Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 283

Surah 2 : Ayah 283

وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًا فَرِهَـٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ

If you are on a journey and find no scribe, then something should be taken as collateral. But if you trust one another, then the debtor should fulfill his trust, and let him fear Allah, his Lord. Do not conceal the testimony, for anyone who conceals it has a sinful heart, and Allah is All-Knowing of what you do.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}.
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته القرأةُ في الأمصارِ جميعًا: {وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا}. بمعنى: ولم تَجِدُوا مَن يَكْتُبُ لكم كتابَ الدينِ الذي تَدايَنتُموه إلى أجلٍ مسمًّى، {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}.
وقرَأه جماعةٌ من المتقدِّمين: (ولم تَجِدُوا كِتَابًا) ¬في الأصل، ت 2: "كاتبا". والمثبت قراءة أُبيّ وابن عباس ومجاهد وأبي العالية - كما سيذكر المصنف - وقرأ ابن عباس أيضًا: "كُتّابًا" وهي شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. وينظر البحر المحيط 2/ 355.¥. بمعنى: ولم يَكُنْ لكم إلى اكتِتابِ كتابِ الدَّينِ سبيلٌ؛ إما بتَعَذُّرِ الدَّواةِ والصحيفةِ، وإما بتَعَذُّرِ الكاتبِ وإن وجَدتم الدواةَ والصحيفةَ.
والقراءةُ التي لا يَجُوزُ غيرُها عندَنا هي قراءةُ قرأةِ الأمصارِ: {وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا}. بمعنى: مَن يَكْتُبُ؛ لأن ذلك كذلك في مصاحفِ المسلمين، [وغيرُ جائزَةٍ القراءةُ بغيرِ ما في مصاحفِ المسلمين مُثْبَتٌ من القراءاتِ.
فإذا كان ذلك كذلك فتأويلُ الكلامِ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت، ت، س.¥: وإن كنتم أيُّها المُدَاينون ¬في م: "المتداينون".¥ في سفرٍ بحيثُ لا تَجِدُون كاتبًا يَكْتُبُ لكم، ولم يكنْ لكم إلى اكتتابِ كتابِ الدينِ الذي تَدايَنْتُموه إلى أجلٍ مسمًى بينَكم، الذي أمَرتُكم باكتتابِه والإشهادِ عليه - سبيلٌ، فارتهِنوا بدُيونِكم التي تَدايَنتُموها إلى الأجلِ المسمَّى رُهونًا تَقْبِضُونها ممن تُدايِنونه كذلك؛ ليكونَ ثقةً لكم بأموالِكم.
ذكرُ مَن قال ما قُلْنا في ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك قولَه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}: فمن كان على سفرٍ فبايَع بيعًا إلى أجلٍ فلم يَجِدْ كاتبًا، فرُخِّص له في الرهان المقبوضةِ، وليس له إن وجَد كاتبًا أَن يَرْتَهِنَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 569 (3039) من طريق جويبر به بمعناه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 373 إلى المصنف.¥.
حُدِّثتُ عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا}. يقولُ: كاتبًا يَكْتُبُ لكم، {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيد، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيعٍ إلى أجلٍ، فأمَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ أن يُكْتَبَ ويُشْهَدَ عليه، وذلك في المُقامِ، فإن كان القومُ على سفرٍ فبايعوا إلى أجلٍ فلم يَجِدوا كاتبًا ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت، س.¥، فرهانٌ مقبوضةٌ.
