تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}.
يعني جل ثناؤه بقولِه: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}: فإذا فرَغتم من حَجِّكم، فذبَحتم نَسائِكَكم فاذْكُروا اللهَ.
يقالُ منه: نَسَك الرجلُ يَنْسُكُ نُسْكًا ونُسُكًا ونَسِيكةً ومَنْسَكًا. إذا ذبَح نُسُكَه. والمَنْسِكُ اسمٌ مثلُ المشرقِ والمغربِ.
فأما النُّسْكُ في الدِّينِ، فإنه يقالُ منه: ما كان الرجلُ نَاسِكًا، ولقد نَسَك ونَسُك نَسْكًا ونِسْكًا ونَساكةً. وذلك إذا تَقَرَّأ ¬أي: تنسك وتفقه. الوسيط (ق ر أ).¥.
وبمثلِ الذي قلنا في معنى المناسكِ في هذا الموضعِ قال مجاهدٌ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثني أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ}. قال: إِهْراقَةُ الدِّماءِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 355 (1867) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 232 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وأما قولُه: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في صفةِ ذكْرِ القومِ آباءَهم الذين أَمَرهم اللَّهُ أن يجعَلوا ذكْرَهم إياه كذكرِهم إياهم ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "آباءهم".¥ أو أشدَّ ذكرًا؛ فقال بعضُهم: كان القومُ في جاهليتِهم بعدَ فراغِهم من حَجِّهم ومناسكِهم يجتَمعون فيتَفاخَرون بمآثرِ آبائِهم، فأمَرهم اللَّهُ في الإسلامِ أن يكونَ ذكْرُهم بالثناءِ والشكرِ والتعظيمِ لربِّهم دونَ غيرِه، وأن يُلْزِموا أنفسَهم من الإكثارِ من ذكرِه نظيرَ ما كانوا ألزَموا أنفسَهم في جاهليتِهم من ذكرِ آبائِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتصِرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ في هذه الآيةِ، قال: كانوا يذكُرون آباءَهم في الحَجِّ، فيقولُ بعضُهم: كان أبي يُطْعِمُ الطعامَ. ويقولُ بعضُهم: كان أبي يَضرِبُ بالسيفِ. ويقولُ بعضهم: كان أبي جَزَّ نواصِيَ بني فلانٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 232 إلى الفاكهي.¥.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يقولون: كان آباؤُنا ينحَرون الجُزُرَ، ويفعَلون كذا. قال: فنزَلت هذه الآيةُ: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. قال: كان أهلُ الجاهليةِ يذكُرون فَعَالَ آبائِهم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 356 عقب الأثر (1870) معلقًا، وينظر تفسير القرطبي 2/ 432.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عَيَّاشٍ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ إذا فرَغوا من الحَجِّ قاموا عندَ البيتِ، فيذكُرون آباءَهم وأيامَهم: كان أبي يُطْعِمُ الطعامَ، وكان أبي يفعَلُ. فذلك قولُه: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}. قال أبو كُرَيبٍ: قلتُ ليحيى بنِ آدمَ: عمَّن هو؟ قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَني حجاجٌ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ في قولِه: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}. قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم وقَفوا عندَ الجَمرةِ، فذكَروا آباءَهم، وذكَروا أيامَهم في الجاهليةِ وفَعالَ آبائِهم. قال: فنزَلت هذه الآيةُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 232 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}. قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم وقَفوا عندَ الجمرةِ، وذكَروا أيامَهم في الجاهليةِ وفَعالَ آبائِهم. قال: فنزلت هذه الآيةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}. قال: تفَاخَرَت العربُ بينَها بفعلِ آبائِها يومَ النحرِ حينَ فرَغوا، فأُمرُوا بذكْرِ اللَّهِ مكانَ ذلك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 232 إلى المصنف وعبد بن حميد، من تمام الأثر المتقدم في ص 535.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}. قال قتادةُ: كان أهلُ الجاهليةِ إذا قَضَوا مناسكَهم بمِنًى قعَدوا حِلَقًا، فذكَروا صنيعَ آبائِهم في الجاهليةِ وفَعالَهم، به يخطُبُ خطيبُهم، ويُحدِّثُ محدِّثُهم، فأمَر اللَّهُ - عز وجل - المسلمين أن يذكُروا اللَّهَ كذكرِ أهلِ الجاهليةِ آباءَهم أو أشدَّ ذكرًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم اجتمَعوا فافتَخروا وذكَروا آباءَهم وأيامَها، فأُمِروا أن يجعَلوا مكانَ ذلك ذكْرَ اللَّهِ، يذكُرونه كذكرِهم آباءَهم أو أشدَّ ذكرًا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 79.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ وعِكْرمةَ، قالا: كانوا يذكُرون فعلَ آبائِهم في الجاهليةِ إذا وقَفوا بعَرفةَ، فنزلَت هذه الآيةُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 232 إلى المصنف ووكيع.¥.
حدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] ¬سقط من: م.¥، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ذلك يومَ النحرِ حينَ ينحَرون. قال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}. قال: كانت العربُ يومَ النحرِ حينَ يفرُغون يَتفاخَرونَ بفَعَالِ آبائِها، فأُمِروا بذكرِ اللَّهِ - عزّ وجل - مكانَ ذلك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فاذكُروا اللَّهَ كذكرِ الأبناءِ والصِّبيانِ الآباءَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عثمانَ بنِ أبي رَوَّادٍ، عن عطاءٍ أنه قال في هذه الآيةِ: {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}. قال: هو قولُ الصبيِّ: [يا أباه] ¬في الأصل: "يأ باباه".¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو ¬سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال 17/ 418.¥ زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}: يعني بالذِّكْرِ ذكرَ الأبناءِ الآباءَ ¬ينظر تفسير ابن كثير 1/ 355.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}: أبَهْ أُمَّهْ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 355 عن ابن جريج به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا صالحُ بنُ عمرَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كالصبيِّ يَلْهَجُ [بأبيه وأمِّه] ¬في الأصل، ت 3: "بأبيه بأمه".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 356 (1871) من طريق عبد الملك به¥.
حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. يقولُ: كذكرِ الأبناءِ الآباءَ أو أشدَّ ذِكْرًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 36 عقب الأثر (1870) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. يقولُ: كما يذكُرُ الأبناءُ الآباءَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 355 عن المصنف.¥.
حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}: يعني ذكْرَ الأبناءِ الآباءَ.
وقال آخرون: بل قيل لهم: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ}. لأنهم كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم فدَعَوا ربَّهم، لم يذكُروا غيرَ آبائِهم، فأُمِروا من ذكرِ اللَّهِ نظيرَ ذكْرِ آبائِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. قال: كانت العربُ إذا قضَت مناسكَها وأقاموا بمِنًى، يقومُ الرجلُ فيسألُ اللَّهَ ويقولُ: اللهمَّ إن أبي كان عظيمَ الجَفْنةِ، عظيمَ القُبَّةِ، كثيرَ المالِ، فأعطِني مثلَ ما أعطيتَ أبي. ليس يذكُرُ اللَّهَ، إنما يذكُرُ آباءَه، ويسألُ أن يُعْطَى في الدنيا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 356 عقب الأثر (1870) من طريق عمرو به.¥.
والصوابُ من القولِ عندي في تأويلِ ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤه أمَر عبادَه المؤمنين بذكرِه بالطاعةِ له و ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "في".¥ الخضوعِ لأمرِه والعبادةِ له بعدَ قضاءِ مناسكِهم، وذلك الذكرُ جائزٌ أن يكونَ هو التكبيرَ الذي أمَر به جل ثناؤه بقولِه: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}. الذي أوجَبه على مَن قضَى نُسُكَه بعدَ قضائِه نُسُكَه، فألزَمه حينَئذٍ مِن ذكْرِه ما لم يكنْ له لازمًا قبلَ ذلك، وحَثَّ على المحافظةِ عليه محافظةَ الأبناءِ على ذكرِ الآباءِ في الإكثارِ منه، بالاستكانةِ له، والتَّضَرُّعِ إليه بالرغبةِ منهم إليه في حوائجِهم، تَضَرُّعَ الولدِ لوالدَيه، والصبيِّ لأمِّه وأبيه، أو أشدَّ من ذلك، إذ كان ما كان بهم وبآبائِهم مِن نعمةٍ فمنه، وهو وَلِيُّه.
