Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 25

Surah 2 : Ayah 25

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا۟ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا ۙ قَالُوا۟ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَأُتُوا۟ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ

And give glad tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens under which rivers flow. Every time they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, “This is what we were provided with before,” for they will be given fruit that resemble one another. They will have purified spouses, and they will abide therein forever.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}.
قال أبو جعفرٍ: أما قولُه: {وَبَشِّرِ}. فإنه يعني: أَخْبِرْهم. والبشارةُ أصلُها الخبرُ بما ¬بعده في الأصل: "بشر".¥ يُسَرُّ به المخبَرُ، إذا كان سابقًا به كلَّ مخبَرٍ سواه.
وهذا أمرٌ مِن اللهِ نبيَّه محمدًا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بإبلاغِ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبما جاء به مِن عندِ ربِّه، وصدَّقوا إيمانَهم ذلك وإقرارَهم بأعمالِهم الصالحةِ، فقال له: يا محمدُ، بشِّرْ مَن صدَّقك أنك رسولي، وأَنَّ ما جئتَ به مِن الهدى والنورِ فمن عندي، وحقَّق تصديقَه ذلك قولًا بأداءِ الصالحِ مِن الأعمالِ التي افترضْتُها عليه، وأوجبتُها في كتابي على لسانِك عليه - أن له جناتٍ تَجرى مِن تحتِها الأنهارُ، خاصَّةً، دونَ مَن كذَّب بك ¬في الأصل: "به".¥، وأنكَر ما جئتَه به مِن الهُدَى مِن عندي، وعانَدك، ودونَ مَن أَظْهَر تصديقَك وأقرَّ بأن ما جئتَه به فمِن عندي، قولًا، وجحَده اعتقادًا ولم يحقِّقْه عملًا، فإن لأولئك النارَ التي وَقودُها الناسُ والحجارةُ مُعَدّةً عندي.
والجناتُ جِماعُ جَنَّةٍ، والجنةُ البُستان.
وإنما عَنَى جلَّ ذكرُه بذكرِ الجَنَّةِ ما في الجَنَّةِ مِن أشجارِها وثمارِها وغروسِها دونَ أرضِها، فلذلك قال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}؛ لأنه معلومٌ أنه إنما أراد جلَّ ثناؤُه الخبرَ عن ماءِ أنهارِها أنه جارٍ تحتَ أشجارِها وغروسِها وثمارِها، لا أنه جارٍ تحتَ أرضِها؛ لأنَّ الماءَ إذا كان جاريًا تحتَ الأرضِ، فلا حظَّ فيها لعيونِ مَن فوقَها إلَّا بكشفِ الساترِ بينَه وبينَها. على أنَّ الذي تُوصَفُ به أنهارُ الجَنَّةِ أنَّها جاريةٌ في غيرِ أخاديدَ.
كما حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن مسروقٍ، قال: نخلُ الجَنَّةِ نَضيدٌ مِن أصلِها إلى فرعِها، وثمرُها أمثالُ القِلالِ، كلَّما نُزِعتْ ثمرةٌ عادت مكانَها أُخرَى، وماؤُها يَجري في غيرِ أخدودٍ ¬أخرجه البيهقي في البعث والنشور (320) من طريق الثوري به. وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجَنَّة (49) من طريق عمرو بن مرة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى هناد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.¥.
حَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا مِسعرُ بنُ كِدامٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ بنحوِه ¬أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 97 من طريق مسعر به.¥.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: سمعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ يحدِّثُ عن أبي عُبيدةَ. فذكَر مثلَه. قال: فقلت لأبى عُبيدةَ: من حدَّثك؟ فغضِب وقال: مسروقٌ ¬أخرجه حسين المروزي وابن صاعد في زوائدهما على الزهد لابن المبارك (1489، 1490)، وأبو نعيم في صفة الجَنَّة (315) من طريق ابن مهدي به.¥.
فإذا كان الأمرُ كذلك في أن أنهارَها جاريةٌ في غيرِ أخاديدَ، فلا شكَّ أن الذي أُريدَ بالجناتِ أشجارُ الجناتِ وغروسُها وثمارُها دونَ أرضِها، إذ كانت أنهارُها تَجري فوقَ أرضِها وتحتَ غُروسِها وأشجارِها، على ما ذكَره مسروقٌ، وذلك أَوْلى بصفةِ الجَنَّةِ من أن تكونَ أنهارُها جاريةً تحتَ أرضِها.