ذكرُ مَن تأوَّل ذلك على القراءةِ الأُخرَى ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (468 - تفسير) عن هشيم به.¥ التي التي حكَيناها
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا يزيدُ بنُ أَبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا): يعنى بالكتابِ الكاتبَ والصحيفةَ والدواةَ والقلمَ ¬ينظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص 167.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، قال: أخبَرني أبي، عن ابن عباس أنه قرَأ: (فإن لم تَجِدوا كتابًا). قال: ربما وجَد الرجلُ الصحيفةَ ولم يَجِدْ كاتبًا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت: "الكاتب"، وفي س: "المكاتب".¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا ابنَ أبي نجيحٍ، أن مجاهدًا كان يَقْرَؤُها: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا). ويقولُ: ربما وُجِد الكُتَّابُ ¬أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 167 عن ابن علية به.¥ ولم تُوجَدِ الصحيفةُ والمدادُ. ونحو هذا مِن القولِ ¬¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كتابًا) يقولُ: مِدادًا. يَقْرَؤُها كذلك، يقولُ: فإن لم تَجِدوا مِدادًا، فعند ذلك تكونُ الرُّهونُ المقبوضةُ. (فرُهُنٌ ¬في ص، م، س: "فرهان". وهما قراءتان، وسيذكرهما المصنف.¥ مقبوضةٌ). قال: لا تَكُونُ الرُّهُنُ إلا في السَّفَرِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 569 (3038) من طريق أبي حذيفة به مقتصرا على آخره بنحوه.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ ¬في الأصل: "يزيد". وينظر تهذيب الكمال 7/ 239 - 243.¥، عن شعيبِ بن الحُبَّحابِ، أن أبا العاليةِ كان يَقْرَؤُها: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا). قال أبو العاليةِ: قد تُوجَدُ الدواةُ ولا تُوجَدُ الصحيفةُ، [وربما وُجد الكاتبُ ولا توجدُ الصحيفةُ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 569 عقب الأثر (3035) من طريق الربيع عن أبي العالية.¥.
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الحجاز والعراقِ: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ¬وهي قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 194.¥. بمعنى جِماعِ رَهْنٍ، كما الكِبَاشُ جمعُ كَبْشٍ، والبِغالُ جمعُ بَغْلٍ، والنِّعالُ جمعُ نَعلٍ.
وقرَأ ذلك جماعةٌ آخرون: (فَرُهُنٌ مقبوضة) ¬وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، على خلاف عنهما في ضم الهاء وتسكينها. المصدر السابق.¥. على معنى جَمع رِهانٍ، ورُهُنٌ جمعُ الجمعِ. وقد وجَّهه بعضُهم إلى أنها جمعُ رَهْنٍ، مثلُ سَقْفٍ وسقُفٍ.
وقرَأه آخرون: (فَرُهْنٌ). مخففةُ الهاءِ، على معنى جِماع رَهْنٍ، كما يُجْمَعُ السَّقْفُ سُقْفًا. قالوا: ولا نَعْلَمُ اسمًا على فَعْلٍ يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ وفُعْلٍ، إِلا الرُّهُنَ والرُّهْنَ، والسُّقُفَ والسُّقْفَ.
والذي هو أولى بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}؛ لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان مِن اسمٍ على فَعْلٍ، كما يقال: حَبْلٌ وحِبالٌ، وكَعْبٌ وكِعابٌ، ونحوُ ذلك مِن الأسماءِ. فأما جمعُ الفَعْلِ على الفُعُلِ أو الفُعْلِ، فشاذٌّ قليلٌ، إنما جاء في أحرفٍ يسيرةٍ، وقيل: سَقْفٌ وسُقُفٌ وسُقْفٌ، و: قَلْبٌ وقُلُبٌ وقُلْبٌ، مِن قَلْبِ النخلِ، وجَدٌّ وجُدٌّ، للجَدِّ الذي هو بمعنى الحظِّ. وأما ما جاء مِن جمعِ فَعْلٍ على فُعْلٍ فـ "ثَطٌ وثُطٌّ"، ووَرْدٌ ووُرْدٌ، و [جَوْنٌ وجُونٌ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "خود وخود".¥.
