تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ، ومَن عُنِي بقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ}. وسبيلُ اللهِ طريقُه الذي أمَر أن يُسْلَكَ فيه إلى عدوِّه مِن المشركِين لجهادِهم وحربِهم، {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. يقولُ: ولا تَتْرُكُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ، فإنَّ اللهَ يعوِّضُكم منها أجرًا، ويَرزُقُكم عاجلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائبِ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "سفيان".¥، عن حذيفةَ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: يَعْني في تركِ النفقةِ [في سبيلِ اللهِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.
والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (2404) وفي (285 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 331 (1744) من طريق أبي معاوية به.¥،
حدَّثني محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حذيفةَ، وحدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الأعمشِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، جميعًا عن شَقيقٍ، عن حذيفةَ، قال: هو تَركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ ¬أخرجه البخاري (4516)، والبيهقي 9/ 45 من طريق شعبة به، وأخرجه سعيد بن منصور (285 - تفسير) عن سفيان بن عيينة عن الأعمش به. والأثر في تفسير سفيان ص 58 عن أبي عمر، عن أبي وائل، عن حذيفة، بلفظ: ألَّا تنفق. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 207 إلى وكيع وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنَّه قال في هذه الآيةِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: تُنْفِقُ في سبيلِ اللهِ وإن لم يَكُنْ لك إلَّا مِشقَصٌ ¬المِشْقَص: نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، فإذا كان عريضا فهو المِعْبَلة. النهاية 2/ 490.¥ أو سهمٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 330 (1742) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 207 إلى وكيع وعبد بن حميد.¥. شعبةُ الذي يَشُكُّ في ذلك.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ الذي كان يحدِّثُ عنه الكلبيُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن لم يَكُنْ لك إلا سهمٌ أو مِشْقَصٌ أنفِقْه ¬في م، ت 2، ت 3: "أنفقته".¥.
حدَّثني ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيىَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: في النفقةِ ¬تفسير سفيان ص 59.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ. {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: ليسَ التَّهْلُكةُ أن يُقْتَلَ الرجلُ في سبيلِ اللهِ، ولكنِ الإمساكُ عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ ¬رواه ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بنحوه - كما في تفسير مجاهد ص 224 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 207 إلى المصنف والفريابي وابن المنذر.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن عِكْرمةَ، قال: نزَلتْ في النفقاتِ في سبيلِ اللهِ. يعْني قولَه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ¬أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 38 من طريق هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 207 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صَخْرٍ، عن محمدِ ابنِ كَعْبٍ القُرظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: كان القومُ في سبيلِ اللهِ، فيتَزوَّدُ الرجلُ، فكان أفضلَ زادًا من الآخَرِ، أنفَق البائسُ مِن زادِه حتى لا يبقَى مِن زادِه شيْءٌ، أحبَّ أن يُواسِيَ صاحبَه، فأنْزَل اللهُ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 331، 332 (1746) من طريق يونس بن عبد الأعلى به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العَسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن منصورِ بنِ المُعْتَمِرِ، عن أبي صالحٍ مولى أُمِّ هانئٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: لا يَقولَنَّ أحدُكم: إنِّي لا أجِدُ شيئًا. إن لم يَجِدْ إلا مِشْقَصًا فلْيَجَّهَّزْ ¬في م، ت 1، ت 3: "فليتجهز".¥ به في سبيلِ اللهِ ¬أخرجه البيهقي 9/ 45 من طريق آدم به.¥.