وإنما رغَّب اللهُ بهذه الآيةِ عبادَه في الإيمانِ، وحضَّهم على عبادتِه بما أَخْبَرهم أنه أَعدَّه لأهلِ طاعتِه والإيمانِ به عندَه، كما حذَّرهم في الآيةِ التي قبلَها بما أَخْبَر من إعدادِه ما أعدَّ لأهلِ الكفرِ به والجاعلين معه الآلهةَ والأندادَ من عقابِه عن إشراكِ غيرِه معه، والتعرُّضِ لعقوبتِه بركوبِ معصيتِه وتركِ طاعتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}.
يعني بقولِه جلَّ ذكرُه: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا}: من الجناتِ. والهاءُ راجعةٌ على الجناتِ، وإنما المَعنِيُّ أشجارُها. فكأنه قال: كُلَّما رُزقوا من أشجارِ البساتينِ التي أعدَّها اللهُ للذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ في جناتِه من ثمرةٍ من ثمارِها رزقًا، قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبلُ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: هذا الذي رُزقنا مِن قبلُ ¬بعده في ص، ر، م، ت 1، ت 2: "هذا".¥ في الدنيا.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}. قال: إنهم أُتوا بالثمرِ في الجَنَّةِ، [فلما نظَروا] ¬في ص: "فنظروا".¥ إليها قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبلُ في الدنيا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 90 عن السدي به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى المصنّف عن ابن مسعود، وناسٍ من الصحابة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 66 (257) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.¥.
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}: في الدنيا.
وحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}.
يقولون: ما أشبهَه به ¬تفسير مجاهد ص 198، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 66 (258) بزيادة: يقول: من كل صنف مثل. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى عبد بن حميد.¥.
[وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنَا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] ¬سقط من: ر.¥.
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدِ: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}: في الدنيا. قال ¬في ص: "قالوا".¥: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: يعرِفونه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 90 عن ابن زيد.¥.
وقال آخرون: تأويلُ ذلك: هذا الذي رُزِقنا من [قَبلُ مِن] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2.¥ ثمارِ الجَنَّةِ مِن قبلِ هذا؛ لشدةِ مشابهةِ بعضِ ذلك بعضًا في اللونِ والطعمِ. ومن علةِ قائلي هذا القولِ أن ثمارَ الجَنَّةِ كلَّما نُزِع منها شيْءٌ عاد مكانَه آخرُ مثلُه.
كما حَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ يحدِّثُ عن أبي عُبيدةَ ¬بعده في ر: "وذكر ثمار الجَنَّة".¥، قال: نخلُ الجَنَّةِ نَضيدٌ من أصلِها إلى فرِعها، وثمرُها أمثالُ القِلالِ، كلما نُزِعتْ منها ثمرةٌ عادتْ مكانَها أُخرَى ¬تقدم تخريجه في ص 406.¥.
قالوا: فإنما اشْتَبهت عندَ أهلِ الجَنَّةِ لأنَّ التي عادت نطيرةُ التي نُزِعتْ فأُكِلَت، في كلِّ معانيها. قالوا: ولذلك قال اللهُ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}؛ لاشتباهِ جميعِه في كلِّ معانيه.
وقال بعضُهم: بل قالوا: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}؛ لمشابهتِه الذي قبلَه في اللونِ وإن خالفه في الطعمِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الحسيِن، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا شيخٌ من المَصِّيصَةِ ¬المصيصة: مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس. معجم البلدان 4/ 557.¥، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ، قال: يُؤْتَى أحدُهم بالصَّحْفةِ فيأكُلُ منها، ثم يُؤْتَى بأُخْرَى فيقولُ: هذا الذي أُتِينا به مِن قبلُ. فيقولُ الملَكُ: كُلْ، فاللونُ واحدٌ والطعمُ مُختَلِفٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67 (261) من طريق عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير به بنحوه.¥.
