تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: هو دلالةٌ على عَددِ الطلاقِ الذي يكونُ للرجلِ فيه الرجعةُ على زوجتِه، والعدَدِ الذي تَبِينُ به زوجتُه منه.
ذكرُ من قال: إن هذه الآيةَ نزَلتْ لأنَّ أهلَ الجاهليةِ وأهلَ الإسلامِ قبلَ نزولِها لم يكنْ لطلاقِهم نهايةٌ تَبِينُ بالانتهاءِ إليها امرأتُه منه، ما راجَعها في عدَّتِها منه، فجعَل اللهُ لذلك حدًّا حرَّمَ بانتهاءِ الطلاقِ إليه على الرجلِ امرأتَه المطلَّقةَ إلَّا بعدَ زوجٍ، وجعَلها أملَكَ حينئذٍ بنفسِها منه.
ذِكرُ الأخبارِ الواردةِ بما قلنا في ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: كان الرجلُ يطلِّقُ ما شاءَ ثم إنْ راجَعَ امرأتَه قبلَ أن تنقضيَ عدَّتُها كانت امرأتَه، فغضِبَ رجلٌ من الأنصارِ على امرأتِه، فقال لها: لا أقرَبُك ولا تَحِلِّين مِنِّى. قالت له: كيفَ؟ قال: أُطلِّقُكِ، فإذا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "حتى إذا".¥ دَنَا أجلُكِ راجَعتُك، ثم أُطلِّقُك، فإذا دَنَا أجلُك راجعتُك. قال: فشكَتْ ذلك إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فأنزَل اللهُ جلّ ثناؤُه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} الآية ¬أخرجه مالك 2/ 588 - ومن طريقه الشافعي 2/ 68 (شفاء العى)، والبيهقي 7/ 333 - وعبد بن حميد - كما في تفسير ابن كثير 1/ 399، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 418 (2206) ص طريق هشام به.¥.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن أبيه، قال: قال رجلٌ لامرأتِه على عهدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: لا أُؤْوِيكِ، ولا أدَعُكِ تَحِلِّين. فقالت له: كيف تَصنَعُ؟ قال: أُطلِّقُكِ، فإذا دنَا مُضِىُّ عِدَّتِكِ راجعْتُكِ، فمتى تحلِّينَ؟ فأتت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فأنزَل اللهُ عزّ وجلّ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} قال: فاستقبلَه الناسُ جديدًا، من كان طلَّقَ ومَن لم يكنْ طلَّق ¬أخرجه الترمذي عقب حديث (1192) عن أبي كريب به، وابن أبي شيبة 5/ 260 عن ابن إدريس به. وأخرجه الترمذي (1192)، والحاكم 2/ 279، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير 1/ 399، 400 - والبيهقي 7/ 333 من طرق عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ؛ كان الرجلُ يطلِّقُ الثلاثَ والعشرَ وأكثرَ من ذلك، ثم يُراجِعُ ما كانت في العِدّةِ، فجعَل اللهُ جلَّ ثناؤُه حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ ¬ينظر تفسير ابن كثير 1/ 400.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُطلِّقُ أحدُهم امرأتَه ثم يراجِعُها، لا حدَّ في ذلك، هي امرأتُه ما راجَعها في عِدّتِها، فجعَل اللهُ تبارك وتعالى حدَّ ذلكَ يصيرُ إلى ثلاثةِ قُروءٍ، وجعَل حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}. قال: كان الطلاقُ، قبلَ أن يجعَلَ اللهُ الطلاقَ ثلاثًا، ليسَ له أمدٌ؛ يطلِّقُ الرجلُ امرأتَه مائةً، ثم إنْ أرادَ أن يُراجِعَها قبلَ أن تَحِلَّ، كان ذلك له، فطلَّقَ رجلٌ امرأتَه حتى إذا كادَتْ أن تحِلَّ ارْتَجَعها، ثم استأنفَ بها طلاقًا بعدَ ذلك يُضَارُّها بتركِها، حتى إذا كان قبلَ انقضاءِ عدَّتِها راجَعَها، وصنَع ذلك مرارًا، فلمَّا علِمَ اللهُ ذلك منه جعَل الطلاقَ ثلاثًا؛ مرَّتين، ثم بعدَ المرتينِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ ¬ينظر تفسير ابن كثير 1/ 400.¥.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}: أما قولُه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فهو الميقاتُ الذي يكونُ عليها فيه الرجعةُ ¬أخرجه البيهقي 7/ 367 من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي بإسناده.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال: إذا أرادَ الرجلُ أن يطلِّقَ امرأتَه فيطلِّقَها تَطليقتيْنِ، فإن أرادَ أن يُراجِعَها كانت له عليها رجعةٌ، وإن شاءَ طلَّقها أُخرَى، فلم تحِلَّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 261 عن أبي الأحوص به.¥.
فتأويلُ الآيةِ على هذا الخبرِ الذي ذكَرنا: عددُ الطّلاقِ الذي لكم أيُّها الناسُ فيه على أزواجِكم الرجعةُ، إذا كنَّ مَدخولًا بهنّ، تَطليقتان، ثم الواجبُ على من راجَع منكم بعدَ التطليقتيْنِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ؛ لأنه لا رجعةَ له بعد التَّطليقتين إنْ سرَّحها فطلَّقها الثالثةَ.
وقال آخرون: إنما أُنزِلتْ هذه الآيةُ علَى نبيِّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تعريفًا من اللهِ جلّ ثناؤُه عبادَه سُنَّةَ طلاقِهم نساءَهم إذا أرادُوا طلاقَهنَّ، لا دلالةً على العَدَدِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "القدر".¥ الذي به تَبِينُ المرأةُ من زوجِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي ¬في الأصل: "ابن".¥ إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال: يُطلِّقُها بعدَ ما تطْهُرُ مِن قبلِ جماعٍ، ثم يدَعُها حتى تَطْهُرَ مرَّةً أُخرى، ثم يطلِّقُها إن شاءَ، ثم إنْ أرادَ أنْ يُراجِعَها راجَعَها، ثم إنْ شاءَ طلَّقها، وإلَّا ترَكَها حتى تُتِمَّ ثلاث حِيَضٍ، وتَبينَ منهُ به ¬أخرجه النسائي (3394، 3395)، وابن ماجه (2021)، والدارقطني 4/ 5، والبيهقي 7/ 332 من طريق أبي إسحاق به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقتَيْنِ، فليتَّقِ اللهَ في التطليقةِ الثالثةِ، فإمَّا ¬بعده في م: "أن".¥ يُمسكُها بمعروفٍ فيُحْسِنُ صَحابتَها، أو يسرِّحُها بإحسانٍ، فلَا يظلِمُها من حقِّها شيئًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 419 (2208، 2209) من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال: يُطلِّقُ الرجلُ امرأتَه طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ، فإذا حاضَتْ ثم طَهُرتْ فقد تمَّ القرْءُ، ثم يطلِّقُ الثانيةَ كما طلَّق ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "يطلق".¥ الأولَى، إن ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "فإن".¥ أحبَّ أنْ يفعَلَ، فإذا طلَّق الثانيةَ ثم حاضت الحيضةَ الثانيةَ فهما تطليقتانِ وقُرْءَان، ثم قال اللهُ تبارك وتعالى في الثالثةِ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. فيطلِّقُها في ذلك القرءِ كلِّه إن شاءَ حينَ تجمَعُ عليها ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "عليه".¥ ثيابَها ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 261، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 418 (2207). من طريق ابن أبي نجيح به.
* من هنا خرم في النسخة الأصل، وينتهي عند قوله: فيه الرجعة مرتان. في ص 132.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنه قال: فحاضَت الحيضةَ الثانيةَ، كما طلَّق الأولَى، فهاتان تطليقتانِ وقُرْءانِ، ثم قال: الثالثةُ. وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ محمدِ بن عمرٍو، عن أبي عاصمِ.
فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: سُنَّةُ الطلاقِ التي سَنَنْتُها وأبَحتُها لكم، إذا أردْتم طلاقَ نسائِكم، أن تطلقوهنَّ ثِنتينِ في كلِّ طهرٍ واحدةً، ثم الواجبُ * بعدَ ذلك عليكم، إما أن تمسكوهنّ بمعروفٍ أو تسرِّحوهنَّ بإحسانٍ.
فالذي هو أوْلَى بظاهرِ التنزيلِ ما قاله عُروةُ وقتادةُ ومَن قال مثلَ قولِهما من أنَّ الآيةَ إنما هي دليلٌ على عددِ الطلاقِ الذي يكونُ به التحريمُ وبُطولُ الرجْعةِ فيه، والذي يكونُ فيه الرجعةُ منه، وذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه قال في الآيةِ التي تتلوها: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}. فعرَّف عبادَه القدرَ الذي به تحرُمُ المرأةُ على زوجِها إلَّا بعدَ زوجٍ، ولم يبيِّنْ فيها الوقتَ الذي يجوزُ الطلاقُ فيه، والوقتَ الذي لا يجوزُ ذلكَ فيه، فيكونَ موجِّهًا تأويلَ الآيةِ إلى ما رُوِي عن ابنِ مسعودٍ ومجاهدٍ ومن قال بمثلِ قولِهما فيه.
