Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 188

Surah 2 : Ayah 188

وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ وَتُدْلُوا۟ بِهَآ إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا۟ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ

Do not consume one another’s property unjustly, nor entice the rulers[85] in order to consume a portion of people’s property wrongfully while you know [it is sin].

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولهِ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188)}.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ولا يأكُلْ بعضُكم مالَ بعضٍ بالباطلِ. فجعَل تعالى ذكرُه آكِلَ مالِ أخِيه بالباطلِ كالآكلِ مالَ نفسِه بالباطلِ. ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات: 11]. وقولُه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]. بمعنى: لا يَلْمِزْ بعضُكم بعضًا، ولا يقتُلْ بعضُكم بعضًا؛ لأنّ اللهَ تعالى ذكرُه جعَل المؤمنين إخوةً، فقاتلُ أخيه كقاتلِ نفسِه، ولامِزُه كلامِزِ نفسِه. وكذلك تفعلُ العربُ، تَكنى عن أنْفُسِها بإخوتِها، وعن إخوتِها بأَنْفُسِها، فتقولُ: أخي وأخوك أيُّنَا أبْطشُ. يعني: أنا وأنت نصْطَرِعُ فنَنْظُرُ أيُّنَا أشَدُّ. فيَكنى المتكلمُ عن نفْسِه بأخِيه؛ لأنّ أخَا الرجلِ عندَها كنفسِه، ومِن ذلك قولُ الشاعرِ ¬هو ثعلبة بن عمرو، والبيت في المفضليات ص 254، تأويل مشكل القرآن 1/ 114، معجم ما استعجم 4/ 1308.¥: أخِي وأخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْـ ... ــرِ ¬النسير: تصغير نَسر موضع في بلاد العرب كان فيه يوم من أيامهم. معجم البلدان 4/ 783. وقال ابن الأنباري في شرح المفضليات ص 513: غير الأصمعي: ببطى المسيب. وقال: هو واد.¥ لَيْسَ لَنا ¬في المصادر السابقة: "به".¥ مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ
¬ليس لنا عريب: ليس لنا أحد. المصدر السابق.¥ فتأويلُ الكلامِ: ولا يأكلْ بعضُكُم أموالَ بعضٍ فيما بيْنَكم بالباطلِ. وأكلُه بالباطلِ: أكلُه مِن غيرِ الوجهِ الذي أباحَه اللهُ تعالى ذكرُه لآكِلِيه.
وأما قولُه: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} فإنه يعني: وتُخاصِمُوا بها، يعني: بأموالِهم ¬في م، ت 1: "بأموالكم".¥ {إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا}. يعني: طائفةً {مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
ويعني بقوله: {بِالْإِثْمِ} أي: بالحرامِ الذي قد حرَّمَه اللهُ عليكم.
{وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: وأنتُم تَعَمَّدون أكلَ ذلك بالإثمِ على قَصْدٍ منكم إلى ما حرَّم اللهُ عليكم منه، ومَعرفةٍ بأنّ فِعلَكم ذلك معصيةٌ للهِ وإثمٌ.
كما حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}: فهذا في الرجلِ يكونُ عليه مالٌ وليس عليه فيه بينةٌ، فيجحَدُ المالَ فيخاصِمُهم فيه إلى الحكامِ وهو يعرفُ أنَّ الحقَّ عليه، وهو يعلمُ أنه آثمٌ آكلٌ حرامًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 321 (1704) من طريق أبي صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 203 إلى ابن المنذر.¥.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}. قال: لا تُخاصِمْ وأنت ظالمٌ ¬تفسير مجاهد ص 222، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (282 - تفسير) عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 203 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}: وقد كان يقالُ: من مشَى مع خَصمِه وهو له ظالمٌ فهو آثمٌ حتى يرجِعَ إلى الحقِّ. واعلمْ يا بنَ آدمَ أنّ قضاءَ القاضِي لا يُحِلُّ لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضِي القاضِي بنحوِ ما يرَى ويشهَدُ به الشهودُ، والقاضي بشرٌ يخطئُ ويصيبُ. واعلَموا أنه مَن قد قُضِي له بباطلٍ، فإنَّ خصومتَه لَمْ تنقَضِ حتى يجمَعَ اللهُ بينَهما يومَ القيامةِ، فيقضِيَ على المبطلِ للمحقِّ بأجودَ ¬في م: "ويأخذ".