قال أبو جعفرٍ: وهذا التأويلُ مذهبٌ مِن تأويلِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2: "تأول".¥ الآيةِ، غيرَ أنه يدفَعُ صحَّتَه ظاهرُ التلاوةِ. والذي يدلُّ على صحتِه ظَاهرُ الآيةِ ويُحقِّقُ صحَّتَه ¬في الأصل: "صحة".¥ قولُ القائلين: إن معنى ذلك: هذا الذي رُزِقنا مِن قبلُ في الدنيا. وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا}. فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أن مِن قِيلِ أهلِ الجنَّةِ كُلَّما رُزِقوا مِن ثمرِ الجَنَّةِ رزقًا أن يقولوا: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}. ولم يَخْصُصْ بأن ذلك من قيلِهم في بعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فإذ كان قد أَخْبَر جلَّ ذكرُه عنهم أن ذلك من قيلِهم في كلِّ ما رُزقوا من ثمرِها، فلا شكَّ أن ذلك من قيلِهم في أولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِها، وأُتوا به بعدَ دخولِهم الجنةَ واستقرارِهم فيها، الذي لَمْ يتقدَّمْه عندَهم من ثمارِها ثمرةُ.
فإذ كان لا شكَّ أن ذلك من قيلِهم في أولِه، كما هو من قيلِهم في أوسَطِه وما يتلوه، فمعلْومٌ أنه مُحالٌ أن يكونَ من قيلِهم لأولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِ الجَنَّةِ: هذا الذي رُزِقنا من قبلِ هذا من ثمارِ الجَنَّةِ. وكيف يجوزُ أن يقولوا لأولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِها ولمَّا يتقدَّمْه عندَهم غيرُه منها: هذا الذي رُزقناه من قبلُ؟ إلَّا أن ينسِبَهم ذو عَتَهٍ ¬في م: "غرة".¥ وضلالٍ إلى قيلِ الكذبِ الذي قد طهَّرهم اللهُ منه، أو يدفَعَ دافعٌ أن يكونَ ذلك مِن قيلِهم لأولِ رزقٍ يُرزقونه منها من ثمارِها، فيَدفَعَ صحةَ ما أَوْجَب اللهُ صحّتَه بقولِه: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا} من غيرِ نَصْبِ دَلالةٍ على أنه مَعنيُّ به حالٌ من أحوالِهم دونَ حالٍ. فقد تبيَّن بما بيَّنا أن معنى الآيةِ: كلما رُزِقَ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ مِن ثمرةٍ من ثمارِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ رزقًا، قالوا: هذا الذي رُزِقنا من قبلِ هذا في الدنيا.
فإن سأَلنا سائلٌ فقال ¬سقط من: الأصل.¥: وكيف قال القومُ؛ هذا الذي رُزِقنا من قبلُ. والذي رُزِقوه من قبلُ قد عُدِم بأكلِهم إيَّاه؟ وكيف يجوزُ أن يقولَ أهلُ الجَنَّةِ قولًا لا حقيقةَ له؟
قيل: إن الأمرَ على غيرِ ما ذهبتَ إليه في ذلك، وإنما معناه: هذا مِن النوعِ الذي رُزِقناه من قبلِ هذا من الثمارِ والرزقِ، كالرجلِ يقولُ لآخرَ: قد أعدَّ لك فلانٌ مِن الطعامِ كذا وكذا مِن ألوانِ الطبيخِ والشِّواءِ والحلوى. فيقولُ المَقولُ له ذلك: هذا طعامي في منزلي. يعني بذلك أن النوعَ الذي ذكَر له صاحبُه أنه أعدَّه له من الطعامِ هو طعامُه، [لا أن] ¬في الأصل: "إلا أن"، وفي م: "لأن".¥ أعيانَ ما أَخْبَره صاحبُه أنه قد أعدَّه له هو طعامُه، بل ذلك مما لا يجوزُ لسامعٍ سمِعه يقولُ ذلك أن يتوهَّمَ أنه أراده أو قصَده؛ لأن ذلك خلافُ مَخرجِ كلامِ المتكلمِ، وإنما يُوجَّهُ كلامُ كلِّ متكلمٍ إلى المعروفِ في الناسِ من مخارجِه دونَ المجهولِ من معانيه، فكذلك ذلك في قولِه: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} إذ كان ما كانوا رُزقوه من قبلُ قد فنِي وعُدِم، فمعلومٌ أنهم عَنَوا بذلك: هذا من النوعِ الذي رُزقنا من قبلُ، ومن جنسِه في التسمياتِ ¬في ص: "السمات".¥ والألوانِ. على ما قد بيَّنا من القولِ في ذلك في كتابِنا هذا ¬بعده في ر، م، ت 1، ت 2: "وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: (وأتوا به متشابهًا) أنه متشابه في الفضل: أي
كل واحد منه له من الفضل في نحوه مثل الذي للآخر في نحوه. قال أبو جعفر: وليس هذا قولًا نستجيز التشاغل بالدلالة على فساده لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل. وحسب قول بخروجه عن قول أهل العلم دلالة على خطئه"، وفي ت 1، ت 2: " أن كل" بدلٌ من: "أي كل" وسيأتي في مكانه الصحيح في ص 418.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}.