وأما قولُه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فإنَّ في تأويلِه وفيما عُنِى به اختلافًا بين أهلِ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ تعالَى ذكرُه بذلك الدلالةَ على اللازمِ للأزواجِ للمطلقاتِ ¬في ص: "المطلقات".¥ اثنتين بعدَ مُراجعتِهم إياهنَّ من التطليقةِ الثانيةِ من عِشرتِهن بالمعروفِ، أو فراقِهنَّ بطلاقٍ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}؟ قال: يقولُ: عندَ الثالثةِ إما أن يُمسِكَ بمعروفٍ، وإما أن يُسرِّحَ بإحسانٍ. وغيرُه ¬في م: "غيرها".¥ قالها. قال: وقال مجاهدٌ: الرجلُ أملكُ بامرأتِه في تطليقتين من غيرِه، فإذا تكلَّمَ الثالثةَ فليستْ منه بسبيلٍ، وتَعتدُّ لغيرِه ¬ينظر المحرر الوجيز 2/ 100.¥.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ قولَه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. فأين الثالثةُ؟ قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: " {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} " هي الثالثةُ" ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1457)، وابن أبي شيبة 5/ 259، 260، والبيهقي 7/ 340 من طريق أبي معاوية به، وأخرجه سعيد بن منصور (1456)، والحارث بن أبي أسامة (502 - بغية)، وابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير 1/ 400 - من طريق إسماعيل بن سميع به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 277 إلى وكيع وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، مَال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رزينٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}. فأين الثالثةُ؟ قال: " {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ".
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، يقولُ اللهُ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، فأين الثالثةُ؟ قال: "التَّسْريحُ بإحسانٍ" ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 93، وفي مصنفه (11091) - ومن طرف النحاس في ناسخه ص 225، 226، وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره - كما في تفسير ابن كثير 1/ 400 - وأبو داود في المراسيل ص 145، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 419 (2210) من طريق سفيان به.¥.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال: في الثالثةِ ¬ينظر المحرر 2/ 100.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان الطلاقُ ليس له وقتٌ حتى أنزَل اللهُ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ}. قال: الثالثةُ {إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 93، وفي مصنفه (11093).¥.
وقال آخرون منهم: بل عنَى اللهُ بذلك الدلالةَ على ما يلزَمُهم لهنَّ بعدَ التطليقةِ الثانيةِ من مُراجعةٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ، بتركِ رجْعتِهنَّ حتى تنقضيَ عدَّتُهنَّ، فيصِرْنَ أملكَ بأنفُسِهنَّ ¬في م: "لأنفسهن".¥. وأنكَروا قولَ الأوَّلين الذين قالوا: إنه دليلٌ على التطيقةِ الثالثةِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}: إذا طلَّقَ واحدة أو اثنتيْنِ، إما أن يُمسِكَ - ويمسكَ: يراجعَ - بمعروفٍ، وإما سكتَ عنها حتى تنقضيَ عدَّتُها، فتكونَ أحقَّ بنفسِها ¬ينظر المحرر الوجيز 2/ 100.¥.
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}: فالتسريحُ أن يدَعَها حتى تمضيَ عِدَّتُها ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3: "على".
(*) إلى هنا ينتهي الخرم المشار إليه في ص 129.¥.
حدَّثنا يحيى ¬¥ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال: يعني تطليقتيْنِ بينهما مُراجعةٌ، فأُمِر أنُ يمسِكَ أو يُسرِّحَ بإحسانٍ. قال: فإنْ هو طلَّقها ثالثةً، فلَا تَحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه.
وكأن قائلي هذا القولِ الذف ذكَرناه عن السُّدِّيِّ والضحاكِ ذهَبوا إلى أن معنى الكلامِ: الطلاقُ مرّتانِ، فإمساكٌ في كلِّ واحدةٍ منهما لهنَّ بمعروفٍ، أو تسريحٌ لهنَّ بإحسانٍ.
وهذا مذهبٌ مما يحتمِلُه ظاهرُ التنزيلِ لولَا الخبرُ الذي ذكَرتُه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، الذي رواه إسماعيلُ بنُ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، فإنَّ اتباعَ الخبرِ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أوْلى بنا مِن غيرِه. فإذ كان ذلك هو الواجبَ، فبيِّنٌ أن تأويلَ الآيةِ: الطلاقُ الذي لأزواجِ النساءِ على نسائِهم (*) فيه الرجعةُ مرتان، ثم الأمرُ بعدَ ذلك إذا راجَعوهُنَّ في الثانيةِ، إما إمساكٌ بمعروفٍ، وإما تسريحٌ منهم لهن بإحسانٍ بالتطليقةِ الثالثةِ حتى يَبِنَّ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "تبين".¥ مِنهم، فيَبطُلَ ¬في م: "فتبطل".¥ ما كان لهم عليهن من الرجْعةِ، ويصِرنَ أملكَ بأنفسِهنَّ ¬في م: "لأنفسهن".¥ منهم ¬في م: "منهن".¥.
فإن قال قائلٌ: وما ذلك الإمساكُ الذي هو بمعروفٍ؟
قيل: هو ما حدَّثني به عليُّ بنُ عبدِ الأعلَى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}. قال: المعروفُ أن يُحسنَ صُحبتَها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}. قال: ليتّقِ اللهَ فما التطليقةِ الثالثةِ، فإمّاُ يُمسِكُها بمعروفٍ فيحسِنُ صَحابتَها ¬في الأصل: "صحبتها". والأثر تقدم تخريجه في ص 128.¥.
فإن قال: فما التسريحُ الذي هو بإحسانٍ؟
قيل: هو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}: أو يُسرِّحُها فلا يظلِمُها من حقِّها شيئًا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال: هو الميثاقُ الغليظُ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قال: الإحسانُ أن يوفِّيَها حقَّها، فلا يُؤذِيَها ولا يَشتمَها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 419 (2211) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدٍ الأعلَى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}: فالتسريحُ بإحسانٍ أن يدَعَها حتى تمضيَ عِدّتُها، ويُعطيَها مَهرًا إنْ كان لها عليه إذا طلَّقها، فذلك التسريحُ بإحسانٍ، والمتعةُ على قَدْرِ الميسرَةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] قال: قولُه: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} ¬أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 143، وابن أبي حاتم في تفسيره 3/ 909 (5071) من طريقين، عن ابن عباس.¥.
بأن قال قائلٌ: فما الرافعُ للإمساكِ والتسريحِ؟
قيل: محذوفٌ اكتُفِيَ بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ مِن ذكرِه، ومعناه: الطلاقُ مرتان، فالأمرُ الواجبُ حينئذٍ ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "به".¥ إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسانٍ.
وقد بيَّنَّا ذلك مفسَّرًا في قولِه: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 3/ 110، 111.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}.
يعني بقولِه جلّ ثناؤُه: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}: ولا يَحِلُّ لكم أيُّها الرجالُ أن تأخُذوا مِن نسائِكم - إذا أنتم أردتُم طلاقَهن - لطلاقِكم وفراقِكم إياهنَّ، شيئاً مما أعطيتموهُنَّ من الصّداقِ، وسُقتُم إليهنَّ [من المهرِ] ¬سقط من: ص، م.¥، بل الواجبُ عليكم تسريحُهنَّ بإحسانٍ، وذلك إيفاؤُهنَّ حقوقَهنَّ من الصَّداقِ والمتعةِ وغيرِ ذلك مما يجبُ لهنَّ عليكم إلَّا أن يخافا ألا يُقيما حدودَ اللهِ.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}. وذلك قراءةُ عُظْمِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ ¬وهي قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبي عمرو والكسائي وخلف. ينظر النشر 2/ 171.¥، بمعنى: إلَّا أن يخافَ الرجلُ والمرأةُ ألا يقيمَا حدودَ اللهِ. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (إلَّا أنْ يَظُنَّا ألَا يُقيِما حُدودَ اللهِ).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، قال: أخبَرني ثورٌ، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قال: في حرفِ أُبيٍّ أن الفداءَ تطليقةٌ. قال ¬القائل هو معمر كما في مصنف عبد الرزاق.¥: فذكَرتُ ذلك لأيوبَ، فأتينا رجلًا عندَه مصحفٌ قديمٌ لأبيٍّ خرَج من ثقةٍ، فقرَأناه فإذا فيه: (إلَّا أنْ يَظُنَّا ألَّا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإنْ ظَنَّا ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه، لا تحلُّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيرَه) ¬مصنف عبد الرزاق (11763).¥.