وإنما قلنا: الذِّكْرُ الذي أمَر اللَّهُ جل ثناؤه به الحاجَّ بعدَ قضاءِ مناسكِه بقولِه: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. جائزٌ أن يكونَ هو التكبيرَ الذي وصَفنا؛ من أجلِ أنه لا ذكرَ للَّهِ أمَر العبادَ به بعدَ قَضاءِ مناسكِهم لم يكنْ عليهم من فرضِه قبلَ قضائِهم مناسكَهم، سوى التكبيرِ الذي خصَّ اللَّهُ به أيامَ مِنًى.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنه جل ثناؤه قد أوجَب على خلقِه بعدَ قضائِهم مناسكَهم من ذكرِه ما لم يكنْ واجبًا عليهم قبلَ ذلك، وكان لا شيءَ من ذكرِه خَصَّ به ذلك الوقتَ سوى التكبيرِ الذي ذكَرناه، كانت بَيِّنةً صحةُ ما قلنا في تأويلِ ذلك على ما وصَفنا.
القولُ في تأويلِ قولِه: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)}.
يعني جل ثناؤه بذلك: فإذا قَضَيتُم مناسِكَكم أيها المؤمنون، فاذْكُروا اللهَ كذِكْرِكم آباءَكم أو أشدَّ ذكرًا، وارغَبوا إليه فيما لديه من خيراتِ الدنيا والآخرةِ بابتهالٍ وَتَمَسْكُنٍ، واجعَلوا أعمالَكم لوجهِه خالصًا ولطلبِ مرضاتِه، وقولوا: ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ. ولا تكونوا كمَن اشترى الحياةَ الدنيا بالآخرةِ، فكانت أعمالُهم للدنيا وزينتِها، فلا يسألون ربَّهم إلا متاعًا ¬في م: "متاعها".¥، ولا حظَّ لهم في ثوابِ اللَّهِ، ولا نصيبَ لهم في جِنانِه وكريمِ ما أعدَّ لأوليائِه. كما قال في ذلك أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا}: هَبْ لنا غَنَمًا، هَبْ لنا إبلًا، {وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 357 عقب الأثر (1874) معلقًا.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: كانوا في الجاهليةِ يقولون: هَبْ لنا غَنَمًا ¬في م: "إبلا".¥. ثم ذكَر مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عياشٍ يقولُ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ في قولِه: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. قال: كانوا - يعني أهلَ الجاهليةِ - يقِفُون - يعني بعدَ قضاءِ مناسكِهم - فيقولون: اللهمَّ ارزقْنا إبلًا، اللهمَّ ارزقْنا غَنمًا. فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. قال أبو كُرَيبٍ: قلتُ ليحيى بنِ آدمَ: عمَّن هو؟ قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 232 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتصِرِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. قال: كانوا يطوفون بالبيتِ عُراةً فيَدْعُون فيقولون: اللهمَّ اسقِنا المطرَ، وأعطِنا على عدوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالحِين إلى صالحِين ¬¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا}: نصرًا ورزقًا، ولا يَسألون لآخرتِهم شيئًا ¬تفسير مجاهد ص 230، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 233 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}: فهذا عبدٌ نوَى الدنيا؛ لها عمِل ولها نَصِب ¬سيأتي بتمامه في ص 548.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. قال: كانت العربُ إذا قَضَت مناسكَها وأقامت بمِنًى، لا يذكُرُ اللَّهَ الرجلُ منهم، إنما يذكُرُ أباه، ويسألُ أن يُعْطَى في الدنيا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 357 عقب الأثر (1874) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. قال: كانوا أصنافًا ثلاثةً في تلك المواطنِ يومَئذٍ؛ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأهلُ الكفرِ، وأهلُ النفاقِ، فمِن الناسِ مَن يقولُ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}. إنما حَجُّوا للدنيا والمسألةِ، لا يريدون الآخرةَ ولا يؤمنون بها، ومنهم مَن يقولُ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} الآية. قال: والصنفُ الثالثُ وهو: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الآية ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 233 إلى المصنف.¥.
وأما معنى "الخَلَاقِ" فقد بيَّناه في غيرِ هذا الموضعِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في تأويلِه، والصحيحَ لَدينا من معناه بالشواهدِ من الأدلةِ، وأنه النصيبُ، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 2/ 365 وما بعدها.¥.