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتمِرُ، قال: سمِعتُ داودَ - يعني ابنَ أبي هندٍ - عن عامرٍ أن الأنصارَ كان احْتَبَس عليهم بعضُ الرزقِ، وكانوا قد أنفَقوا نفقاتٍ. قال: فساء ظنُّهم وأمسَكوا. قال: فأنزَل اللهُ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: وكانت التَّهْلُكةُ سوءَ ظنِّهم وإمساكَهم ¬أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 37 من طريق هشيم عن داود بن أبي هند به. وأخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2131)، والجهاد 1/ 280 (87)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 332 (1750)، وابن قانع في معجم الصحابة 2/ 33، والطبراني في الكبير 22/ 390 (970)، والأوسط (5671) من طريق حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال: [لا تَمْنَعنَّكم] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "تمنعكم".¥ نفقةً في حقِّ خِيفَةُ العَيْلةِ ¬تفسير مجاهد ص 224، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (2405) وفي (286 - تفسير) عن سفيان ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح به، وأخرجه سفيان في تفسيره ص 59 عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد نحوه.¥.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: كان قتادةُ يُحَدِّثُ أنَّ الحسنَ حدَّثه أنَّهم كانوا يسافِرون ويَغْزُون ولا يُنْفِقُون مِن أموالِهم. أو قال: لا يُنْفِقون في ذلك، فأمرَهم اللهُ أن يُنْفِقُوا في مغازِيهم في سبيلِ اللهِ ¬أخرجه البيهقي في الشعب (10902) من طريق ميمون، عن الحسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 207 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} يَقولُ: لا تُمْسِكوا بأيدِيكم عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 74.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ}. يقولُ: أنْفِقْ في سبيلِ اللهِ ولو عِقالًا، {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} تقولُ: ليس عندي شيْءٌ" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 331 عقب الأثر (1744) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غَسّانَ، قال: ثنا زُهَيرٌ، قال: ثنا خُصَيفٌ، عن عِكْرِمةَ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: لما أمَر اللهُ بالنفقةِ فكانوا أو بعضُهم يقولون: نُنْفِقُ فيَذْهَبُ مالُنا ولا يَبقَى لنا شيْءٌ ¬سقط من: الأصل.¥؟ قال: فقال: أنْفِقُوا ولا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التَّهْلُكةِ. قال: أنفِقُوا وأنا أرزُقُكم.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: نزَلت في النفقةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا أبوْ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ابن"، وينظر تهذيب الكمال 34/ 379.¥ هَمّامٍ الأهوازيُّ، قال: أخبَرَنا يونسُ، عن الحسنِ في التَّهْلُكةِ، قال: أمَرهم اللهُ بالنفقةِ في سبيلِ اللهِ، وأخبَرهم أنَّ تَرْكَ النفقةِ في سبيلِ اللهِ التَّهْلُكَةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: سأَلتُ عطاءً عن قوله: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: يقولُ: أنْفِقُوا في سبيلِ اللهِ ما قلَّ وكثُر. قال: وقال لي عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: نزَلت في النفقةِ في سبيلِ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 331 عقب الأثر (1744) معلقًا عن عطاء.¥.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا يَقولَنَّ الرجلُ: لا أجِدُ شيئًا، قد هلَكتُ. فَلْيتَجَهَّزْ ولو بمِشْقَصٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنِي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. يقولُ: أنْفِقُوا ما كان مِن قليلٍ أو كثيرٍ، ولا تَسْتَسْلِموا ولا تُنْفِقوا شيئًا فتَهلِكوا.
حدَّثني المثُنَىَّ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحّاكِ، قال: التَّهْلُكةُ أن يُمْسِكَ الرجلُ نفسَه ومالَه عن النفقةِ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 331 عقب الأثر (1744) معلقًا عن الضحاك.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. [قال: أمَر أن تُنْفِقوا في سبيلِ اللهِ، وقال: لا تُلقُوا بأيديكم إلى التهلُكةِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، فَتَدَعُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ.
[حدَّثنا ابنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: نا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: أنا أبو حذيفةَ، عن عَطَاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: ليس في القتالِ، ولكنْ حَبْسُكَ النَّفقةَ في سبيلِ اللهِ؛ لأنه عُرْضَةُ تَهْلُكةٍ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3. والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 207 إلى الفريابي والمصنف وابن المنذر.¥.