والعربُ قد تضعُ الظَّنَّ موضعَ الخوفِ، والخوفَ موضعَ الظنِّ في كلامِها؛ لتقاربِ معنيَيْهما، كما قال الشاعرُ ¬هو أبو الغول الطُّهوي، والبيت في نوادر أبي زيد ص 46، ومعاني القرآن للفراء 1/ 146.¥:
أتانِي كَلامٌ عنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ ... ومَا خِفْتُ يا سَلَّامُ أنَّكَ عائبِي
بمعنى: وما ظَننتُ.
وقرأه آخرون من أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (إلَّا أنْ يُخافا) ¬وهي قراءة أبي جعفر ويعقوب وحمزة. النشر 1/ 171.¥. فأما قارئُ ذلك كذلك من أهلِ الكوفةِ، فإنه ذُكِر عنه أنه قرَأه كذلك اعتبارًا منه بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، وذُكِرَ أنه في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (إلَّا أنْ تَخافُوا ألَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ) ¬البحر المحيط 2/ 197.¥. وقراءةُ ذلك كذلك اعتبارًا بقراءةِ ابنِ مسعودٍ التي ذُكِرتْ عنه خطأٌ، وذلك أن ابنَ مسعودٍ إن كان قرَأه كما ذُكِرَ عنه، فإنما أعملَ الخوفَ في "أنْ" وحدَها، وذلك غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، كما قال الشاعرُ ¬هو أبو محجن الثقفي، عمرو بن حبيب. والبيتان في معاني القرآن للفراء 1/ 146، وخزانة الأدب 8/ 398، 399، 401، 402، وهمع الهوامع 2/ 2.¥:
إذَا مِتُّ فادْفِنِّي إلى أصْلِ ¬في م: "جنب".¥ كَرْمَةٍ ... يُرَوِّي عِظامي بَعْدَ مَوتي عُرُوقُها
ولَا تَدْفِنَنِّى بالفَلاةِ فإنَّنِي ... أخافُ إذَا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها
فأمّا قارئُه: (إلَّا أن يُخافَا). بذلك المعنَى، فقد أعمَل الخوفَ ¬سقط من: ص، م.¥ في متروكةٍ ¬في الأصل، ص، ت 1، ت 2: "متروكه".¥ تَسميتُه، وفي "أنْ"، فأعْمَله في ثلاثةِ أشياءَ ¬بعده في الأصل: "أحدهما".¥: المتروكِ الذي هو اسمُ ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، وفي "أنْ" التي تنوبُ عن شيئين. ولا تقولُ العربُ في كلامِها: ظُنّا أنْ يقوما. لكنّ قراءةَ ذلك كذلك صحيحةٌ على غيرِ الوجهِ الذي قرَأهُ مَنْ ذكَرْنا قراءَتَه كذلك، اعتبارًا بقراءةِ عبدِ اللهِ [التي وصَفْنَاها] ¬في ص، م: "الذي وصفنا".¥، ولكنْ على أن يكونَ مرادًا به إذا قُرئَ كذلك: إلا أن يُخافَا بألا يقيما حدودَ اللهِ. أو على ألا يقيما حدودَ اللهِ.
فيكونَ العاملُ في "أن" غيرَ "الخوفِ"، ويكونَ "الخوفُ" عاملًا فيما لم يُسمَّ فاعلُه. وذلك هو الصوابُ عندَنا من ¬في م: "في".¥ القراءةِ؛ لدلالةِ ما بعدَه على صحتِه، وهو قولُه: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} فكان بيِّنًا أن الأولَ بمعنى: إلَّا أن تَخافوا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ.
فإن قال قائلٌ: وأيةُ حالٍ الحالُ التي يُخافُ عليهما ألا يُقِيما حدودَ اللهِ، حتى يَجوزَ للرجلِ أنْ يأخُذَ حينئذٍ منها ما آتاها؟
قيل: حالُ نُشوزِها وإظهارِها له بِغْضتَه، حتى يُخافَ عليها تركُ طاعةِ اللهِ فيما ألزَمها ¬في م: "لزمها".¥ لزوجِها من الحقِّ، ويُخافَ على زوجِها بتقصيرِها في أداءِ حقوقه التي ألزَمها اللهُ له تركُه أداءَ الواجبِ لها عليه، فذلك حينَ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حدودَ اللهِ فيُطِيعاه فيما ألزَمَ كلَّ واحدٍ منهما لصاحبِه، والحالُ التي أباحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أخذَ ما كان آتَى زوجَته إذْ نَشَزتْ عليه بُغضًا منها له.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على فُضيلٍ، عن أبي حَرِيزٍ ¬في النسخ: "جرير". وينظر تهذيب الكمال 14/ 420.¥، أنه سأل عكرمةَ: هل كان للخُلعِ أصلٌ؟ قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إنَّ أولَ خُلعٍ كان في الإسلامِ أختُ عبدِ اللهِ بنِ أبَىٍّ؛ أنها أتتْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسولَ اللهِ لا يجمَعُ رأسِي ورأسَه شيْءٌ أبدًا، إني رفَعتُ جانبَ الخِباءِ فرأيتُه أقبَل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا، وأقصرُهم قامةً، وأقْبحُهم وجهًا. قال زوجُها: يا رسولَ اللهِ إني أعطيتُها أفضلَ مالي حديقةً، [فإنْ ردَّتْ] ¬في م: "فلتردد".¥ عليَّ حديقتي! قال: ما تقولين؟ قالت: نَعم، وإن شاءَ زِدْتُه. قال: ففرّقَ بينهما ¬ذكره ابن كثير 1/ 403 عن المصنف، وينظر الإصابة 7/ 557، وتخريج أحاديث الكشاف 1/ 145.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ مَعمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا أبو عَمرٍ والسَّدوسِيُّ، عن عبدِ اللهِ، يعني ابنَ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أن حبيبةَ ابنةَ سهلٍ كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، فضرَبها فكسَر بعضَها ¬في جامع الأصول (2094): "نغضها"، وذكر الشيخ شاكر أنها كذلك في نسختين من أبي داود، والمثبت موافق لما في مطبوعة سنن أبي داود وتفسير ابن كثير وإن غيرها ناشرو المطبوعة. ولم يذكر غيرها في عون المعبود 2/ 234، وقال ابن الأثير في جامع الأصول: النغض: أعلى الكتف، وقيل: هو العظم العريض الذي يسمى اللوح.¥، فأتت رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعدَ الصُّبحِ، فاشْتكتْه إليه ¬سقط من: ص، م.¥، فدعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثابتًا، فقال: "خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها". قال: ويصلُحُ ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قال: "نعم". قال: فإني أصدَقْتُها حديقتَيْنِ وهما بيدِها، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "خُذْهُمَا وفارِقْهَا". ففعَل ¬أخرجه أبو داود (2228) عن محمد بن معمر به، وأخرجه البيهقي 7/ 315 من طريق عبد الله بن أبي بكر، به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11762) من طريق عمرة به، وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 402.
¥.
حدثنا [ابن بشارٍ] ¬في م: "أبو يسار".¥، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا مالكٌ، عن يحيى، عن عَمْرةَ، أنها أخبرَته عن حبيبةَ ابنةِ سهلٍ الأنصاريةِ أنها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رآها عندَ بابِه بالغَلسِ، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ هَذِه؟ " قالت: أنا حبيبةُ ابنةُ سهلٍ، لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيسٍ. لزوجِها، فلما جاء ثابتُ بنُ قيسٍ قال له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "هَذِهِ حَبِيبَةُ ابنةُ سَهْلٍ تَذْكُرُ ما شاءَ اللهُ أنْ تَذْكُرَ". فقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللهِ، كلُّ ما أعطانِيه عندي. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "خُذْ مِنْها". فأخَذ منها وجلَستْ في بيتِها ¬أخرجه مالك 2/ 564 - ومن طريقه الشافعي في الأم 5/ 113، وأحمد 6/ 433 (الميمنية)، وأبو داود (2227)، والنسائي (3462)، وابن الجارود (749)، وابن حبان (4280)، والبيهقي 7/ 312، وأخرجه الشافعي 5/ 113 - ومن طريقه البيهقي 7/ 313 - من طريق يحيى به مختصرا، وأخرجه أبو داود (2228) من طريق عمرة به.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ ¬في الأصل: "زياد".¥، عن جميلةَ بنتِ أُبيِّ ابنِ سلولَ، أنها كانت تحت ¬في ص، م: "عند".¥ ثابتِ بنِ قيسٍ فنشَزتْ عليه، فأرسَل إليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "يا جَمِيلَةُ ما كَرِهْتِ مِنْ ثابِتٍ"؟ قالت: واللهِ ما كرِهتُ منه دِينًا ولَا خُلقًا، إلَّا أني كرِهتُ دَمامَتَه. فقال لها: "أتَرُدِّين الحَديقَةَ؟ " قالت: نعم. فرَدَّتِ الحديقةَ، وفرَّق بينهما ¬أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب 4/ 1802 من طريق ابن حميد به.¥.