والهاءُ في قولِه: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} عائدةٌ على الرزقِ، فتأويلُه: وأُتُوا بالذي رُزقوا من ثمارِها متشابهًا.
وقد اخْتَلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ التشابهِ ¬في ص، م: "المتشابه".¥ في ذلك، فقال بعضُهم: تشابهُه أن كلَّه خِيارٌ لا رَذْلَ فيه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا خلادُ بنُ أسلمَ، قال: أَخْبَرنا النَّضْرُ بنُ شُميلٍ، قال: أَخْبَرنا أبو عامرٍ، عن الحسنِ في قولِه: {مُتَشَابِهًا} قال: خِيارًا كلَّها لا رَذْلَ فيها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رَجاءٍ: قرأ الحسنُ آياتٍ من "البقرة" فأتى على هذه الآيةِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} قال: ألم تَرَوا إلى ثمارِ الدنيا كيف تُرذلون بعضَه؟ وإن ذلك ليس فيه رَذْلٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمرٌ، قال: قال الحسنُ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. قال: يُشبهُ بعضُه بعضًا ليس فيه مَرْذولٌ ¬في ص: "من رذل".¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: أي خِيارٌ لا رَذْلَ فيه ¬في ص: "فيها".¥، وإن ثمارَ الدنيا يُنْتَقَى منها ويُرذَلُ منها، وثمارُ الجَنَّةِ خِيارٌ كلُّه لا يُرذَلُ منه شيْءٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67 (263) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: ثمرُ الدنيا منه ما يُرذَلُ ومنه نقاوةٌ، وثمرُ الجَنَّةِ نقاوةٌ كلُّه، يُشبِهُ بعضُه بعضًا في الطِّيبِ، ليس فيه مرذولٌ ¬ذكره ابن القيم في حادي الأرواح ص 133 عن ابن جريج.¥.
وقال بعضُهم: تشابهُه في اللونِ وهو مختلفُ الطعمِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: في اللونِ والمَرْآةِ، وليس يُشبِهُ الطعمَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 91 عن المصنف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: مثلَ الخِيارِ ¬تفسير مجاهد ص 198.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفَةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: لونُه، مختلفًا طعمُه، مثلَ الخِيارِ من القِثَّاءِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى وكيع وعبد بن حميد.¥.
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ ابنِ أنسٍ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: يُشبهُ بعضُه بعضًا ويختلفُ الطعمُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67 عقب الأثر (262) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {مُتَشَابِهًا}. قال: مشتبهًا في اللونِ ومختلفًا في الطعمِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى عبد الرزاق، وينظر تفسير الثوري ص 42.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: مثلَ الخيارِ.
وقال بعضُهم: تشابهُه في اللونِ والطعمِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {مُتَشَابِهًا}. قال: اللونُ والطعمُ.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن الثوريِّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ويحيى بنِ سعيدٍ: {مُتَشَابِهًا}. قالا: في اللونِ والطعمِ.