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ؛ عن أبي صالحٍ مَوْلَى أُمِّ هانِئٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: إن لم تجِدْ شيئًا إلا مِشْقَصًا فلْتَجَّهَّزْ به في سبيلِ اللهِ، ولا تقولَنّ: لا أجِدُ شيئًا قد هلكتُ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
وقال آخرون ممن وجَّه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "وجهوا".¥ تأويلَ ذلك إلى أنه معنيةٌ به النفقةُ: معنى ذلك: وأنفِقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ، فتَخْرُجوا في سبيلِ اللهِ بغيرِ نفقةٍ ولا قُوَّةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قولِه: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال: إذا لم يَكُنْ عندَك ما تُنْفِقُ، فلا تَخْرُجْ بنفسِك بغيرِ نفقةٍ [وقوةٍ] ¬في م: "ولا قوة".¥، فَتُلْقِيَ بيدَيك إلى التهلكةِ.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عَبْدُ اللهِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسْلَمَ في قولِ اللهِ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وذلك أنّ رجالًا كانوا يَخرُجون في بُعوثٍ يَبْعَثُها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بغيرِ] (2) [نفَقَةٍ فإمّا يُقْطَعُ بهم، وإمّا كانوا عيالًا، فأمَرهم اللهُ أن يَستَنْفِقُوا مما رزَقهم اللهُ ولا يُلْقوا بأيدِيهم إلى التَّهْلُكَةِ؛ [والتَّهْلُكَةُ] ¬سقط من: الأصل، والمثبت من مصدر التخريج.¥: أن يَهْلِكَ رجالٌ مِن الجُوعِ والعَطَشِ، أو مِن المشي، وقال لمن بيدِه فضلٌ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3. والأثر أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 331 (1745) من طريق يونس به.¥.
وقال آخرون: بل معناه: أنْفِقوا في سبيلِ اللهِ، ولا تُلْقُوا بأيدِيكم فيما أصَبْتُم مِن الآثامِ إلى التَّهْلُكَةِ، فتَأيسُوا مِن رحمةِ اللهِ، ولكنِ ارْجُوا رحمتَه، واعمَلوا الخيراتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحُاربِيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن البرَاءِ بنِ عازِبٍ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: هو الرجلُ يصيبُ الذنوبَ فيُلْقِي بيدِه إلى التَّهْلُكةِ، يقولُ: لا توبةَ لي ¬أخرجه البيهقي 9/ 45، وفي الشعب (7094) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 208 إلى سفيان بن عيينة والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيّاشٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البرَاءِ، قال: سأَله رجلٌ: أَحْمِلُ على المشركين وَحْدِي فيَقْتُلوني، أَكنتُ ألقَيْتُ بيَدِي إلى التَّهْلُكةِ؟ فقال: لا، إنما التَّهْلُكةُ في النفقةِ، بعَث اللهُ رسولَه، فقال: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} ¬أخرجه أحمد 30/ 427 (18477)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير 1/ 332 - من طريق أبي بكر بن عياش به. وينظر الفتح 8/ 185.¥ [النساء: 84].
حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا وَكيعُ بنُ الجَرّاحِ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، عن البراءِ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيقولُ: لا يَغْفِرُ اللهُ لي ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "له".
والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 208 إلى وكيع.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ وسأَله رجلٌ فقال: يا أبا عُمارةَ، أرأيتَ قولَ اللهِ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}: أهو الرجلُ يَتَقَدَّمُ فيُقاتِلُ حتى يُقْتَلَ؟ قال: لا، ولكنَّه الرجلُ يَعْمَلُ بالمعاصي، ثم يُلْقِي بيدِه ولا يَتوبُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 332 (1748)، والحاكم 2/ 275، والبيهقي في الشعب (7093) من طرق عن إسرائيل به، وعند ابن أبي حاتم: عن إسرائيل وأبيه، عن أبي إسحاق.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البَراءَ وسأَله رجلٌ، فقال: الرجلُ يَحْمِلُ على كتيبةٍ وحدَه فيُقاتِلُ، أهو ممن ألْقَى بيدِه إلى التهلكةِ؟ قال: لا، ولكنَّ التَّهْلُكةَ أن يُذْنِبَ الذَّنْبَ فيُلْقِيَ بيدِه، فيَقولَ: لا تُقْبَلُ لي توبةٌ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن الجَرّاحِ، عن أبي إسحاقَ، قال: قلتُ للبَراءِ بنِ عازبٍ: يا أبا عُمارةَ، الرجلُ يَلْقَى ألفًا مِن العدوِّ فيَحْمِلُ عليهم وإنَّما هو وحدَه، أفيكونُ ممن قال اللهُ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}؟ فقال: لا، لِيُقَاتِلْ حتى يُقْتَلَ، قال اللهُ لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ}.
