Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 173

Surah 2 : Ayah 173

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

He has only forbidden to you carrion, blood, the flesh of swine, and what has been sacrificed to other than Allah. But if someone is compelled by necessity – neither driven by desire nor exceeding immediate need – then there is no sin upon him; for Allah is All-Forgiving, Most Merciful.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}.
يعني جلّ ثناؤه بذلك: لا تحرِّموا على أنفُسِكم ما لم أحرِّمْه عليكم أيها المؤمنون باللهِ وبرسولِه من البحائرِ والسوائبِ ونحوِ ذلك، بل كُلُوا ذلك، فإني لم أحرِّمْ عليكم غيرَ المَيْتةِ والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِي.
ومعنى قولِه: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ}: ما حرَّم عليكم إلّا الميْتةَ.
و {إِنَّمَا} حرفٌ واحدٌ، ولذلك نُصِبت "الميتةُ والدمُ"، وغيرُ جائزٍ في "الميتةِ" إذا جعَلتَ "إنما" حرفًا واحدًا إلا النصبُ، ولو كانت "إنما" حرفين، [فكانت "ما"] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "وكانت".¥ منفصلةً من "إنّ" لكانت "الميتةُ" مرفوعةً وما بعدَها، وكان تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: إن الذي حرَّم اللهُ عليكم من المطاعمِ الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزيرِ لا غيرُ ذلك.
وقد ذُكِر عن بعضِ القرَأةِ أنه قرَأ ذلك كذلك على هذا التأويلِ ¬وهم أبو جعفر بن القعقاع - وهو من العشرة - وابن أبي عبلة وأبو عبد الرحمن السلمي. ينظر معجم القراءات القرآنية 1/ 136.¥، ولستُ للقراءةِ به مُستجيزًا، وإن كان له في التأويلِ والعربيةِ وجهٌ مفهومٌ؛ لاتفاقِ الحجةِ من القرأةِ على خلافِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ الاعتراضُ عليهم فيما نقَلوه مجمِعين عليه، ولو قُرِئ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "في".¥ (حُرِّم) ¬وهي قراءة أبي جعفر كما في البحر المحيط 1/ 486 وهي قراءة شاذة.¥ بضمِّ الحاءِ من {حَرَّمَ} لكان في "الميتةِ" وجهانِ من الرفعِ؛ أحدُهما، من أن الفاعلَ غيرُ مسمًّى، و "إنما" حرفٌ واحدٌ.
والآخَرُ: أنّ "إنّ" و "ما" في معنى حرفيْن، و"حُرِّم" من صلةِ "ما"، و"الميتة" خبرُ "الذي" مرفوعٌ على الخبرِ. ولستُ - وإن كان لذلك أيضًا وجهٌ - مُستجيزًا القراءةَ به؛ لما ذكرتُ.
وأما {الْمَيْتَةَ}، فإن القرأةَ مختلفةٌ في قراءتِها، فقرَأها بعضُهم بالتَّخفيفِ ¬هي قراءة أبي جعفر المدني. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص 92.¥، ومعناه فيها التشديدُ، ولكنه يُخفِّفُها كما يخفِّفُ القائلون: هو هيْن ليْن، الهيِّنُ الليِّنُ. كما قال الشاعرُ ¬البيت لعدي ابن الرعلاء الغساني، وهو في الأصمعيات ص 152، ومعجم الشعراء ص 86.¥:
ليسَ مَن مات فاسْتَراح بمَيْتٍ ... إنَّما الميتُ مَيِّتُ الأحياءِ
فجمَع بين اللُّغتين في بيتٍ واحدٍ، في معنًى واحدٍ.
وقرَأها بعضُهم بالتشديدِ وحمَلوها على الأصلِ، وقالوا: إنما هو "مَيْوِت"، "فَيْعِل"، من الموتِ، ولكنَّ الياءَ الساكنةَ والواوَ المتحركةَ لماّ اجتمعتَا، والياءُ مع سكونِها متقدِّمةٌ، [قُلبتِ الواوُ ياءً و] ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "قبل الواو".¥ شُدِّدَتْ، فصارَتَا ياءً مشدَّدَةً، كما فعَلوا ذلك بـ "سيِّد وجيِّد". قالوا: ومَن خفَّفَها فإنما طلَب الخِفَّةَ، والقراءةُ بها على أصلِها الذي هو أصلُها أوْلَى.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن التَّشديدَ والتَّخفيفَ في ياءِ "الميتة" لغتان [وقراءتان] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ معروفتان في القراءةِ وفي كلامِ العربِ، فبأيِّهما قرَأ ذلكَ القارئُ فمصيبٌ، لانّه لا اختلافَ في مَعْنَيَيْهما.
