تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)}.
فلما بين هذه القصة قال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -:
{252} {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين}؛ ومن جملة الأدلة على رسالته هذه القصة حيث أخبر بها وحياً من الله مطابقاً للواقع.
وفي هذه القصة عِبَرٌ كثيرةٌ للأمة:
منها: فضيلة الجهاد في سبيله وفوائده وثمراته وأنه السبب الوحيد في حفظ الدين وحفظ الأوطان وحفظ الأبدان والأموال، وأنَّ المجاهدين ولو شقت عليهم الأمور فإن عواقبهم حميدة، كما أن الناكلين ولو استراحوا قليلاً فإنهم سيتعبون طويلاً.
ومنها: الانتداب لرياسة من فيه كفاءة وأن الكفاءة ترجع إلى أمرين: إلى العلم الذي هو علم السياسة والتدبير، وإلى القوة التي ينفذ بها الحق، وأن من اجتمع فيه الأمران فهو أحق من غيره.
ومنها: الاستدلال بهذه القصة على ما قاله العلماء أنه ينبغي للأمير للجيوش أن يتفقدها عند فصولها؛ فيمنع من لا يصلح للقتال من رجال وخيل وركاب، لضعفه أو ضعف صبره أو لتخذيله أو خوف الضرر بصحبته، فإن هذا القسم ضرر محض على الناس.
ومنها: أنه ينبغي عند حضور البأس تقوية المجاهدين وتشجيعهم وحثهم على القوة الإيمانية والاتِّكال الكامل على الله والاعتماد عليه، وسؤال الله التثبيت والإعانة على الصبر والنصر على الأعداء.
ومنها: أن العزم على القتال والجهاد غير حقيقته، فقد يعزم الإنسان ولكن عند حضوره تنحل عزيمته، ولهذا من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد» ¬أخرجه الإمام أحمد (4/ 123)، والحاكم (1/ 508)، والترمذي (3407)، والنسائي (3/ 54) من حديث شداد ابن أوس رضي الله عنه. وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي.¥، فهؤلاء الذين عزموا على القتال وأتوا بكلام يدل على العزم المصمم لما جاء الوقت نكص أكثرهم، ويشبه هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وأسألك الرضا بعد القضا» ¬أخرجه أحمد (5/ 191)، والحاكم (1/ 516 ـ 517)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (47) عن أبي الدرداء عن زيد بن ثابت. وذكره الهيثمي في «المجمع» (10/ 113) وقال: «رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي الطبراني رجاله وثقوا. وفي بقية الأسانيد أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف».¥؛ لأن الرضا بعد وقوع القضاء المكروه للنفوس هو الرضا الحقيقي.