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا هشامٌ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ عن قولِ اللهِ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} الآية. فقال عَبيدةُ: كان الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ - قال: حسِبتُه قال: العظيمَ - فيُلْقِي بيدِه فيَسْتَهْلِكُ، زاد يعقوبُ في حديثِه: فنُهوا عن ذلك، فقيل: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 332 عقب الأثر (1748)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 208 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا هشامٌ، عن ابنِ سِيرينَ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن ذلك، فقال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ فيُلْقِي بيدِه إلى التَّهلُكةِ، ويقولُ: لا توبةَ له. يعني قولَه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: كان الرجلُ يُصيبُ الذنبَ فيُلْقِي بيدِه.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ عَونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: القُنوطُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 208 إلى وكيع.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن يونسَ وهشامٍ عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ، يقولُ: لا توبةَ لي. فيُلْقِي بيدِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: حدَّثني أيوبُ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ أنه قال: هي في الرجلِ يصيبُ الذنبَ العظيمَ، فيُلْقِي بيَدِه ويَرَى أنَّه قد هلَك ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 74.¥.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنْفِقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تَتْرُكوا الجهادَ في سبيلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهبٍ، قال: أخبَرَني حَيْوَةُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أسلمَ أبي عِمرانَ، قال: غزَوْنا المدينةَ، يُرِيدُ القُسْطَنْطينيَّةَ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ. قال: فصفَفْنا صَفَّين، لم أرَ صفَّين قَطُّ أعرَضَ ولا أطوَلَ منهما، والرومُ مُلصِقون ظُهورَهم بحائطِ المدينةِ. قال: فحمَل رجلٌ منا على العدوِّ، فقال الناسُ: مَهْ! لا إلهَ إلا اللهُ، يُلْقِي بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ. فقال أبو أيوبَ الأنصاريُّ: إنما تَأوَّلون هذه الآيةَ هكذا أنْ حمَل رجلٌ ¬بعده في الأصل: "على رجل".¥ يُقاتِلُ يَلْتَمِسُ الشهادةَ أو يُبْلِي مِن نفسِه، إنما نزَلت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لماّ نصَر اللهُ نبيَّه، وأظهرَ الإسلامَ، قلنا بينَنا معشرَ الأنصارِ خَفِيًّا مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إنّا قد كنّا ترَكنا أهلَنا وأموالَنا أنْ نُقيمَ فيها ونُصْلِحَها حتى نصَر اللهُ نبيَّه، هَلُمَّ نقيمُ في أموالِنا ونُصْلِحُها. فأنزَل اللهُ الخبرَ مِن السماءِ: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} الآية
. والإلقاءُ بالأيدي إلى التَّهْلُكَةِ أن نُقيمَ في أموالِنا ونُصْلِحَها، ونَدَعَ الجهادَ. قال أبو عِمرانَ: فلم يَزَلْ أبو أيوبَ يُجاهدُ في سبيلِ اللهِ حتى دُفِن بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 330 من طريق يونس، عن ابن وهب، عن حيوة وابن لهيعة به.
وأخرجه أبو داود (2512)، والحاكم 2/ 84، والبيهقي 9/ 99 من طرق عن ابن وهب عن حيوة به، ورواية أبي داود مقرونة بابن لهيعة. وأخرجه الطيالسي (600)، والترمذي (2972)، والنسائي في الكبرى (11028، 11029)، وابن حبان (4711)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر ص 269، 270 من طرق عن حيوة به.
وأخرجه الثعلبي في تفسيره - كما في تخريج الكشاف للزيلعي 1/ 120 من طريق الليث عن يزيد به.
