Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 175

Surah 2 : Ayah 175

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ

They are those who trade guidance for misguidance and forgiveness for punishment. How patient they must be to withstand the Fire[77]!

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ}.
يعني بقولِه جلّ ثناؤه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى}: أولئك الدين أخَذُوا الضّلالَة وترَكُوا الهدَى، وأخَذوا ما يوجِبُ لهم عذابَ اللهِ يومَ القيامةِ، وترَكوا ما يوجِبُ لهم غُفرانَه ورِضوانَه. فاستغنَى بذكرِ العذابِ والمغفرةِ من ذكرِ السببِ الذي يُوجِبُهما؛ لفَهْمِ سامعِي ذلكَ لمعناه والمرادِ منه. وقد بينّا نظائرَ ذلك فيما مضَى، وكذلك بينَّا وجْهَ اشتراءِ الضَّلالَةِ بالهُدَى، باختلافِ المختلِفينَ، [والأدلةَ الشاهدةَ لما] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "والدلالة الشاهدة بما".¥ اختَرنا من القولِ فيما مضَى قبلُ، فكرِهنا إعادتَه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 324 وما بعدها.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فما أجرأَهم على العملِ الذي يقرِّبُهم إلى النارِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} يقولُ: فما أجرأَهم على العملِ الذي يقرِّبُهم إلى النارِ!
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} يقولُ: فما أجْرَأَهم عليها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 66.¥!
حدثني ¬بعده في الأصل: "محمد بن".¥ المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يُونُسَ ¬في م، ت 1، ت 2: "بشر"، ومطموسة في الأصل، والمثبت مما سيأتي في ص 316.¥، عن الحسنِ في قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} قال: واللهِ ما لهم عليها من صبرٍ، ولكن ما أجْرَأَهم على النارِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور ص 40 (مخطوط) إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.¥!
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا مِسعرٌ، وحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا [ابنُ دُكينٍ] ¬في م: "أبو بكير"، وفي ت 1، ت 3: "أبو بكر".¥، قال: ثنا مِسعرٌ، عن حمادٍ، عن مجاهدٍ، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو بعضِ أصحابِه: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}: ما أجْرَأَهم ¬أخرجه سفيان في تفسيره ص 55 عن عبد الملك بن أبي سليمان عن مجاهد، وذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 286 عقب الأثر (1537) معلقًا عن سعيد.¥!
حُدثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} يقولُ: ما أجْرَأَهم وأصْبَرَهم على النارِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 286 عقب الأثر (1537) من طريق ابن أبي جعفر به.¥! وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما أعْملَهم بأعمالِ أهلِ النارِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} قال: ما أعملَهم بالباطلِ ¬تفسير مجاهد ص 219.¥.
حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
واختلفوا في تأويلِ "ما" الذي في قولِه: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ}. فقال بعضُهم: هو بمعنى الاستفهامِ، وكأنه قال: فما الذي صَبَّرهم؟ أيُّ شيْءٍ صبَّرهم؟.
ذِكرُ من قال ذلك
حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ}: هذا على وجهِ الاستفهامِ، يقولُ: ما الذي أصْبَرهم على النارِ ¬أخرجه البغوي في تفسيره 1/ 185 من طريق عمرو بن حماد وابن جريج به.¥؟
حدثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ الأعْورُ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} يقولُ: ما يُصبِّرُهم على النارِ حينَ ترَكوا الحقَّ واتَّبَعوا الباطلَ ¬¥؟
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: سُئل أبو بكرِ بنُ عياشٍ عن قولِه: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} قال: هذا استفهامٌ، ولو كانت من الصَّبْرِ قال: فما أصْبَرُهم. رفعًا. قال: يقالُ للرجلِ: ما أصبَرَكَ؟ ما الذي فعَل بكَ هذا؟
حدثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} قال: هذا استفهامٌ، يقولُ: ما هذا الذي صَبَّرهم علي النارِ حتى جَرَّأهم فعمِلوا بهذا؟
وقال آخرون: هو تعجُّبٌ، بمعنى: فما أشدَّ جُرْأتَهم على النارِ لعَملِهم أعمالَ أهلِ النار!
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ عُيَينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} قال: ما أعملَهم بأعمالِ أهلِ النارِ ¬أخرجه ابن عيينة - كما في الدر المنثور 1/ 169 - ومن طريقه سعيد بن منصور في سننه (244 - تفسير، وأبو نعيم في الحلية 3/ 290، وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥!
وهو قولُ الحسنِ البصريِّ وقتادةَ، وقد ذكَرناه قبلُ.
فمَن قال: هو تعجُّبٌ. وجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: أولئك الذين اشترَوُا الضلالَةَ بالهدَى والعذابَ بالمغفرةِ، فما أشدَّ جُرْأتَهم بفعلِهم ما فعَلُوا من ذلك، على ما يوجِبُ لهم النارَ! كما قال تعالى ذكرُه: {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]. تَعجُّبًا من كفرِه بالذي خلَقه وسوَّى خلْقَه.
فأما الذين وجَّهوا تأويلَه إلى الاستفهامِ فمعناهم ¬في م: "فمعناه".¥: هؤلاء الذين اشترَوُا الضلالَةَ بالهدَى والعذابَ بالمغفرةِ، فما الذي ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أصبرَهم على النارِ؟ والنارُ لا صبرَ عليها لأحدٍ، حتى استبدَلُوها بمغفرةِ اللهِ فاعتاضُوها منها بدلًا.
وأوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال: ما أجْرَأَهُم على النارِ! بمعنى: ما أجرَأَهم على عذابِ النارِ، وأعملَهم بأعمالِ أهلِها! وذلك أنه مسموعٌ من العربِ: ما أصبَرَ فلانًا على اللهِ! بمعنى: ما أجرَأَ فلانًا على اللهِ! وإنما يُعجِّبُ جلّ ثناؤه خَلْقَه بإظهارِه الخبرَ عن القومِ الذين يكتُمون ما أنزَل اللهُ تبارك وتعالى من أمرِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ونبوَّتِه، باشترائِهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "واشترائهم".¥ - بكتمانِ ذلك - ثمنًا قليلًا، من السُّحتِ والرِّشَا التي أُعطُوها، على وجهِ التعحبِ من تقدُّمِهم على ذلك، مع علمِهم بأن ذلك مُوجِبٌ لهم سَخطَ اللهِ تبارك وتعالى وأليمَ عقابِه.
وإنما معنى ذلك: فما أجرَأَهُم على عذابِ النارِ. ولكن اجْتُزِئَ بذكرِ النارِ من ذكرِ عذابِها، كما يقالُ: ما أشبهَ سخاءَك بحاتمٍ. بمعنى: ما أشبَهَ سخاءَك بسخاءِ حاتمٍ، وما أشبَهَ شَجاعتَكَ بعنترةَ.

Tafsir in other languages · 5