وقد ذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في شأنِهما، أعني في شأنِ ثابتِ بنِ قيسٍ وزوجتِه هذه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في ثابتِ بنِ قيسٍ وفي حبيبةَ، قال: وقد كانت اشتكَته إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسولُ اللهِ: "تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟ فقالت: نعم. فدعاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فذكَر ذلك له. فقال: ويطيبُ لي ذلك يارسولَ اللهِ؟ قال: "نعم". قال ثابتٌ: قد فعَلْتُ. فنزَلتْ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} ¬أخرجه الدارقطني 3/ 255، والبيهقي 7/ 314، من طريق عن حجاج، عن ابن جريج، عن أبي الزبير.¥.
وأما أهلُ التأويلِ فإنهم اختَلَفوا في معنى الخوفِ منهما ألا يُقِيما حدودَ اللهِ، فقال بعضُهم: ذلك هو أن يظهرَ من المرأةِ سوءُ الخلقِ والعِشرةِ لزوجِها، فإذا ظهَر ذلك منها له، حلَّ له أخذُ ما أعطَتْه من فديةٍ على فراقِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}: إلَّا أن يكونَ النشوزُ وسوءُ الخلقِ مِن قِبَلِها، فتَدْعوَك إلى أن تَفتديَ منك، فلا جناحَ عليك فيما افتدَتْ به ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 420 (2217) من طريق أبي صالح به.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبَرني هِشامُ بنُ عروةَ، أن عروةَ كان يقولُ: لا يحِلُّ الفداءُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبَلِها، ولم يكنْ يقولُ: "لا يحِلُّ له" حتى تقولَ: لا أبَرُّ لكَ قَسمًا، ولا أغتسِلُ مِن جنابةٍ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 108 عن ابن علية به.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرني عَمرُو بنُ دينارٍ، قال: قال جابرُ بنُ زيدٍ: إذا كان الشَّرُّ ¬في م: "النشز".¥ مِن قِبلِها حلَّ الفداءُ (3).
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، أن أباه كان يقولُ: إذا كان سوءُ الخلقِ وسوءُ العِشْرَةِ مِن قِبلِ المرأةِ، فذاكَ يُحِلُّ خُلْعَها.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن حمادٍ، عن هشامٍ، عن أبيه أنه قال: لا يصلُحُ الخُلعُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبلِ المرأةِ ¬أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 23/ 370 من طريق حماد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 281 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السُّكَّريُّ ¬في ص، م: "القناد". وينظر تهذيب الكمال 16/ 413.¥، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ في امرأةٍ قالت لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمْرًا، ولا أغتسِلُ لك من جنابةٍ: قال: ما هذا؟ - وحرَّك يدَه - لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا! إذا كرِهتِ المرأةُ زوجَها فلْيأخُذْ ولْيترُكْها ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1417) عن إسماعيل به.¥.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال في المُختَلِعةِ: يَعِظُها، فإن انتهَتْ وإلا هجرَها، فإن انتهَتْ وإلا ضرَبها، فإن انتهتْ وإلا رفَع أمرَها إلى السلطانِ، فيبعَثُ حَكَمًا من أهلِه وحكَمًا من أهلِها، فيقولُ الحكمُ الذي من أهلِها: تفعلُ بها كذا وتفعلُ بها كذا. ويقولُ الحكَمُ الذي من أهلِه: تفعَلُ به كذا وتفعلُ به كذا. فأيُّهما كان أظلمَ ردَّه السلطانُ، وأخَذ فوقَ يدِه، وإن كانت ناشزًا أمَره أن يخلَعَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 156 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} إلى قولِه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}. قال: إذا كانت المرأةُ راضيةً مُغتبطةً مطيعةً، فلا يحلُّ له أن يضرِبَها حتى تفتديَ منه، فإن أخَذ منها شيئًا على ذلك، فما أخَذ مِنها فهو حرامٌ، وإن كان النشوزُ والبغضُ والظلمُ من قِبَلِها، فقد حلَّ له أن يأخُذَ منها ما افتدتْ به.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} قال: لا يحلُّ للرَّجلِ أن يَخْتلِعَ ¬في م: "يخلع".¥ امرأتَه إلا أن يُؤتَى ¬في م: "يرى".¥ ذلك مِنها، فأما أن يكونَ [ذلك منه] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، يُضَارُّها حتى تَختلِعَ، فإن ذلك لا يصلُحُ، ولكن إذا نشَزتْ فأظهَرتْ له البغضاءَ وأساءت عِشْرتَه، فقد حلَّ له خُلْعُها ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 93، وفي مصنفه (11815).¥.
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} قال: الصداقُ {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} وحدودُ اللهِ أن تكونَ المرأةُ ناشِزًا، فإن اللهَ أمَر الزوجَ أن يعِظَها بكتابِ اللهِ، فإن قبِلتْ وإلا هجَرها، والهَجْرُ ¬في ص، م: "الهجران".¥ ألا يُجامِعَها ولا يضاجِعَها على فراشٍ واحدٍ، ويُولِّيَها ظهرَه ولا يكلِّمَها، فإن أبَتْ غلَّظ لها ¬في م: "عليها".¥ القولَ بالشَّتيمةِ لترجِعَ إلى طاعتِه، فإن أبتْ فالضربُ ¬في الأصل: "فبالضرب".¥؛ ضربٌ غيرُ مُبرِّحٍ، فإن أبتْ إلا جِماحًا فقد أُحِلَّ له منها الفديةُ ¬ينظر التبيان 2/ 246.¥.
وقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك ألا تَبَرَّ له قَسَمًا ولا تطيعَ له أمرًا، وتقولَ: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أُطِيعُ لك أمرًا. فحينئذٍ يَحِلُّ له عندَهم أَخْذُ ما آتاها على فِراقِه إيّاها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ: إذا قالت: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أَبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمرًا. فحينئذٍ حلَّ الخُلعُ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 108، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 421 (2224) من طرق عن الحسن مختصرا.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: إذا قالت المرأةُ لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ، ولا أُقيمُ حدًّا من حدودِ اللهِ. فقد حلَّ له مالُها.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ سالمٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ، قلتُ: متى يحلُّ للرجلِ أن يأخُذَ من مالِ امرأتِه؟ قال: إذا أظهرَتْ بُغضَه وقالت: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ أنه كان يَعْجَبُ من قولِ مَن يقولُ: لا تحلُّ الفديةُ حتى تقولَ: لا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ. وقال: إن الزانِيَ يَزنِي ثم يغتسِلُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1416) من طريق مغيرة به عن الشعبي.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في الناشزِ، قال: إن المرأةَ ربما عصَتْ زوجَها ثم أطاعته، ولكن إذا عصَتْه فلم تَبَرَّ [له قَسَمًا] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "قسمه".¥، فعندَ ذلك تحِلُّ له ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الفديةُ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1439) من طريق مغيرة عن إبراهيم به.¥.
حَدَّثَنِي [موسى بنُ هارونَ] ¬في م: "يونس".¥، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}: لا يحلُّ له أن يأخُذَ من مهرِها شيئًا إلَّا أن [يكونا يخافان] ¬في م: "أن يخافا".¥ ألَّا يُقيما حدودَ اللهِ، فإذا لَمْ يقيما حدودَ اللهِ، فقد حلَّ له الفِدَى ¬في م: "الفداء". وهما واحد.¥، وذلك أن تقولَ له: واللهِ لا أبرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أُكرِمُ لك نفْسًا. ولا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ. فهو حدودُ اللهِ، فإذا قالت ذلك، فقد حلَّ الفِدَى للزوجِ أن يأخُذَه ويطلِّقَها.
حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنبسةُ، عن عليِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مِقْسمٍ في قولِهِ: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19] يقولُ: (إلَّا أن يُفْحِشْن) في قراءةِ ابنِ مسعودٍ ¬ينظر البحر المحيط 3/ 203.¥. قال: إذا عصتْكَ وآذَتْكَ، فقد حلَّ لك ما أخَذتَ منها ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 108 من طريق على به.¥.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}. قال: الخُلعُ. قال: ولا يحلُّ له إلَّا أن تقولَ المرأةُ: لا أَبَرُّ قسَمَه، ولا أطيعُ أمرَه. فيقبلَه خيفةَ
أن يسيءَ إليها إن أمسَكها ويتعدَّى الحقَّ.
وقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك أن [تُبْدِىَ له] ¬في ص: "تبتدي له" وفي م: "تبتذله".¥ بلسانِها قولًا أنَّها له كارهةٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ المصريُّ، قال: ثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن أيوبَ بنِ موسي، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: يُحِلُّ الخلعَ أن تقولَ المرأةُ لزوجِها: إني لأكرَهُكَ، وما أحبُّكَ، ولقد خشيتُ أن آثَمَ ¬في م: "أنام".¥ في جنبِكَ ولا أؤدِّيَ حقَّكَ. وتطيبَ نَفْسًا ¬في م: "نفسك".¥ بالخُلعِ.