وأما قولُه: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}. فإنه يعني به: وما ذُبِح للآلهةِ والأوثانِ، فسُمِّي عليه غيرُ اسمِه، أو قُصِد به غيرُه من الأصنامِ.
وإنما قيلَ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ} لأنهم كانوا إذا أرادُوا ذبْحَ ما قرَّبوه لآلهتِهم، سمَّوُا اسمَ آلهتِهم التي قرَّبوا ذلك لها، وجهَروا بذلكَ أصْواتَهم، فجرَى ذلك من أمرِهم على ذلك، حتى قيل لكلِّ ذابحِ ذبْحٍ ¬ليست في: م، ت 1، ت 2.¥، سَمَّى أو لم يُسمِّ، جهَر بالتسميةِ أو لم يَجهَرْ: مُهِلٌّ. فرفْعُهم أصواتَهم بذلك هو الإهلالُ الذي ذكَره اللهُ جلّ جلالُه فقال: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} ومن ذلك قيلَ للمُلَبِّي في حَجةٍ أو عمرةٍ: مُهِلٌّ. لرَفْعِه صوتَه بالتلْبيةِ. ومنه استهلالُ الصَّبِيِّ، إذا صاحَ عند سقوطِه من بطنِ أمِّهِ، واستهلالُ المطرِ، وهو صوتُ وقوعِه على الأرضِ، كما قال عَمرُو بنُ قَمِيئةَ ¬تقدم هذا البيت في 1/ 559 وأن صواب نسبته إلى الحادرة.¥:
ظَلَم البِطاحَ له انْهِلالُ حَرِيصَةٍ ... فَصَفا النِّطافُ له بُعَيْدَ المُقْلَعِ
واختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}: وما ذُبح لغيرِ اللهِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}: ماذُبح لغيرِ اللهِ.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} قال: ما ذُبح لغيرِ اللهِ مما لم يُسمَّ عليه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 65.¥.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}: ما ذُبح لغيرِ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 283 (1519) من طريق أبي حذيفة به.¥.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}. قال: ذُبح ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ما أهل به للطواغيت".
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 168 إلى ابن المنذر.¥.
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}. قال: ما أُهِلَّ به للطواغيتِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 283 عقب الأثر (1519) معلقًا.¥.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}. يعني: ما أُهِلَّ للطواغيتِ كُلِّها ¬أخرجه البيهقي 9/ 249 من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
يعنِي: ما ذُبحَ لغيرِ اللهِ من أهلِ الكفرِ غيرَ اليهودِ والنصارَى.
حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ في قولِ اللهِ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} قال: هو ما ذُبح لغيرِ اللهِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ما ذُكِرَ عليه غيرُ اسمِ اللهِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}. يقولُ: ما ذُكر عليه غيرُ اسمِ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 283 عقب الأثر (1518) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ - وسألتُه عن قولِ اللهِ: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} - قال: ما يُذبَحُ لآلهتِهم، الأنصابُ التي يعبُدونها، و ¬في م: "أو".¥ يُسمُّون أسماءَها عليها. قال: يقولون: باسمِ فلانٍ. كما تقولُ أنت: باسمِ اللهِ. قال: فذلك ما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ.
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، عن عُقبةَ بنِ مُسلمٍ التُّجِيبيِّ وقيسِ بنِ رافعٍ الأشْجعيِّ، أنهما قالَا: أُحِلَّ لنا ما ذُبحَ لعيدِ الكنائسِ، ومَا أُهدِيَ لها مِن خبزٍ أو لحمٍ، فإنما هو طعامُ أهلِ الكتابِ. قال حَيوةُ: فقلتُ: أرأيتَ قولَ اللهِ تبارك وتعالى: {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ}. قال: إنما ذلك المجوسُ وأهلُ الأوثانِ والمشركون.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}.
يعني بقولِه جلّ ثناؤه: {فَمَنِ اضْطُرَّ}: فمن حلّتْ به ضرورةُ مجاعةٍ إلى ما حرَّمتُ عليكم، من الميْتةِ والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ، وهو بالصِّفةِ التي وصَفْنا، فلا إثمَ عليه في أكْلِه إن أكَلَه.
وقولُه: {اضْطُرَّ}: افتُعِل، من الضرورةِ.
و: {غَيْرَ بَاغٍ} نَصْبٌ على الحالِ مِن "مَن"، كأنه قيلَ: فمنِ اضْطُرَّ لا باغيًا ولا عاديًا فأكَلَه، فهو له حلالٌ.
