تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)}.
يَعنى جَلَّ ثناؤه ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2: "بذلك".¥: يأيها الذين ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2: "آمنوا".¥ صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، {اتَّقُوا اللَّهَ}. يقولُ: خافوا الله على أنفُسِكم، فاتقوه بطاعتِه فيما أمَرَكم به، والانتهاءِ عما نَهاكم عنه، {وَذَرُوا}. يَعنى: ودَعُوا {مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}. يقولُ: اترُكوا طلبَ ما بقِىَ لكم مِن فَضْلٍ على رءوسِ أموالِكم التي كانتْ لكم قبلَ أن تُرْبُوا عليها، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: إِنْ كنتم مُحقِّقِينَ إيمانَكم قوْلًا، وتَصْدِيقَكم بأَلْسِنَتِكم بأفْعالِكم.
وذُكِرَ أن هذه الآيةَ نَزلتْ في قومٍ أسلَموا، ولهم على قومٍ أموالٌ من ربًا كانوا أَرْبَوه عليهم، وكانوا قد اقتضَوا ¬في ص، م، ت 1، ت 2: "قبضوا".¥ بعضَه منهم، وبَقىَ بعضٌ، فعفا اللهُ عزّ وجلَّ لهم عما كانوا قد اقتضَوه قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، وحرَّم عليهم اقتضاءَ ما بَقِيَ منه.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} إلى {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}. قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في العباسِ بن عبدِ المطلبِ ورجلٍ مِن بنى المغيرةِ، كانا شريكَين في الجاهِليةِ، يُسْلِفان ¬في ص، م، ت 1، ت 2: "سلفا".¥ في الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثقيفٍ، مِن بني غيرةَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "عمرة"، وفي م: "عمرو". وينظر جمهرة أنساب العرب ص 267، 268.¥، وهم بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فجاء الإسلامُ ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الرِّبا، فأنزلَ اللهُ: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ} مِن فَضْلٍ كان في الجاهليةِ {مِنَ الرِّبَا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 548 (2913) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. قال: كانت ثَقيفٌ قد صالَحَتِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - على أنّ ما لهم مِن ربًا على الناسِ [فهو لهم] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ومكانه بياض في ت 2.¥، وما كان للناسِ عليهم من ربًا فهو مَوْضوعٌ، فلمَّا كان الفتحُ، استعمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ على مكةَ، وكانت بنو عَمرِو بن عُميرِ بن عَوْفٍ يأخذون الرِّبَا مِن بنى المغيرةِ، وكانت بنو المغيرةِ يُرْبُون لهم في الجاهليةِ، فجاء الإسلامُ ولهم عليهم مالٌ كثيرٌ، فأتاهم بنو عَمرٍو يطلُبون رِبَاهم، فأبَى بنو المغيرةِ أنْ يُعطُوهم في الإسلامِ، ورَفَعوا ذلك إلى عَتَّابِ بن أَسِيدٍ، فَكَتَب عتَّابٌ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فنزلَتْ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، إلى {وَلَا تُظْلَمُونَ}، فكتَبَ بها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
إلى عتَّابٍ، وقال: "إِنْ رَضُوا وَإِلَّا فَآذِنْهُمْ بِحَرْبٍ". قال ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا}. [يقولُ: لبنى عمرِو بن عميرٍ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2.¥. قال: كانوا يأخذون الرِّبا على بنى المغيرةِ، يزْعُمون أنهم مَسعودٌ وعبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعةُ؛ بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فهم الذين كان لهم الرِّبا على بنى المغيرةِ، فأسلَم عبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعة وهلالٌ ومسعودٌ ¬ذكره الحافظ في الإصابة 6/ 551، 552، والسيوطي في الدر المنثور 1/ 366، وعزياه إلى المصنف.
وقال الحافظ: وفي ذكر مصالحة ثقيف قبل قوله: فلما كان الفتح. نظر، ذكرت توجيهه في أسباب النزول.¥.
وحدَّثني يحيى ¬في م، ت 1، ت 2، س: "على".¥ بن أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}. قال: كان ربًا يَتَبايَعُون به في الجاهليةِ، فلمَّا أَسْلَموا أُمِرُوا أَنْ يأخذوا رُءوسَ أموالِهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم 2/ 551 (2929) من طريق جويبر به بنحوه وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 366 إلى عبد بن حميد.¥.