وقال آخرون: بل الذي يبيحُ له أخذَ الفديةِ أن يكونَ خوفُ ألا يقيما حدودَ اللهِ منهما جميعًا لكراهةِ كلِّ واحدٍ منهما صُحبةَ الآخَرِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا حُميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، وحَدَّثَنِي يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ، قال: قال عامرٌ: أُحِلُّ له مالَها بنُشوزِه ونُشوزِها ¬ينظر التبيان 2/ 246.¥.
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال طاوسٌ: يُحِلُّ له الفِدى ما قال اللهُ تبارك وتعالى - ولم يكن يقولُ قولَ السفهاءِ: لا أبَرُّ لك قسمًا. ولكن يُحِلُّ الفداءَ ما قال اللهُ: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} فيما افْتَرَض لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من العِشرةِ والصحبةِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 109، وابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 420 (2216) عن ابن علية به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11818) عن ابن جريج به.¥.
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}. قال: فيما افتَرَض اللهُ عليهما في العِشرةِ والصُّحبةِ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 109 عن ابن علية به.
* من هنا خرم في النسخة الأصل، ينتهي في ص 149.¥.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى ابنُ شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، قال: لا يَحِلُّ الخلعُ حتى يخافا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ في العِشرةِ التي بينهما.
وأوْلى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: لا يَحِلُّ للرجلِ أخذُ الفديةِ مِن امرأتِه على فراقِه إيَّاها، حتى يكونَ خوفُ معصيةِ اللهِ من كلِّ واحدٍ منهما على نفسِه، في تفريطِه في الواجبِ عليه لصاحبِه منهما جميعًا، على ما ذكرناه عن طاوسٍ والحسنِ ومَن قال في ذلك مثلَ قولِهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه إنما أباحَ للزوجِ أخذَ الفدية من امرأتِه عندَ خوفِ المسلمين عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ.
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وصَفتَ، فالواجبُ أن يكونَ حرامًا على الرجلِ قبولُ الفديةِ منها إذا كان النشوزُ منها دونَه، حتى يكونَ منه من الكراهيةِ لها مثلُ الذي يكونُ منها؟
قيل له: الأمرُ في ذلك بخلافِ ما ظننتَ، وذلك أن في نشوزِها عليه داعيةً له إلى التقصيرِ في واجبِها، ومجازاتِها * بسوء فِعْلِها به، وذلك هو المعنى الذي يوجبُ للمسلمين الخوفَ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ. فأمَّا إذا كان التفريطُ من كلِّ واحدٍ منهما في واجبِ حقِّ صاحبِه قد وُجدَ، وسوءُ الصحبةِ والعِشرَةِ قد ظهَر للمسلمين، فليس هناك للخوفِ موضعٌ، إذْ كان الخوفُ قد وُجدَ، وإنما يُخافُ وقوعُ الشيءِ قبلَ حُدوثِه، فأما بعدَ حُدوثِه فلا وجهَ للخوفِ مِنه ولا الزيادةِ في مكروهِه.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ} التي إذا خيفَ من الزوجِ والمرأةِ ألا يُقيماها حَلَّتْ له الفديةُ من أجلِ الخوفِ عليهما تَضْييعَها ¬في م: "بصنيعها".¥؛ فقال بعضُهم: هو استخفافُ المرأةِ بحقِّ زوجِها وسوء طاعتِها إيَّاه، وأذاها له بالكلامِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}. قال: هو تركُها إقامةَ حدودِ اللهِ، واستخفافُها بحقِّ زوجِها، وسوءُ خلُقِها، فتقولُ له: واللهِ لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطأُ لك مَضجَعًا، ولا أطيعُ لك أمرًا. فإن فعَلتْ ذلك فقد حَلَّ له منها الفديةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 421 (2221) من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ في قولِه {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.
قال: إذا قالت: لا أغتسلُ لك من جنابةٍ. حلَّ له أن يأخُذَ منها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 421 (2224) من طريق يزيد.¥.
حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا حبَّانُ بنُ موسي، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا يونسُ، عن الزهريِّ، قال: يَحِلُّ الخلعُ حين يخافان ألا يقيما حدودَ اللهِ وأَداءَ حدودِ اللهِ في العِشرةِ التي بينَهما ¬ينظر التبيان 2/ 247.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: فإن خفتم ألا يطيعا اللهَ.
ذِكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عامرٍ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ}. قال: ألا يطيعا اللهَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 421 (2222) من طريق إسرائيل به.¥.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحدودُ الطاعةُ.
والصوابُ من القولِ في ذلك: فإن خفتم ألا يُقيما [ما أوجَب] ¬في م: "حدود الله ما أوجب".¥ اللهُ عليهما مِن الفرائضِ، فيما أُلْزِمَ كلُّ واحدٍ منهما من الحقِّ لصاحبِه من العِشرةِ بالمعروفِ، والصُّحبةِ بالجميلِ، فلا جناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به.
وقد يدخلُ في ذلك ما رَوَيْناه عن ابنِ عباسٍ والشعبيِّ، وما رَوَيْنا عن الحسنِ والزهريِّ، لأنَّ من الواجبِ للزوجِ على المرأةِ طاعتَه فيما أوجَب اللهُ طاعتَه فيه، ولا تؤذِيه بقولٍ، ولا تمتنِعُ عليه إذا دعاها لحاجتِه، فإذا خالَفتْ ما أمرَها اللهُ به من ذلك كانت قد ضيَّعتْ حدودَ اللهِ التي أمرَها بإقامتِها ¬في ص: "بإدامتها".¥.
وأما معنى إقامةِ ¬في ص: "إدامة".¥ حدودِ اللهِ، فإنه العملُ بها، والمحافظةُ عليها، وتركُ تضْيِيعِها، وقد بينَّا ذلك فيما مضَى قبلُ مِن كتابِنا هذا، بما يدلُّ على صحتِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 247، 3/ 274.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيمَ الزوجان ما حدَّ اللهُ لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من حقٍّ، وألزَمه له مِن فرضٍ، وخَشِيتم عليهما تضييعَ فرضِ اللهِ وتعدِّيَ حدودِه في ذلك، فلا جناحَ حينئدٍ عليهما فيما افتدَتْ به المرأةُ نفسَها من زوجِها، ولا حرجَ عليهما فيما أعطَتْ هذه على فراقِ زوجِها إيّاها ¬في م: "إياه".¥، ولا على هذا فيما أخَذ منها من الجُعلِ والعِوَضِ عليه.
فإن قال قائلٌ: وهل كانت المرأةُ حَرِجةً لو كان الضِّرارُ من الرجلِ بها حتى افتدَتْ به نفْسَها، فيكونَ لا جناحَ عليهما ¬في م: "عليها".
* إلى هنا ينتهي الخرم المشار إليه في ص 146.¥ فيما أعطَتْه من الفديةِ على فِراقِها إذا كان النشوزُ مِن قِبَلِها؟
قيل: لو علِمتْ في حالِ ضِرارِه بها ليأخذَ منها ما آتاها أن ضِرارَه ذلك إنما هو ليأخذَ منها ما حرَّمَ اللهُ عليه أخذَه * على الوجهِ الذي نهاهُ اللهُ عن أخذِه منها، ثم قَدَرتْ أن تمتنِعَ مِن إعطائِه ذلك ¬سقط من: ص، م.¥ بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا خوفَ ¬في ص، م: "حق".¥ عليها في ذهابِ حقٍّ لها، لما حلَّ لها إعطاؤُه ذلكَ، إلَّا علَى وجهِ طيبِ النفسِ منها بإعطائِه إيَّاهُ على ما يَحِلُّ له أخذُه منها؛ لأنها متى أعطَتْه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها وهي قادرةٌ على مَنعِه ذلكَ بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا في حقٍّ لها تخافُ ذهابَه، فقد شارَكَتْه في الإثمِ بإعطائِه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها على الوجهِ الذي أعطتْه عليْه، فلذلك ¬في م: "فكذلك".¥ وُضِع عنها الجناحُ إذا ¬في الأصل: "إذ".¥ كان النشوزُ من قِبلِها، وأعطَتْه ما أعطَتْه من الفديةِ بطيبِ نفسٍ؛ ابتغاءً منها بذلك سلامتَها وسلامةَ صاحبِها من الوِزْرِ والمأثمِ، وهي - إذا أعطَتْه على هذا الوجهِ - باستحقاقِ الأجرِ والثوابِ من اللهِ أوْلى إن شاءَ اللهُ من الجنُاحِ والحرجِ، ولذلك قال جلّ ثناؤُه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فوضَع الحرجَ عنها فيما أعطَت
ْه على هذا الوجهِ من الفديةِ على فِراقِه إيَّاها، وعنه فيما قبَض منها إذ كانت مُعطيةً على المعنى الذي وصَفْنا، وكان قابضًا منها ما أعطتْه من غيرِ ضِرارٍ، بل طلَبَ السلامةِ لنفسِه ولها في [أديانِهما وحذارًا للأوزارِ] ¬في ص: "أورالهما وحذار الأوزار"، وفي م: "أديانهما وحذار الأوزار".¥ والمأثمِ.