وقد قيل: إن معنى قولِه: {فَمَنِ اضْطُرَّ}: فمن أُكرِه على أكْلِه فأكَله، فلَا إثْمَ عليه.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن مجاهدٍ قولَه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}. قال: الرجلُ يأخذُه العدوُّ فيدْعُونَه إلى معصيةِ اللهِ.
وأما قولُه: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}. فإن أهلَ التأويلِ في تأْويلِه مختلِفون؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: {غَيْرَ بَاغٍ}: غيرَ خارجٍ على الأُمَّةِ ¬في م: "الأئمة".¥
بسيفِه، باغيًا عليهم بغيرِ حَقٍّ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "جور".¥، ولا عاديًا عليهم بحربٍ [ظُلمًا وعُدْوانًا] ¬في م: "وعدوان"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "وعدوانا".¥، فمُفْسدٌ عليهم السبيلَ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن مجاهدٍ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} قال: غيرَ قاطعِ سبيلٍ، ولا مفارقِ جماعةٍ، ولا خارجٍ في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ ¬أخرجه محمد بن نصر في تعظيم قدر الصلاة (1076، 1077) من طريق ليث بن أبي سليم به.¥.
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} يقولُ: لا قاطعًا للسبيلِ، ولا مفارِقًا للأئمةِ، ولا خارجًا في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ، ومَن خرَج باغيًا أو عاديًا، أو ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ في معصيةِ اللهِ، فلا رخصةَ له وإنِ اضطُرَّ إليه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 283 (1523) من طريق أبي حذيفة به.¥.
حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}. قال: هو الذي يقطعُ الطريقَ، فليس له رخصةٌ إذا جاعَ أن يأكُلَ الميْتةَ، وإذا عَطِشَ أن يشرَبَ الخمرَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 284 (1524) من طريق شريك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 168 إلى أبي الشيخ.¥.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن شَرِيكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قولِه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}. قال: الباغِي العادِي الذي يقطَعُ الطريقَ، فلا رخصةَ له ولا كرامةَ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} قال: إذا خرَج في سبيلٍ من سُبلِ اللهِ فاضْطُرَّ إلى ¬بعده في م: "شرب".¥ الخمرِ شَرِب، وإذا اضْطُرَّ إلى الميتةِ أكَل، وإذا خرَج يقطَعُ الطريقَ فلَا رخصةَ له. حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حفصُ بنُ غياثٍ، عن الحجّاجِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: {غَيْرَ بَاغٍ}: على الأئمةِ، {وَلَا عَادٍ} قاطعُ السبيلِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 283، 284 (1522، 1528) من طريق الحجاج به.¥.
حدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} قال: غيرَ قاطعٍ السبيلَ، ولا مفارقٍ الأئمةَ، ولا خارجٍ في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ ¬أخرجه آدم بن أبي إياس - كما في الدر المنثور 1/ 168 - عن ورقاء به. وهو في تفسير مجاهد ص 218، 219 - ومن طريقه البيهقي 3/ 156 - دون قوله: فله رخصة. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (243 - تفسير)، ومن طريقه البيهقي في المعرفة (1620) - عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجّاجِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} قال: غيرَ باغٍ على الأئمةِ، ولا عادٍ على ابنِ السبيلِ.
وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: {غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}: غيرَ باغٍ الحرامَ في أكْلِه، ولا مُعتدٍ الذي أبيحَ له منه.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}: غيرَ باغٍ في أكْلِه، ولا عادٍ أن يتعدَّى حلَالًا إلى حرامٍ، وهو يجدُ عنه مندوحةً ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 284، 285 (1530) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 168 إلى عبد بن حميد.¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} قال: غيرَ باغٍ فيها، ولا معتدٍ فيها، يأكُلُها وهو غنيٌّ عنها.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عمّن سمِعَ الحسنَ يقولُ ذلك ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 65.¥.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ قولَه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}: {غَيْرَ بَاغٍ} ييتغِيه، {وَلَا عَادٍ} يتعدَّى على ما يُمسِكُ نفْسَه.
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ} يقولُ: مِن غيرِ أن يبتغِيَ حرامًا ويتعدَّاه، ألا ترَى أنه يقولُ: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 7، المعارج: 31].
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}. قال: غيرَ ¬سقط من ت م، ت 1، ت 2.¥ أن يأكُلَ ذلك بغْيًا وتعدِّيًا عن الحلالِ إلى الحرامِ، ويتركَ الحلالَ وهو عندَه، ويتعدَّى بأكلِ هذا الحرامِ؛ هذا التعدِّي. يُنكِرُ أن يكونا مختلِفَيْن، ويقولُ: هذا وهذا واحدٌ.