وقال بعضُهم: تشابهُه تشابهُ ثمرِ الجَنَّةِ وثمرِ الدنيا في اللونِ، وإن اختلفت طعومُهما.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. قال: يُشبِهُ ثمرَ الدنيا، غيرَ أن ثمرَ الجَنَّةِ أطيبُ ¬أخرجه ابن الأنباري في الأضداد ص 386 من طريق محمد بن ثور، عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. قال: يُشبِهُ ثمرَ الدنيا، غيرَ أن ثمرَ الجَنَّةِ أطيبُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 91 عن عكرمة.¥.
وقال بعضُهم: لا يُشبِهُ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ ما في الدنيا إلا الأسماءُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا الأشجعيُّ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، [عن أبي ظَبْيانَ] ¬سقط من: الأصل، ر، ت 1، ت 2.¥، عن ابنِ عباسٍ - قال أبو كُريبٍ في حديثِه عن الأشجعيِّ -: لا يُشبِهُ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ ما في الدنيا إلا الأسماءُ. وقال ابنُ بشَّارٍ في حديثه عن مؤمَّلٍ، قال: ليس في الدنيا مما في الجَنَّةِ إلَّا الأسماءُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 66 (260)، والبيهقي في البعث والنشور (368) من طرق عن الأعمش به وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 38 إلى هناد ومسدد وابن المنذر. وينظر الصحيحة (2188).¥.
حدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمد بنُ عُبيدٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس، في الدنيا من الجَنَّةِ شيْءٌ إلا الأسماءُ.
وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال. أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. قال: يعرِفون أسماءَه كما كانوا في الدنيا، التُّفَّاحُ بالتُّفَّاحِ، والرُّمَّانُ بالرُّمَّانِ، قالوا في الجَنَّةِ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} في الدنيا {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} يعرِفونه، وليس هو مثلَه في الطعمِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 91 عن ابن زيد.¥.
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه التأويلاتِ بتأويلِ الآيةِ تأويلُ مَن قال: وأتوا به متشابهًا في اللونِ والمنظرِ، والطعمُ مختلِفٌ. يعني بذلك اشتباهَ ثمرِ الجَنَّةِ وثمرِ الدنيا في المنظرِ واللونِ، مختلفًا في الطعمِ والذوقِ، لِماَ قَدَّمنا من العلَّةِ في تأويلِ قولِه: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}. وأن معناه: كلما رُزقوا مِن الجنِانِ مِن ثمرةٍ مِن ثمارِها رِزقًا قالوا: هذا الذي رُزِقنا مِن قبلِ هذا في الدنيا. فأَخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم قالوا ذلك مِن أجلِ أنهم أتُوا بما أتُوا به مِن ذلك في الجَنَّةِ مُتشابهًا، يعني بذلك تشابُه ما أُتُوا به منه في الجَنَّةِ والذي كانوا رُزِقوه في الدنيا، في اللونِ والمَرْآةِ والمنظرِ، وإن اختلفا في الطعمِ والذوقِ فتباينا، فلم يكنْ لشيْءٍ مما في الجَنَّةِ من ذلك في الدنيا نظيرٌ.
وقد دلَّلنا على فسادِ قولِ مَن زعَم أن معنى قولِه: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}. إنما هو من قولِ أهلِ الجَنَّةِ في تشبيهِهم بعضَ ثمرِ الجَنَّةِ ببعضٍ، وتلك الدَّلالةُ على فسادِ ذلك القولِ هي الدَّلالةُ على فسادِ قولِ مَن خالَف قولَنا في تأويلِ قولِه: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. لأَن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما أَخْبَر عن المعنى الذي مِن أجلِه قال القومُ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}. بقولِه: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}.
ويُسألُ مَن أَنْكَر ذلك فزعَم أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ نطرًا لشيْءٍ مما في الدنيا بوجهٍ مِن الوجوهِ، فيقالُ له: أيجوزُ أن تكونَ أسماءُ ما في الجَنَّةِ من ثمارِها وأطعمتِها وأشربتِها نظائرَ أسماءِ ما في الدنيا منها؟
فإن أَنْكَر ذلك خالَف نصَّ كتابِ اللهِ؛ لأن اللهَ إنما عرَّف عبادَه في الدنيا ما هو عتيدٌ ¬في ص، م: "عنده". والعتيد: الحاضر المهيّأ. التاج (ع ت د).¥ في ¬في ر: "فيها".¥ الجَنَّةِ بالأسماءِ التي يُسمَّى بها ما في الدنيا مِن ذلك.