وإنما دعا الذي قرَأ ذلك: (فَرُهُنٌ). إلى قراءتِه - فيما أظُنُّ - كذلك، مع شُذوذِه ¬وليست قراءة من قرأ: (رُهُنٌ). شاذة، بل هي متواترة، وليست قواعد النحو والصرف أصلا للقرآن، بل القرآن أصل لهما.¥ في جمعِ فَعْلٍ، أنه وجَد الرِّهانَ مستعملةً في رِهانِ الخيلِ، فأحبَّ صرفَ لفظِ ذلك عن اللفظِ المُلتبِسةِ برهانِ الخيلِ، الذي هو بغيرِ معنى الرِّهانِ، الذي هو جمعُ رَهْنٍ، ووجد الرُّهُنَ مَقُولًا في جمعِ رَهْنٍ، كما قال قَعْنبٌ ¬البيت في اللسان (ر هـ ن) وفيه: قبلك. بدلا من: قلبك.¥:
بانَتْ سُعادُ وأَمْسَى دُونَها عَدَنُ ... وغُلِّقَتْ ¬غلق الرهن في يد المرتهن: استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتك في الوقت المشروط. اللسان (غ ل ق).¥ عِنْدَها مِن قَلْبِكَ الرُّهُنُ

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن كان المَدينُ أمينًا عندَ رَبِّ المالِ والدَّينِ، فلم يَرْتَهِنْ منه في سفرِه رَهْنًا بدينِه؛ لأمانته عندَه على مالِه وثِقَتِه به، فليتقِ اللَّهَ المَدينُ {رَبَّهُ}. يَقُولُ: فليَخَفِ اللَّهَ رَبَّه في الذي عليه مِن دينِ صاحبِه أن ¬في س: "أو".¥ يَجْحَدَه، أو يَلُطَّ ¬لط الغريم بالحق: دافع ومنع، ولط حقه ولط عليه: جحده. اللسان (ل ط ط).¥ دُونَه به، أو يُحاوِلَ الذهابَ به، فيَتَعَرَّضَ مِن عقوبةِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ له به، وليؤدِّ دينه الذي ائْتَمَنَه عليه إليه.
وقد ذكَرنا قولَ مَن قال: هذا الحكمُ مِن اللَّهِ ناسخُ الأحكامِ التي في الآيةِ قبلَها، مِن أمرِ اللَّهِ بالشهودِ والكتابِ، ودلَّلنا على أولى ذلك بالصوابِ مِن القولِ فيه، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في ص 73 - 81.¥.
وقد حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ}: إِنما يَعْني بذلك في السَّفَرِ، فأما الحضَرُ، فلا، وهو واجدٌ كاتبًا، فليس له أن يَرْتَهِنَ ولا يَأْمَنَ بعضُهم بعضًا.
وهذا الذي قاله الضحاكُ مِن أنه ليس لربِّ الدَّينِ ائتمانُ المدينِ وهو واجدٌ إلى الكاتبِ والكتابِ والإشهادِ عليه سبيلًا، وإن كانا في سَفَرٍ، فكما قال؛ لما قد دلَّلنا على صحتِه فيما مضَى قبلُ.
وأما ما قال، مِن أنّ الأمرَ في الرَّهن أيضًا كذلك مثلُ الائتمانِ، في أنه ليس لربِّ الحقِّ الارتهانُ بمالِه إذا وجَد إلى الكاتبِ والشهيدِ سبيلًا في حضَرٍ أو سفرٍ - فإنه قولٌ لا معنى له؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه اشترَى طعامًا نَساءً، ورهَن به دِرْعًا له ¬أخرجه البخاريّ (2068، 2096، 2200)، ومسلم (1603).¥. فجائزٌ للرجلِ أن يَرْهَنَ ¬في ص، ت 1، س: "يرتهن".¥ بما عليه، ويَرْتَهِنَ بما لَهُ مِن حقٍّ في السفرِ والحضَرِ؛ لصحة الخير بما ذكَرنا عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأن معلومًا أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ حينَ رهَن ما ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "من".¥ ذكَرنا غيرَ واجدٍ كاتبًا ولا شهيدًا؛ لأنه لم يكنْ مُتَعذِّرًا عليه ما بمدينتِه في وقتٍ مِن الأوقاتِ الكاتبُ والشاهدُ، غيرَ أنهما إذا تبايعا برَهْنٍ، فالواجبُ عليهما إذا وجَدا سبيلًا إلى كاتبٍ وشهيدٍ، وكان البيعُ أو الدَّينُ إلى أجلٍ مسمًّى، أن يَكْتُبا ذلك ويُشْهدا على المالِ والرهنِ، وإنما يَجُوزُ تركُ الكتابِ والإشهادِ في ذلك، حيث لا يَكُونُ لهما إلى ذلك سبيلٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)}.