وعزاه الزيلعي إلى أحمد وإسحاق بن راهويه والسيوطي في الدر المنثور 1/ 207 إلى عبد بن حميد وأبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قالا: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عن". وينظر تهذيب الكمال 16/ 320.¥ عبدُ الله بنُ يزيدَ، قال: أخبرَني حَيْوةُ وابنُ لَهيعةَ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، قال: حدَّثني أسلمُ أبو عِمرانَ مولى تُجَيبَ ¬في الأصل، ت 2، ت 3: "تجوب". وينظر تهذيب الكمال 2/ 528.¥، قال: كنا بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ الجُهَنيُّ صاحبُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وعلى أهلِ الشامِ فَضالةُ بنُ عُبَيدٍ صاحبُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فخرَج مِن المدينةِ صفٌّ عظيمٌ مِن الرومِ. قال: وصفَفْنا صفًّا عظيمًا مِن المسلِمينَ، فحمَل رجلٌ مِن المسلِمينَ على صفِّ الرومِ حتى دخَل فيهم، ثم خرَج إلينا مُقبِلًا، فصاح الناسُ وقالوا: سبحانَ اللهِ، ألْقَى بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ! فقام أبو أيوبَ الأنصاريُّ صاحبُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيُّها الناسُ، إنكم تتَأوَّلون هذه الآيةَ على هذا التأويلِ، وإنَّما أُنْزِلَت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لما أعزَّ اللهُ دينَه وكثَّر ناصرِيه، قلنا فيما بينَنا بعضُنا لبع
ضِ سِرًّا مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إنَّ أموالَنا قد ضاعت، فلو أنَّا أَقَمْنا فيها فأصْلَحْنا ما ضاع منها. فأنزَل اللهُ في كتابِه يَرُدُّ علينا ما همَمْنا به، فقال: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.
بالإقامةِ التي أرَدْنا أن نُقِيمَ في الأموالِ ونُصْلِحَها، فأمرَنا بالغزوِ. فما زال أبو أيوبَ غازيًا في سبيلِ اللهِ حتى قبَضه اللهُ ¬أخرجه الطبراني (4060) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة وابن لهيعة به.
وأخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر ص 269، 270، والحاكم 2/ 275، والبيهقي 9/ 45، والواحدي في أسباب النزول ص 38 من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة - وحده - به.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أمَر بالإنفاقِ في سبيلِه بقولِه. {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} وسبيلُه: طريقُه الذي شرَعه لعبادِه وأوضَحَه لهم.
ومعنى ذلك: [{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ}] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: وأنْفِقوا في إعزازِ دينِي الذي شرَعْتُه لكم بجهادِ عدوِّكم النّاصِبينَ لكم الحربَ على الكفرِ بي. ونهاهم أن يُلْقُوا بأيدِيهم إلى التَّهْلُكةِ، فقال: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. وذلك مَثَلٌ، والعربُ تقولُ للمُسْتَسْلمِ للأمرِ: أعطَى فلانٌ بيَدَيْه. وكذلك يُقالُ للمُمَكِّنِ مِن نفسِه مما أُرِيد به: أعطَى بيدَيْه.
فمعنى قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}: ولا تَسْتَسْلِموا للهَلَكَةِ فتُعْطُوها أَزِمَّتَكم فتَهْلِكوا، والتاركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ عندَ وجُوبِ ذلك عليه مُسْتَسْلِمٌ للهَلَكَةِ بتركِه أداءَ فرضِ اللهِ عليه في مالِه، وذلك أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل أحدَ سِهامِ الصدقاتِ المفروضاتِ الثمانيةِ في سبيلِه، فقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ}. إلى قولِه: {وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60]. فمن ترَك إنفاقَ ما لزِمه مِن ذلك في سبيلِ اللهِ على ما لزِمه كان للهَلَكَةِ مستسلِمًا، وبيدَيْه للتَّهْلُكةِ مُلْقِيًا، وكذلك الآيِسُ مِن رحمةِ اللهِ لِذنبٍ سلَف منه مُلْقٍ بيدَيه إلى التَّهْلُكةِ؛ لأنَّ اللهَ قد نَهى عن ذلك فقال: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]. وكذلك التاركُ غزوِ المشركين وجهادِهم في حالِ وُجوبِ ذلك عليه في حالِ حاجةِ المسلمين إليه، مُضَيِّعٌ فرضًا، مُلْقٍ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ.