وإن قال: ذلك جائزٌ، بل هو كذلك.
قيل: فما أَنْكَرْتَ أن يكونَ ألوانُ ما فيها من ذلك نظيرَ ألوانِ ما في الدنيا منه، بمعنى البياضِ والحمرةِ والصُّفرةِ وسائرِ صنوفِ الألوانِ، وإن تبايَنت فتفاضَلت بفضلِ، حسنِ المَرْآةِ والمنظرِ، فكان لما في الجَنَّةِ من ذلك مِن البهاءِ والجمالِ وحسنِ المَرْآةِ والمنظرِ، خلافُ الذي لما في الدنيا منه، كما كان جائزًا ذلك في الأسماءِ مع اختلافِ المسمَّياتِ بالفضل في أجسامِها؟ ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
وكان أبو موسى الأشعريُّ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به محمد بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الوهَّابِ ومحمدُ بن جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامةَ، عن الأشعريِّ، قال: إن اللهَ لما أَخْرَج آدمَ من الجَنَّةِ زوَّده من ثمارِ الجَنَّةِ، وعلَّمه صنعةَ كلِّ شيْءٍ، فثمارُكم هذه من ثمارِ الجَنَّةِ، غيرَ أن هذه تَغَيَّرُ، وتلك لا تتغيَّرُ ¬أخرجه البزار (2345 - كشف) من طريق ابن أبي عدي به.
وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 43، والحاكم 2/ 543، والبيهقي في البعث والنشور (198) من طريق معمر وهوذة بن خليفة، عن عوف به.
وأخرجه عبد الله بن أحمد - كما في حادي الأرواح ص 134 - والبزار (2344 - كشف) من طريق ربعي بن علية، عن عوف به مرفوعًا. وعزاه الهيثمي في المجمع 8/ 197 إلى الطبراني، وقال: رجاله ثقات.¥.
[وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّ معنى قولِه: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}. أنه متشابةٌ في الفضلِ، أي كلُّ واحدٍ منه له مِن الفضلِ في نحوِه مثلُ الذي للآخرِ في نحوِه.
وليس هذا قَولًا نستجيزُ التشاغلَ بالدَّلالةِ على فسادِه؛ لخرُوجِه عن قولِ جميعِ علماءِ أهلِ التأويلِ. وحسبُ قولٍ بخروجِه عن قولِ جميعِ أهلِ العلمِ دَلالةٌ على خَطَئِه] ¬سقط من: ر، م، وتقدم مكانه فيهما في ص 412.¥.

القولُ في تأويلِ قولهِ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}.
قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ اللتان في {لَهُمْ} عائدتان على {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}. والهاءُ والألفُ اللتان في {فِيهَا} عائدتان على الجنَّاتِ.
وتأويلُ ذلك: وبشِّرِ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ أن لهم جناتٍ فيها أزواجٌ مطهرةٌ.
والأزواجُ جمعُ زوجٍ، وهي امرأةُ الرجلِ. يقالُ: فلانَةُ زوجُ فلانٍ وزوجتُه.
وأما قولُه: {مُطَهَّرَةٌ}. فإن تأويلَه أنهن ¬سقط من: الأصل.¥ طُهِّرن مِن كلِّ أَذًى وقَذًى ورِيبةٍ، مما يكونُ في نساءِ أهلِ الدنيا مِن الحيضِ والنِّفاسِ والغائطِ والبولِ والمُخَاطِ والبُصاقِ والمنَيِّ، وما أَشْبَهَ ذلك مِن الأذَى والأدْناسِ والرِّيَبِ والمكارهِ.
كما حَدَّثَنَا به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسِ مِن أصحابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أما {أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} فإنهن لا يَحِضْنَ ولا يُحدِثْنَ ولا يتنخَّمْنَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 39 إلى المصنّف عن ابن مسعود وحده.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67 عقب الأثر (267) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. يقولُ: مُطهّرةٌ مِن القَذَرِ والأذَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67، 3/ 984 (264، 5507) من طريق عبد الله بن صالح به.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 39 إلى ابن المنذر.¥.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى ¬بعده في ت 1: "بن".¥ القطَّانُ ¬في ص: "العطار".¥، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. قال: لا يبُلْنَ ولا يتغوَّطْنَ ولا يَمذِينَ ¬تفسير الثوري ص 43.¥.