¥ مما قُضِيَ به للمبطِلِ على المحقِّ في الدنيا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 326 عن قتادة، دون أوله.¥.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}. قال: لَا تُدْلِ بمالِ أخيكَ إلى الحاكمِ وأنت تعَلمُ أنك ظالمٌ، فإنّ قضاءَه لا يُحِلُّ لك شيئًا كان حرامًا عليك ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 72. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 203 إلى ابن المنذر.¥.
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}: أما "الباطلُ"، يقولُ: يظلِمُ الرجلُ منكم صاحبَه، ثم يُخاصِمُه ليقْطعَ مالَه وهو يعلمُ أنه ظالمٌ، فذلك قولُه: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 325 عن السدي نحوه.¥.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني خالدٌ الواسطيُّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ قولَه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}. قال: هو الرجلُ الذي يشترِي السِّلْعةَ فيردُّها ويَردُّ معها درَاهمَ ¬سيأتي في تفسير الآية (29) من سورة النساء من طريق داود عن عكرمة عن ابن عباس.¥.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}. قال: يكونُ أجدَلَ منه، وأعرفَ بالحجةِ، فيخاصِمُه في مالِه بالباطلِ، ليأكلَ مالَه بالباطلِ.
وقرأ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]. قال: هذا القِمارُ الذي كان يعملُ به أهلُ الجاهليةِ ¬ينظر تفسير ابن كثير 1/ 325.¥.
وأصلُ "الإدلاءِ" إرسالُ الرَّجُلِ الدَّلوَ في سببٍ ¬السبب: الحبل.¥ مُتعلقًا به في البئرِ. فقيل للمُحْتَجِّ لِدَعواهُ ¬في م: "بدعواه".¥: أدْلَى بحجةِ كَيتَ وكَيتَ. إذ كانت حُجَّتُه التي يحتجُّ بها سبَبًا له هو به مُتعلِّقٌ في خُصومَتِه، كتعلُّقِ المستقِي من بئرٍ بدَلو قد أرسلَها فيها بسبَبِها الذي الدَّلوُ به مُتعلقةٌ، يقالُ فيهما جميعًا - أعني من الاحتجاجِ، ومِن إرسالِ الدَّلوِ في البئرِ بسببٍ -: أدلَى فلانٌ بحجَّتِه فهو يُدْلي بها إدلاءً، وأدْلَى دلْوَه في البئرِ فهو يُدْليها إدلاءً.
وأما قولُه: {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}. فإنّ فيه وجهين من الإعرابِ؛ أحدُهما، أن يكونَ قولُه {وَتُدْلُوا} جَزْمًا عطفًا على قولِه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ¬بعده في م، ت 1، ت 3: "أي".¥: ولَا تُدلوا بها إلى الحكَّامِ. وقد ذُكرَ أن ذلك كذلكَ في قراءةِ أُبيٍّ، بتكريرِ حرف النَّهْي: (وَلَا تُدْلوا بها إلى الحكَّامِ) ¬تفسير القرطبي 2/ 340، والبحر المحيط 2/ 56.¥.
والآخرُ منهما، النصبُ على الصرفِ ¬في م: "الظرف". وينظر كلام المصنّف على الصرف في 1/ 608، وفي تفسير الآية (143) من سورة آل عمران.¥، فيكونُ معناه حينئذٍ: لا تأكُلوا أموالَكم بينكم بالباطلِ وأنتم تُدلُون بها إلى الحكَّامِ، كما قال الشاعر ¬تقدم في 1/ 608.¥:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأتيَ مِثْلَهُ ... عارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
بمعنى: لا تنْهَ عن خلقٍ وأنت تأتي بمثلِه، عارٌ عليك.
وهو أنْ يكونَ في موضعِ جزمٍ - على ما ذُكرَ من ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بمعنى".¥ قراءةِ أُبيٍّ - أحسنُ منه أن يكونَ نصبًا.

Tafsir in other languages · 8