فإذا كانت هذه المعاني كلُّها يَحْتَمِلُها قولُه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ولم يكنِ اللهُ عزَّ وجلَّ خصَّ منها شيئًا دون شيْءٍ، فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه نهى عن الإلقاءِ بأيدِينا لِما فيه هلاكُنا والاستسلامِ للهَلَكَةِ - وهي العذابُ - بتركِ ما لزِمَنا مِن فرائضِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ منا الدخولُ في شيْءٍ يَكْرَهُه اللهُ منا مما نَسْتَوْجِبُ بدُخولِنا فيه عذابَه، غيرَ أنَّ الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّ الأغلبَ مِن تأويلِ الآيةِ: وأنْفِقُوا أيها المؤمنون في سبيلِ اللهِ، ولا تَتْرُكوا النفقةَ فيها فتَهْلِكُوا باستحقاقِكم بتركِكم ذلك عذابي.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}. قال: التَّهْلُكةُ عذابُ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 332 (1749) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 208 إلى ابن المنذر.¥.
فيكونُ ذلك إعلامًا منه لهم، بعد أمرِه إياهم بالنفقةِ، ما لمن ترَك النفقةَ المفروضةَ عليه في سبيلِه مِن العقوبةِ في المعادِ.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إدخالِ الباءِ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} وقد علِمتَ أنَّ المعروفَ مِن كلامِ العربِ: ألقَيتُ إلى فلانٍ درهمًا. دونَ: ألقَيتُ إلى فلانٍ بدرهمٍ؟
قيل: قد قِيل: إنها زِيدت نحوَ زيادةِ القائلِ ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "في".¥ الباءَ في قولِه: جذَبتُ الثوبَ، وجذَبتُ بالثوبِ، وتعَلَّقْتُ به، وتعلَّقتُه، و {تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ} [المؤمنون: 20]. وإنما هو: تُنبِتُ الدُّهْنَ.
وقال آخرون: الباءُ في قولِه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} أصلٌ للكَلِمةِ؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ واقعٍ ¬الفعل الواقع أو المجاوز، هو الفعل المتعدي؛ لأنَّ أثره لم يقتصر على الفاعل، وإنما جاوزه إلى المفعول به، فوقع مدلوله عليه. ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 16، وشرح ابن عقيل 1/ 534، والمصطلح النحوي ص 180.¥ كُنِي عنه فهو مُضْطرٌّ إليها، كنحوِ قولِك في رجلٍ كلَّمتَه، فأرَدتَ الكنايةَ عن فعلِه، فإذا أرَدتَ ذلك، قلتَ: فعلتُ به. قالوا؛ فلما كانت الباءُ هي الأصلَ جاز إدخالُ الباءِ وإخراجُها في كلِّ فعلٍ سبيلُه سبيلُ كَلِمَتِه.
وأمّا التَّهْلُكةُ، فإنها التَّفْعُلةُ مِنْ الهلاكِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)}.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: {وَأَحْسِنُوا}: أحسِنوا أيُّها المؤمنون في أداءِ ما ألزَمْتُكم مِنْ فرائضي، وتَجَنُّب ما أمَرتُكم بتَجَنُّبِه مِنْ معاصيَّ، وفي ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "من".¥ الإنفاقِ في سبيلي، وعَوْدِ القويِّ فيكم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "منكم".¥ على الضعيفِ ذي الخَلَّةِ ¬الخلة: الحاجة والفقر. اللسان (خ ل ل).¥، فإني أُحبُّ المحسنين في ذلك.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: أخبَرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِنْ الصحابةِ في قولِ اللهِ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. قال: أداءُ الفرائضِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 208 إلى المصنّف.¥.
وقال بعضُهم: معناه: أحسِنوا الظنَّ باللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحَكَمِ ابنِ أبانٍ، عن عِكْرمةَ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. قال: أحسِنوا الظنَّ باللهِ [يَبَرَّ بكم] ¬في م، ت 1: "يبركم"، وفي، 2: "بتركم"، وفي ت 3: "تبركم".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 333 (1752) من طريق حفص بن عمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 208 إلى عبد بن حميد.¥.
وقال آخرون: أحسِنوا بالعَوْدِ على المحتاجِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: عُودُوا على مَن ليس بيدِه شيْءٌ.
[حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرَني عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: قال لِمَن في يدِه فضْلٌ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}] ¬سقط من: م. وتقدم الأثر بأطول من هذا في ص 318، 319.¥.