تَرَكْنا البيانَ عنه كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذِكرِه.

Tafsir in other languages · 8