وقال آخرون: تأويلُ ذلك: فمن اضطُرَّ غيرَ باغٍ في أكلِه شهوةً، ولاعادٍ فوقَ ما لابدَّ له منه.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}: أما "باغ" فيبتغِي ¬في م، ت 2: "فيبغي".¥ فيه شهوتَه، وأما "العادي"، فيتعدَّى في أكلِه، يأكُلُ حتى يشبَعَ، ولكن يأكُلُ منه قوتًا ¬في م: "قدر".¥، ما يُمسِكُ به نفْسَه حتى يبلُغَ حاجتَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 284 (1526، 1529) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وأوْلى هذه الأقاويلِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: فَمَن اضْطُرَّ غيرَ باغٍ بأكلِه ما حُرِّم عليه من أكلِه، ولا عادٍ في أكلِه، وله عن تركِ أكلِه - بوجودِه ¬في م: "بوجود".¥ غيرَه مما أحلَّه اللهُ له - مندوحةٌ وغنًى؛ وذلك أن اللهَ لم يرخِّصْ لأحدٍ في قتلِ نفسِه بحالٍ. فإذْ كان ذلك كذلكَ، فلا شكَّ أن الخارجَ على الإمامِ والقاطعَ الطريقَ، وإن كانا قد أتيَا ما حرَّمَ اللهُ عليهما - من خروجِ هذا على من خرَج عليه، وسَعْي هذا بالإفسادِ في الأرضِ - فغيرُ مُبيحٍ لهما فِعلُهما ما فعَلا - مما حرَّمَ اللهُ عليهما - ما كان حرامًا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "حرم الله".¥
عليهما قبلَ إتيانِهما ما أتيَا من ذلك، من قتلِ أنفسِهما، بل ذلك مِن فعلِهما، [إذ لم يَزِدْهما لمحارمِ] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "وإن لم يؤدهما إلى محارم".¥ اللهِ عليهما تحريمًا، فغيرُ مُرَخِّصٍ لهما ما كان عليهما قبلَ ذلك حرامًا. فإذْ كان ذلك كذلك، فالواجبُ على قُطَّاعِ الطرقِ، والبُغاةِ على الأئمةِ العادلةِ، الأوبةُ إلى طاعةِ اللهِ، والرجوعُ إلى ما ألزَمهم ¬في م: "ألزمهما".¥ اللهُ الرجوعَ إليه، والتوبةُ مِن معاصِي اللهِ، لا قتلُ أنفسِهما بالمجاعةِ، فيزدَادَانِ إلى إثمِهما إثمًا، وإلى خِلافِهما أمرَ اللهِ خِلافًا.
وأما الذي وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه غيرُ باغٍ في أكلِه شهوةً، فأكَل ذلك شهوةً لا لدفعِ الضرورةِ المَخُوفِ منها الهلاكُ، مما قد دخَل فيما حرَّمه اللهُ عليه، فهو بمعنى ما قلنا في تأويلِه، وإن كان للفظِه مُخالِفًا.
فأما توجيهُه تأويلَ قولِه: {وَلَا عَادٍ}: ولا آكلٍ منه شِبَعَه، ولكن ما يُمسِكُ به نفسَه. فإن ذلك بعضُ معاني الاعتداءِ في أكلِه، ولم يَخْصُصِ اللهُ عزّ وجلّ من معاني الاعتداءِ في أكْلِه معنًى فيقالَ: عنَى به بعضَ معانيه. فإذ كان ذلك كذلك، فالصَّوابُ من القولِ ما قلنا من أنه الاعتداءُ في كلِّ معانيه المحرَّمةِ.
وأما تأويلُ قولِه: {فَلَا إِثْمَ عَلَيْه}. يقولُ: مَن أكَل ذلك على الصِّفةِ التي وصَفْنا، فلا تَبِعةَ عليه في أكلِه ذلك كذلك ولا حرجَ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)}.
يعني جلّ ثناؤه بقولِه: {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ}: إن اللهَ غفورٌ - إن أطَعتم اللهَ في إسلامِكم، فاجْتنَبتم أكْلَ ما حرَّم عليكم، وترَكْتم اتباعَ الشيطانِ فيما كنتم تحرِّمونه في جاهليَّتِكم؛ طاعةً منكم للشيطانِ واقتفاءً منكم خُطواتِه، مما لم ¬سقط من: الأصل، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أُحرِّمْه عليكم - لما سلَف منكم في كفرِكم، وقبلَ إسلامِكم في ذلك، من خطأٍ وذنبٍ ومعصيةٍ، فَصافِحٌ عنكم، وتاركٌ عقوبتَكم عليه، {رَحِيمٌ} بكم إن أطَعتمُوه.

Tafsir in other languages · 6