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلَّا أنه زاد فيه: ولا يُمْنينَ، ولا يَحِضْن.
حَدَّثَنَي محمد بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. قال: مُطَهَّرةٌ مِن الحيضِ والغائطِ والبولِ والنُّخامِ والبصاقِ والمنَيِّ والوَلدِ ¬تفسير مجاهد ص 198. ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67، 3/ 984، (265، 5508)، والبيهقيُّ في البعث والنشور (399). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 39 إلى وكيع وهناد في الزهد وعبد بن حميد.¥.
حَدَّثَنَا المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنَ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬أخرجه ابن المبارك في الزهد (243 - زوائد نعيم بن حماد)، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في صفة الجَنَّة (292).¥.
وَحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا الثوريُّ، عن إبنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ [نحوَ حديثِ أحمدَ بنِ إسحاقَ عن الزبيريِّ، غيرَ أنه زاد فيه: ولا يَلِدْنَ ولا يَبْزُقْنَ] ¬سقط من ت 1، وفي ص، م: "قال: لا يبلن ولا يتغوطن ولا يحضن ولا يلدن ولا يمنين ولا يبزقن"، ومثله في ت 2، إلَّا أن فيها: "ولا ينزفن" بدلا من: "ولا يبزقن".

والأثر عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 39 إلى عبد الرزاق. وينظر تفسير الثوري ص 43.¥.
حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}: أي واللهِ، مِن الإثمِ والأذَى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67، 3/ 984 (266، 5509) من طريق سعيد وأبان، عن قتادة.¥.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. قال: طَهَّرهن اللهُ من كلِّ بولٍ وغائطٍ وقَذَرٍ، ومن كلِّ مأثمٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 39 إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.¥.
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: مُطهَّرةٌ من الحيضِ والحَبَلِ والأذى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67 (267) من طريق خليد، عن قتادة، بنحوه.¥.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المطهَّرةُ من الحيضِ والحَبَلِ.
حَدَّثَنِي يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. قال: المطهَّرةُ التي لا تَحيضُ. قال: وأزواجُ الدنيا ليست بمطهَّرةٍ؛ ألا تراهنَّ يَدمَين ويتركن الصلاةَ والصيامَ؟ قال ابنُ زيدٍ: وكذلك خُلِقَتْ حوَّاءُ حتى عَصتْ، فلما عصتْ قال اللهُ: إنِّي خلقتكِ مطهَّرةً، وسأُدْمِيك كما دمَّيْتِ هذه الشجرةَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 92، وابن رجب في فتح الباري 2/ 12 عن المصنف، وقال ابن كثير: وهذا غريب. وسيأتي بسياق أطول من هذا في ص 565.¥.
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن ¬في الأصل: "وعن".¥ الحسنِ في قولِه: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} يقولُ: مُطهَّرةٌ مِن الحيضِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67 عقب الأثر (267) معلقا.¥.
حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن الحسنِ في قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. قال: مِن الحيضِ.
وحَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أبو معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}. قال: من الولدِ والحيضِ والغائطِ والبولِ.
وذكَر أشياءَ مِن هذا النحوِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 67 عقب الأثر (267) معلقا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 39 إلى وكيع وهناد. وينظر البداية والنهاية 20/ 335.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)}.
يعني بذلك: والذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ في الجناتِ خالدون. فالهاءُ والميمُ مِن قولِه: {وَهُمْ} عائدةٌ على {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
والهاءُ والألفُ في {فِيهَا} الجناتِ. وخلودُهم فيها دوامُ بقائهم فيها على ما أعطاهم اللهُ فيها مِن الحَبْرَةِ ¬في ر، ت 1: "الخيره". والحبرة: النعمة وسعة العيش. النهاية 1/ 327.¥ والنعيمِ المقيمِ.


Tafsir in other languages · 8