وقد يتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤُه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} وجهًا آخرَ من التأويلِ، وهو أنَّها لو بذَلتْ له ما بذَلتْ من الفديةِ على غيرِ الوجهِ الذي أذِن نبيُّ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لامرأةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وذلك لكراهتِها أخلاقَ زوجِها أو دمامةَ خَلْقِه، وما أشبَهَ ذلك من الأمورِ التي يكرهُها الناسُ بعضُهم من بعضٍ، ولكن على الانصرافِ منها بوجْهِها إلى آخرَ غيرِه على وجهِ الفسادِ وما لا يَحِلُّ لها - كان حرامًا عليها أنْ تُعطىَ على مسألتِها إياهُ فِراقَها على ذلك الوجهِ شيئًا؛ لأنَّ مسألتَها إيّاه الفرقةَ على ذلك الوجهِ معصيةٌ منها للهِ، وتلك هي المُخْتلِعةُ - إن خولِعتْ على ذلك الوجهِ - التي رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه سمَّاها منافقةً.
كما حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن ليثٍ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيُّمَا امرأةٍ سأَلَتْ زوجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهَا رَائحَةَ الجَنَّةِ". وقال: "المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المنُافِقَاتُ" ¬أخرجه الروياني في مسنده (638) من طريق معتمر به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مُزاحمُ بنُ ذَوَّادِ بنِ عُلْبةَ، عن أبيه، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن أبي الخطابِ، عن أبي زُرعةَ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ" ¬أخرجه الترمذي (1186)، وابن عدي 3/ 986 عن أبي كريب به، وأخرجه البيهقي في الشعب (5503) من طريق ليث، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن ثوبان. وينظر علل ابن أبي حاتم 1/ 304 (913).¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن أشعثَ بنِ سَوّارٍ، عن الحسنِ، عن ثابتِ بنِ يزيدَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ المُخْتلِعاتِ المُنْتَزِعاتِ هُنَّ المُنافِقاتُ" ¬أخرجه الطبراني في الكبير 17/ 339 (935) من طريق قيس به.¥.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عمَّن حدَّثه، عن ثوبانَ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيُّمَا امْرَأةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها طَلاقًا من غَيرِ بَأسٍ، فَحَرَامٌ علَيها رَائحَةُ الجَنَّة" ¬أخرجه الترمذي (1187) عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد 5/ 277 (الميمنية) عن ابن علية به.¥
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ الرحبيِّ، عن ثوبانَ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نحوَه ¬أخرجه الدارمي 2/ 162، وابن ماجه (2055) عن أبي النعمان به، وأخرجه أحمد 5/ 283 (الميمنية)، وأبو داود (2226)، والحاكم 2/ 200، والبيهقي 7/ 316 من طريق حماد بن زيد به.¥.
فإذ كان من وجوهِ افتداءِ المرأةِ نفسَها من زوجِها ما تكونُ به حَرِجةً، وعليها في افتدائِها نفسَها على ذلك الحَرجُ والجُناحُ، وكان من وجوهِه ما يكونُ الحرجُ والجُناحُ فيه على الرجلِ دونَ المرأةِ، ومنه ما يكونُ عليهما، ومنه ما لا يكونُ عليهما فيه حرجٌ ولا جُناحٌ، قيل في الوجهِ الذي لا حرجَ عليهما فيه: لا جُناحَ إذْ كانا فيما حاولا وقصَدا من افتراقِهما بالجُعْلِ الذي بذَلتْه المرأةُ لزوجِها لا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من الوجهِ الذي أُبيحَ لهما، وذلك أن يخافا ألا يقيما حدودَ اللهِ بمقامِ ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "مقام".¥ كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ ¬هو الفراء في معاني القرآن 1/ 147.¥ أن في ذلك وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ مرادًا به: فلا جُناحَ على الرجلِ فيما افتدتْ به المرأةُ، دونَ المرأةِ. وإن كانا قد ذُكرا جميعًا، كما قال في سورةِ "الرحمنِ": {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}. [وإنَّما يَخْرُجُ - زعَم - اللؤْلُؤُ والمَرْجانُ] ¬سقط من: ص، وفي م، ت 1، ت 2، ت 3: "وهما".¥ من المِلحِ لا مِن العذْبِ. قال: ومِثلُه: {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61] وإنما النّاسي صاحبُ موسى وحدَه. قال: ومِثلُه في الكلامِ أن تقولَ: عندي دابتان أركبُهما وأستَقِي عليهما. وإنما تَركبُ إحداهما وتَسْتَقِي على الأُخْرى. قال: وهذا من سَعةِ العربيةِ التي يُحتجُّ بسَعتِها في الكلامِ. قال: والوجهُ الآخرُ، أن يشترِكا جميعًا في ألا يكونَ عليهما جُناحٌ، إذْ كانت تُعطِي ما قد نُفِيَ عن الزوجِ فيه الإثمُ، اشترَكت فيه؛ لأنها إذا أعطتْ ما يُطرحُ فيه المأثمُ احتاجتْ إلى مثلِ ذلك.
قال أبو جعفرٍ: فلم يُصِبِ الصوابَ في واحدٍ مِن الوجهين، ولا في احتجاجِه بما احتجَّ به مِن قولِه: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}. فأما قولُه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} فقد بينّا وجهَ صوابِه، وسنُبَيِّنُ وجهَ قولِه: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} في موضعِه إذا أتينا عليه، إن شاء اللهُ.
وإنما خَطَّأْنا قولَه ذلك؛ لأن اللهَ تبارك وتعالى قد أخبرَ عن وضعِه الحرجَ عن الزوجيْنِ إذا افتدت المرأةُ مِن زوجِها على ما أذِنَ، وأخبرَ عن البحرين أن منهما يخرُجُ اللؤلؤُ والمرجانُ، فأضاف الخبرَ ¬سقط من: ص، م.¥ إلى اثنيْن. فلو جازَ لقائلٍ أن يقولَ: إنما أريدَ به الخبرُ عن أحدِهما فيما لم يكنْ مُستحيلًا أن يكونَ عنهما، جازَ في كلِّ خبرٍ كانَ عن اثنينِ - غيرُ مُستحيلةٍ صحتُه أن يكونَ عنهما - أن يقالَ: إنما هو خبرٌ عن أحدِهما.
وذلك قلبُ المفهومِ من كلامِ الناسِ والمعروفِ من استعمالِهم في مخاطباتِهم. وغيرُ جائزٍ حملُ كتابِ اللهِ عز وجلَّ ووَحْيِه جلَّ ذكرُه على الشواذِّ من الكلامِ، وله في المفهومِ الجارِي بين الناسِ وجهٌ صحيحٌ موجودٌ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.
أمَعنيٌّ به أنهما موضوعٌ عنهما الجُناحُ في كلِّ ما افتدتْ به المرأةُ نفسَها من شيءٍ أم في بعضِه؟ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: فلا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من صَداقِها الذي كان آتاها زوجُها الذي تختلِعُ منه. واحتجُّوا في قولِهم ذلك بأن آخرَ الآيةِ مردودٌ على أوَّلِها، وأن معنى الكلامِ: ولا يحِلُّ لكم أن تأخُذوا مما آتَيْتموهنَّ شيئًا إلا أن يَخافا ألا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإن خِفتم ألا يُقيما حُدودَ اللهِ فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به مما آتيتموهنَّ.
قالوا: فالذي أحلّه اللهُ لهما من ذلك عندَ الخوفِ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ هو الذي كان حظَرَ عليهما قبلَ حال الخوفِ عليهما من ذلك. واحتجُّوا في ذلك بقصةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إنما أمَر امرأتَه إذْ نَشَزَت عليه أن تردَّ ما كان ثابتٌ أصْدَقها، وأنها عرَضت الزيادةَ فلم يقبَلْها النبيٌّ - صلى الله عليه وسلم -.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، لَال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ أنه كان يقولُ: لا يصلُحُ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما ساقَ إليها. ويقولُ: إن اللهَ يقولُ: (فَلا جُناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به منه). يقولُ: من المهرِ، وكذلك كان يَقْرَؤُها: (فيما افتدَتْ به منه) ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 419 (2213) من طريق ابن أبي جعفر به. والقراءة شاذة؛ لمخالفتها رسم المصحف.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ شعيبٍ وعطاءَ بنَ أبي رباحٍ والزهريَّ يقولون في الناشزِ: لا يأخُذُ منها زوجُها ¬سقط من: ص، م.¥ إلا ما ساقَ إليها ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 123 من طريق الأوزاعي به.¥.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: الناشزُ لا يأخُذُ إلا ما ساق إليها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كَرِه أنْ يأخذَ في الخلعِ أكثرَ مما أعطاها ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1435) من طريق عبد الملك، عن عطاء.¥.