وهذا خطابٌ مِن اللَّهِ، جلَّ ثناؤُه، الشهودَ الذين أمَر المُستدينَ وربَّ المالِ بإشهادِهم، فقال لهم: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}، ولا تَكْتُمُوا أَيُّها الشهودُ بعدَ ما شهِدتم شهادتَكم عندَ الحاكمِ، كما شهِدتم على ما شهِدتم عليه، ولكن أجيبوا مَن شهِدتم له، إذا دعاكم لإقامةِ شهادتِكم على خَصمِه على حقِّه عندَ الحاكمِ الذي يأخُذُ له بحقِّه، ثم أخبرَ الشاهدَ جلَّ ثناؤُه ما عليه في كتمانِ شهادتِه، وإبائِه مِن أدائِها والقيامِ بها عندَ حاجةِ المُسْتَشْهِدِ إلى قيامِه بها عندَ حاكمٍ أو ذي سلطانٍ، فقال: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا}. يعنى: ومن يَكْتُمْ شهادتَه، {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}. يقولُ: فاجرٌ قلبُه، مُكتَسِبٌ بكتمانِه إياها معصيةَ اللَّهِ.
كما حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}. فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَكْتُم شهادةً هي عندَه، وإن كانت على نفسه والوَالدَين، ومَن كتَمها فقد ركب إثمًا عظيمًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 571 (3050) من طريق ابن أبي جعفر به نحوه.¥.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}، يقولُ: فاجرٌ قلبُه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 572 (3053) من طريق عمرو به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللَّهِ؛ لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ يَقُولُ: {مَنْ ¬في النسخ: "ومن".¥ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72]. وشهادةُ الزورِ، وكِتمانُ الشهادةِ؛ لأن الله يقولُ: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 571 (3051)، والطبراني في الكبير 12/ 252 (13023) من طريق أبي صالح به، وهو عند الطبراني مطول.¥.
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقولُ: على الشاهدِ أن يَشْهَدَ حيثما اسْتُشِهدَ، ويُخْبِرَ بها حيثما اسْتُخْبِر.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال أخبَرنا ابن المباركِ، عن محمدِ بن مسلمٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا كانت عندَك شهادةٌ، فسألك عنها، فأخْبره بها، ولا تَقُلْ: أُخْبِرُ بها عندَ الأميرِ. أخبِرْه بها، لعله يَرجِعُ أَو يَرْعَوِى ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (15559) عن محمد بن مسلم به، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد 17/ 301.¥.
وأما قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ}. فإنه يَعْني بذلك: بما تَعْمَلون في شهادتِكم، مِن إقامتِها والقيامِ بها، أو كتمانِكم إياها عندَ حاجةِ مَن اسْتَشْهَدَكم إليها، وبغيرِ ذلك مِن سرائرِ أعمالِكم وعلانِيتِها، {عَلِيمٌ} يُحْصِيه عليكم ليَجْزِيَكم بذلك كلِّه جزاءَكم؛ إما خيرًا وإما شرًّا، على قدرِ استحقاقِكم.

Tafsir in other languages · 6