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، قال: كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ الرجلُ من المختلِعةِ فوقَ ما أعطاها، وكان يرى أن يأخُذَ دونَ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، مَال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٍ، عن الشعبيِّ، قال: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11849)، وابن أبي شيبة 5/ 123 عن الثوري به.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَكرَهُ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها. يعني المختلِعَةَ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1434) عن هشيم به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن الحكمِ بنِ عُتيبَةَ، قال: كان عليٌّ يقولُ: لا يأخذُ من المختلعةِ فوقَ ما أعطاها ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 123 عن ابن إدريس به، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11844)، وابن أبي شيبة 5/ 122، 123 من طريق ليث به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ¬في ص، م: "سعيد".¥، عن الحَكَمِ أنه قال في المُختلعةِ: أحبُّ إليَّ ألا يَزدادَ ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 123 من طريق شعبة به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، أن الحسنَ كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1426)، وابن أبي شيبة 5/ 123 من طرق عن الحسن.¥.
حدثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، أنه سأل الحسنَ - أو أن الحسنَ سُئِلَ - عن رجلٍ تزوَّج امرأةً على مائتي درهمٍ، فأرادَ أن يخلَعَها، هل له أن يأخذَ أربعَمائةٍ؟ فقال: لا واللهِ، [لا أرَى] ¬سقط من: ص، م.¥ ذاك؛ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها. قال مَعمرٌ: وبلَغني عن عليٍّ أنه كان يَرَى ألا يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11848) عن معمر، عمن سمع الحسن، وقول معمر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11845).¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرِيِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: ما أُحِبُّ أن يأخذَ منها كلَّ ما أعطاها حتى يَدَعَ لها منه ما يُعِيشُها ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11846).¥.
حدثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، أن أباه كان يقولُ في المفتديةِ: لا يَحِلُّ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11838) عن معمر وابن جريج، عن ابن طاوس، به.¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، قال: لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يأخذَ من امرأتِه أكثرَ مما أعطاها ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 123 من طريق آخر عن الزهري به.
* من هنا خرم في الأصل ينتهي في ص 164.¥.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من قليلِ ما تملِكُه وكثيرِه. واحتجُّوا لقولِهم ذلك بعمومِ الآيةِ، وأنه غيرُ جائزةٍ إحالةُ ظاهرٍ عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ، إلا بحجةٍ يَجبُ التسليمُ لها. قالوا: ولا حُجَّةَ يجبُ التسليمُ لها بأنَّ الآيةَ مرادٌ بها بعضُ الفديةِ دونَ بعضٍ من أصلٍ أو قياسٍ، فهي على ظاهِرِها وعُمومِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرةَ، أن عُمرَ أُتِي بامرأةٍ ناشزٍ، فأمَرَ بها إلى بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثًا، ثم [دعا بها] ¬في ص: "دعاها".¥ فقال: كيف وجدتِ؟ قالت: ما وجدتُ راحةً منذُ كنتُ عندَه إلا هذه الليالي التي حَبَسْتَنِي. فقال لزوجِها: اخْلَعْها ولو من قُرْطِها ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 124 عن ابن علية به، وأخرجه البيهقي 7/ 315 من طريق أيوب به.¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرَة، قال: أخَذ عُمرُ بنُ الخطابِ امرأةً ناشِزًا فوعَظَها، فلم تقبَلْ بخيرٍ، فحبَسها في بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثةَ أيامٍ. وذكَر نحوَ حديثِ ابنِ عُلَيَّةَ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11851).¥.
حدثنا ابنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن امراةً أتتْ عُمرَ بنَ الخطابِ فشكَتْ زوجَها، فقال: إنها ناشزٌ. فأباتَها في بيتِ الزِّبلِ، فلمَّا أصْبَحتْ ¬في م: "أصبح".¥ قال لها: كيف وجدتِ مكانَكِ؟ قالت: ما كنتُ عندَه ليلةً أقرَّ لعيني من هذه الليلةِ. فقال: خُذْ ولو عِقاصَها ¬العقاص: خيط يشد به أطراف الذوائب. التاج (ع ق ص). والأثر ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 404 عن سعيد به.¥.
حدثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، أن مولاةً لصفيةَ اختلَعتْ من زوجِها بكلِّ شيءٍ تملِكُه إلا من ثيابِها، فلم يَعِبْ ذلك ابنُ عُمرَ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11852)، وابن أبي شيبة 5/ 125 من طريق عبد الله - وفي نسخة من مصنف ابن أبي شيبة: عبيد الله - به.¥.
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُعتمِرٌ، قال: سمِعْتُ عُبيدَ اللهِ يُحدِّثُ عن نافعٍ، قال: ذُكِر لابنِ عمرَ مولاةٌ له اخْتَلَعَتْ من زوجِها بكلِّ مالٍ لها، فلم يَعِبْ ذلك عليها ولم يُنْكِرْه.
حدثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُميدٍ، عن رجاءِ بنِ حَيْوةَ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ أنه كان لا يَرَى بأسًا أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها. ثم تلا هذه الآيةَ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1427) عن هشيم به. وأخرجه ابن أبي شيبة 5/ 123، 124 من طريق حميد به.¥.
حدثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال في الخُلْعِ: خُذْ ما دونَ عِقاصِ شَعَرِها، وإن كانت المرأةُ لَتَفْتَدِي ببعضِ مالِها ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11856) عن سفيان به.¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الخُلْعُ ما ¬في م: "بما".¥ دونَ عِقاصِ الرأسِ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11855).¥.
حدثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكَمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في المختلِعةِ: خُذْ منها ولو عِقاصَها.
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: الخلعُ بما دون عِقاصِ الرأسِ، وقد تَفْتَدِي المرأةُ ببعضِ مالِها ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1424) عن هشيم به.¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ ابنةَ مُعَوِّذِ بنِ عفراءَ حدَّثَتْه قالت: كان لي زوجٌ يُقِلُّ عليَّ الخيرَ إذا حضَرني، ويَحْرِمُني إذا غابَ. قالت: فكانت منِّي زَلَّةٌ يومًا، فقلت: أَخْتَلِعُ منك بكلِّ شيءٍ أَمْلِكُه. قال: نعم. قالت ¬في م: "قال".¥: ففعَلْتُ. قالت: فخاصَم عمِّى معاذُ بنُ عفراءَ إلى عثمانَ بنِ عفّانَ، فأجاز الخُلْعَ وأمَره أن يَأخُذَ عِقاصَ رأسي فما دونَه. أو قالت: ما دونَ عِقاصِ الرأسِ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11850)، والبيهقي 7/ 315 من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به.¥.
حدَّثني ابنُ ¬سقط من: ص.¥ المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ ¬في ص: "حماد".¥ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا الحسنُ بنُ يحيى، عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا بأسَ بما خَلَعَها به من قليلٍ أو كثيرٍ، ولو عُقُصَها.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا حَجّاجٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء أخَذ منها أكثرَ مما أَعطاها ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11857)، وسعيد بن منصور في سننه (1425) من طريق ابن أبي نجيح به.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ دينارٍ أنه سَمِع عكرمةَ يقولُ: قال ابنُ عباسٍ: لِيَأخُذْ منها حتى قُرْطَها. يَعني في الخُلْعِ ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11854) عن ابن جريج، عن عمرو، عن عكرمة قوله.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: أخبرَنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن مولاةٍ لصفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ أنها اختلَعَتْ من زوجها بكلِّ شيءٍ لها، فلم يُنْكِرْ ذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ¬أخرجه مالك 2/ 565، ومن طريقه الشافعي 2/ 96 (شفاء العي)، والبيهقي 7/ 315.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا حمّادٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن رجاءِ بنِ حَيْوَةَ، عن قَبِيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}. قال: يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا يزيدُ وسهلُ بنُ يوسفَ وابنُ أبي عديٍّ، عن حُميدٍ، قال: قلتُ لرجاءِ بنِ حَيْوَةَ: إن الحسنَ يقولُ في المختلِعةِ: لا يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها. ويتأوَّلُ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ ¬سقط من النسخ.¥ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}. قال رجاءٌ: فإنَّ قَبِيصةَ بنَ ذُؤَيْبٍ كان يُرَخِّصُ أن يأخُذَ أكثرَ مما أَعطاها، ويَتَأَوَّلُ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} ¬أخرجه ابن أبي شيبة 5/ 123، 124 عن يزيد عن حميد به.¥.
وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقولِه: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20].
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا عُقْبةُ ابنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرًا عن المختلِعةِ أيأخُذُ منها شيئًا؟ قال: لا. وقرَأ: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا عُقبةُ بنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرَ بنَ عبدِ اللهِ عن رجلٍ تُريدُ امرأتُه منه الخُلْعَ، قال: لا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا.
قلتُ: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}. قال: هذه نُسِخَتْ. قلتُ: فإني حُفِظَتْ؟ قال: حُفِظَتْ في سورةِ "النِّساءِ" قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} ¬ذكره النحاس في ناسخه ص 226 عن عقبة به.¥.
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إذا خِيفَ مِن الرجلِ والمرأةِ ألا يُقيما حُدودَ اللهِ على سبيلِ ما قدَّمْنا البيانَ عنه، فلا حرَج عليهما فيما افْتَدَتْ به المرأةُ نفسَها مِن زوجِها مِن قليلِ ما تَمْلِكُه وكثيرِه مما يجوز للمسلمِين أن يَمْلِكُوه، وإنْ أتَى ذلك على جميعِ مِلْكِها؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه لم يَخُصَّ ما أباحَ لهما من ذلك على حدٍّ لا يُجاوَزُ، بل أطْلَق ذلك في كلِّ ما افتدَتْ به، غيرَ أني أختارُ للرجلِ استحبابًا لا تَحتيمًا ¬في ص: "تحريما".¥ - إذا تَبَيَّنَ من امرأتِه أن افتداءَها منه لغيرِ معصيةٍ للهِ، بل خوفًا منها على دينِها - أن يُفارِقَها بغيرِ فديةٍ ولا جُعْلٍ، فإن شَحَّتْ نفسُه بذلك، فلا يَبْلُغْ بما يأخُذُ منها جميعَ ما آتاها. فأمّا قاله بَكْرُ بنُ عبدِ اللهِ مِن أنَّ هذا الحكمَ في جميعِ الآيةِ منسوخٌ بقولِه: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا}. فقولٌ لا معنى له، فنَتَشاغلَ بالإبانةِ عن خَطَئِه؛ لمعنيَيْن؛ أحدُهما، إجماعُ الجميعِ من الصحابةِ والتابعِين ومَن بعدَهم من المسلمِين على تَخطئتِه وإج
ازةِ أخذِ الفِدْيةِ من المُفْتَدِيةِ نفسَها لزوجِها، وفي ذلك الكفايةُ عن الاستشهادِ على خطئِه بغيرِه. والآخرُ، أن الآيةَ التي في سورةِ "النِّساءِ" إنما حرَّم اللهُ فيها على زوجِ المرأةِ أن يأخُذَ منها شيئًا مما آتاها، بأن أراد الرجلُ استبدالَ زوجٍ بزوجٍ من غيرِ أن يكونَ هنالك خوفٌ من المسلمين عليهما مُقامَ أحدِهما على صاحبِه ألا يُقيما حدودَ اللهِ، ولا نشوزٌ من المرأةِ على الرجلِ. وإذا كان الأمرُ كذلك، فقد ثَبَت ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بينا"، وغير منقوطة في ص، والمثبت ما يقتضيه السياق.¥ أن أخذَ الزوجِ مِن امرأتِه مالًا على وجهِ الإكراهِ لها والإضرارِ بها، حتى تُعطَيَه شيئًا من مالِها على فِراقها - حرامٌ، ولو كان ذلك حبّةَ فِضّةٍ فصاعدًا.
وأما الآيةُ التي في سورةِ "البقرةِ"، فإنها إنما دَلَّتْ على إباحةِ اللهِ تعالى ذكرُه له أخذَ الفِدْيهَ منها في حالِ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حُدودَ اللهِ بنُشوزِ المرأةِ، وطَلَبِها فِرَاقَ الرجلِ، ورغبتِه فيها، فالأمرُ الذي أُذِن به للزوجِ في أخذِ الفديةِ من المرأةِ في سورةِ "البقرةِ" ضدُّ الأمرِ الذي نُهِيَ من أجلِه عن أخذِ الفديةِ في سورةِ "النساءِ"، كما الحَظْرُ في سورةِ "النساءِ" غيرُ الطلاقِ ¬كذا في النسخ. والصواب: "الإطلاق" لتكافئ معنى الإباحة إلا أن يكون المصنف أراد بها "الإطلاق". وينظر تعليق الشيخ شاكر.¥ والإباحةِ في سورةِ "البقرةِ"، فإنما يجوزُ في الحُكْمَينْ أن يقالَ: أحدُهما ناسخٌ. إذا اتفقتْ معاني المحكومِ فيه، ثم خُولِف بينَ الأحكامِ فيه باختلافِ الأوقاتِ والأزمنةِ. وأما اختلافُ الأحكامِ باختلافِ معاني المحكومِ فيه في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، فذلك هو الحكمةُ البالغةُ، والمفهومُ في العقلِ والفطرةِ، وهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ.
وأما الذي قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ من أن معنى الآيةِ: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به منه - يعني بذلك: مما آتَيْتُمُوهُنَّ - فنظيرُ قولِ بَكْرٍ في دَعواه نسخَ قولِه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} بقولِه: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} لادِّعائه في كتابِ اللهِ ما ليس موجودًا في مصاحفِ المسلمين رَسْمُه.
ويقالُ لمن قال بقولِه: قد قال مَن قد عَلِمْتَ مِن أئمةِ الدينِ: إنما معنى ذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به من مِلْكِها. فهل مِن حُجّةٍ [تَبِينُ بها منهم] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "تبين تهافتهم". وما في "ص" أقرب وجوهه إلى الصواب أن يكون كما أثبتنا، ومعناه: تفترق وتمتاز بها عنهم.¥ غيرُ الدَّعْوَى؟ فقد احتجُّوا بظاهرِ التنزيلِ، وادَّعَيْتَ فيه خُصوصًا. ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلَه. وقد بَيّنّا الأدلةَ بالشواهدِ على صحةِ قولِ مَن قال: للزوجِ أن يأخُذَ منها كلَّ ما أَعْطَتْه المُفْتَدِيةُ التي أباحَ اللهُ لها الافتداءَ في كتابِنا "كتابِ اللطيفِ"، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)}.
يَعنِي تعالى ذكرُه بذلك: تلك معالمُ فُصولِه بينَ ما أحلَّ لكم وما ¬زيادة من: م.¥ حرَّم عليكم أيُّها الناسُ، فلا تَعْتَدُوا ما أحلَّ لكم من الأمورِ التي بَيَّنها وفَصَّلَها لكم من الحلالِ ¬في ص، ت 1، ت 3: "الحرام"، وفي ت 2: "الجرم".
* إلى هنا ينتهي الخرم المشار إليه في ص 157.¥، إلى ما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا طاعتَه إلى معصيتِه.
وإنما عَنَى تعالى ذكرُه بقولِه: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ}: هذه الأشياءُ التي بَيَّنْتُ لكم في هذه الآياتِ التي مضَتْ؛ مِن نكاحِ المشركاتِ * الوَثَنِيّاتِ، وإنكاحِ المشركِين المسلماتِ، وإتيانِ النساءِ في المَحِيضِ، وما قد بَيَّنَ في الآياتِ الماضيةِ قبلَ قوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ} مما أحلَّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أمَر ونهَى. ثم قال لهم: هذه الأشياءُ التي بيَّنتُ لكم حلالَها مِن حرامِها حدودِي. يَعْنى به معالمَ فصولِ ما بينَ طاعتي ومعصيتي، {فَلَا تَعْتَدُوهَا}. يقولُ: فلا تَتجاوَزُوا ما أَحْلَلْتُه لكم إلى ما حرَّمْتُه عليكم، ولا ما أمَرْتُكم به إلى ما نَهَيْتُكم عنه، ولا طاعتي إلى معصيتي، فإن مَن تَعَدَّى ذلك - يَعنِي مَن تَخَطّاه وتَجاوزَه إلى ما حرَّمْتُه عليه أو نَهَيْتُه - فإنه هو الظالمُ، وهو الذي فعَل ما ليس له فِعْلُه، ووضَع الشيْءَ في غيرِ مَوْضِعِه.
وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى الظلمٍ وأصلِه بشواهدِه الدالةِ على معناه، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضِعِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 559.¥.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالَفتْ ألفاظُ تأويلِهم ألفاظَ تأويلِنا، غيرَ أن معنى ما قالوا في ذلك آيِلٌ ¬سقط من م، ت 1، ت 2، ت 3، ومكانها بياض في ص.¥ إلى معنى ما قلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا}: يعني بالحدودِ الطاعةَ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا}. يقولُ: مَن طلَّق لغيرِ العِدّةِ فقد اعتدَى وظلَم نفسَه، {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 422 (2226، 2229) من طريق جويبر به.¥.
وهذا الذي ذُكِر عن الضّحاكِ لا معنى له في هذا الموضعِ؛ لأنه لم يَجْرِ للطلاقِ في العِدَّةِ ذِكْرٌ فيقالَ: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ}. وإنما جرَى ذكرُ العَدَدِ الذي يكونُ للمُطَلِّقِ فيه الرَّجعةُ، والذي لا يكونُ له فيه الرَّجعةُ، دون ذكرِ البيانِ عن الطلاقِ للعِدّةِ.