Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 286

Surah 2 : Ayah 286

لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ

Allah does not burden any soul greater than it can bear. For it is what it has earned, and against it is what it has incurred. “Our Lord, do not hold us accountable if we forget or fall into error. Our Lord, do not place on us such a burden as You have placed on those before us. Our Lord, do not burden us with that which we cannot bear. Pardon us, forgive us, and have mercy on us. You are our Protector, so give us victory over the disbelieving people[173].”[174]

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن بَيانٍ، عن حَكيمِ بن جابرٍ، قال: لمَّا أُنْزِلَ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}. قال جبريلُ عليه السلامُ: إن الله تبارك وتعالى قد أحْسَن الثناءَ عليك وعلى أمتِك، فسَلْ تُعْطَهْ. فسأل: " {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} " إلى آخرِ السورةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 575 (3070) من طريق جرير به. وأخرجه سعيد بن منصور (478 - تفسير)، وابن أبي شيبة 11/ 501 من طريق بيان به.¥.

القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
يَعْني بذلك جل ثناؤُه: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا فيَتَعَبَّدُها إلا بما يَسَعُها، فلا يُضَيِّقُ عليها ولا يَجْهَدُها.
وقد بيَّنا فيما مضَى قبلُ أن الوُسْعَ اسمٌ مِن قولِ القائلِ: وَسِعنى هذا الأمرُ ¬ينظر ما تقدم في 4/ 213.¥. مثلُ الجُهْدِ والوُجْدِ، مِن: جَهَدنى هذا الأمرُ، ووجَدْتُ منه.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. قال: هم المؤمنون، وسَّع اللهُ عليهم أمرَ دينِهم، فقال اللهُ جل ثناؤُه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]. وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]. وقالَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 577 (3080) من طريق عبد الله بن صالح به.¥ [التغابن: 16].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، قال: لما نزَلَت ضجَّ المؤمنون منها ضجةً، وقالوا: يا رسولَ اللهِ، هذا نَتوبُ من عملِ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ، فكيف نتوبُ مِن الوَسْوسةِ؟ كيف نَمْتَنِعُ منها؟ فجاء جبريلُ عليه السلامُ بهذه الآيةِ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. إنكم لا تَسْتَطِيعون أن تَمْتَنِعوا مِن الوَسْوسةِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 376 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}: ووسعُها طاقتُها، فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقوا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 578 عقب الأثر (3084) من طريق عمرو بن حماد به.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: {لَهَا}: للنفسِ التي أخْبَر أنه لا يُكَلِّفُها إلا وسعَها. يَقُولُ: لكلِّ نفسٍ ما اجْترَحَت وعمِلَت مِن خيرٍ. {وَعَلَيْهَا}. يعنى: وعلى كلِّ نفسٍ {مَا اكْتَسَبَتْ}: ما عَمِلَت مِن شَرٍّ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ} أَيْ: مِن خيرٍ، {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} أي: من شرٍّ. أو قال: مِن سُوءٍ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ}. يقولُ: ما عمِلَت مِن خيرٍ، {وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}. يقولُ: وعليها ما عمِلَت مِن شرٍّ.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}، عملُ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 578، 579 (3087، 3090) من طريق سعيد بن مرجانة، عن ابن عباس.¥.
فتأويلُ الآيةِ إذنْ: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلا ما يَسَعُها فلا يَجْهَدُها ولا يُضَيِّقُ عليها في أمرِ دينِها، فيُؤاخِذها بهِمَّةٍ إن همَّت، ولا بوَسْوَسةٍ إن عَرَضَت لها، ولا بخَطْرَةٍ إِن خَطَرَت بقلبِها، [ولكنه يؤاخذُها بما عمِلت فتعمَّدت وقصَدت عملَه من خيرٍ أو شرٍّ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥.

القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}.
وهو تعليمٌ مِن اللهِ عبادَه المؤمنين دعاءَه؛ كيف يَدْعُونه، وما يقولون في دعائِهم إياه، ومعناه: قولوا: ربَّنا لا تُؤاخِذْنا إِن نَسِينا شيئًا فرَضْتَ علينا عملَه فلم نَعْمَلُه، أو أَخْطَأْنا في فعلِ شيءٍ نهيْتَنا عن فعلِه ففعَلْناه على غيرٍ قصدٍ منا إلى معصيتِك، ولكن على جَهالةٍ منا به وخطإٍ.
كما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}: إن نَسِينا شيئًا مما افْتَرَضْتَه علينا، أو أَخْطَأْنا شيئًا مما حَرَّمْتَه علينا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال: بلَغَنى أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله تبارك وتعالى تَجاوَز لهذه الأُمَّةِ عن نسيانِها وما حدَّثَت به أنفسَها" ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 112 والحديث أصله في البخاريّ (2528، 5269، 6664)، ومسلم (127) من حديث أبي هريرة.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، قال: زعَم السديُّ أن هذه الآيةَ حين نزَلَت: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال له جبريلُ - صلى الله عليه وسلم -: فعل ¬في م: "فقل".¥ ذلك يا محمدُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.¥.
فإن قال لنا قائلٌ: وهل يَجوزُ أن يُؤاخِذَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه بما نَسُوا أو أَخْطَئوا، فيَسْأَلُوه ألا يُؤاخِذَهم بذلك؟
قيل: إن النسيانَ على وجهين؛ أحدُهما: على وجهِ التَّضْييعِ من العبدِ والتَّفْريطِ. والآخرُ: على وجهِ عجزِ الناسى عن حفظِ ما اسْتُحْفِظ ووُكِّل به، وضعفِ عقلِه عن احتمالِه.
فأما الذي يكونُ من العبدِ على وجهِ التَّضْييعِ منه والتفريطِ، فهو تركٌ منه لما أُمِر بفعلِه، فذلك الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى اللهِ في تركِه مُؤاخَذتَه به، وهو النسيانُ الذي عاقَب اللهُ به آدمَ صلواتُ اللهِ عليه، فأَخْرَجَه مِن الجنةِ، فقال في ذلك: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115]. وهو النسيانُ الذي قال جلّ ثناؤُه: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51]. فرغبةُ العبدِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بقولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} فيما إليه مِن نسيانٍ منه لما أُمِر بفعلِه، على هذا الوجهِ الذي وصَفْنا، ما لم يكنْ تركُه ما ترَك من ذلك تَفْريطًا منه فيه وتَضْييعًا، كفرًا باللهِ، فإن ذلك إذا كان كفرًا باللهِ، فإن الرغبةَ إلى اللهِ في تركِه المؤاخذةَ به غيرُ جائزةٍ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عبادَه أنه لا يَغْفِرُ لهم الشركَ به، فمسألتُه فِعْلَ ما قد أَعْلَمَهم أنه لا يَفْعَلُه خطأٌ، وإنما تجوزُ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يكون".¥ مسألتُه المغفرةَ فيما كان ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "من
".¥ مثلَ نسيانِه القرآنَ بعدَ حفظِه بتَشاغُلِه عنه وعن قراءتِه، وبمثلِ نسيانِه صلاةً أو صيامًا، باشتغالِه عنهما بغيرِهما حتى ضيَّعهما.
وأما الذي العبدُ به غيرُ مُؤاخَذٍ لعجزِ بِنْيَتِه عن حفظِه، وقلةِ احتمالِ عقلِه ما وُكِّل بمراعاتِه، فإن ذلك مِن العبدِ غيرُ معصيةٍ، وهو به غيرُ آثمٍ، فذلك الذي لا وجهَ لمسألةِ العبدِ ربَّه أن يغفِرَه له؛ لأنه مسألةٌ منه له أن يَغْفِرَ له ما ليس له بذنبٍ، وذلك مثلُ الأمرِ يَغْلِبُ عليه وهو حَريصٌ على تذكُّرِه وحفظِه، كالرجلِ يَحْرِصُ على حفظِه القرآنَ بجِدٍّ منه، فيَقْرَؤُه ثم يَنْساه بغيرِ تَشاغُلٍ منه بغيرِه عنه، ولكن لعجزِ بِنْيَتِه عن حفظِه، وقلَّةِ احتمالِ عقلِه ذكْرَ ما أَوْدَع قلبَه منه، وما أشْبَهَ ذلك من النسيانِ، فإن ذلك مما لا تجوزُ مسألةُ الربِّ مغفرتَه؛ لأنه لا ذنب للعبدِ فيه فيُغْفَرَ له باكتسابِه.
وكذلك للخطإِ وجهان؛ أحدُهما: مِن وجهِ ما نُهِى عنه العبدُ، فيَأْتِيه بقصدٍ منه وإرادةٍ، فذلك خطأٌ منه وهو به مأخوذٌ، يُقالُ منه: خَطِئ فلانٌ وأَخْطَأَ. فيما أَتَى مِن الفعلِ، وأثِم، إذا أتَى ما يأثمُ فيه وركِبه، ومنه قولُ الشاعرِ ¬هو عبيد بن الأبرص الأسدى، والبيت في ديوانه ص 42.¥:
الناسُ يَلْحَوْن ¬يلحون: يلومون.¥ الأميرَ إذا هم ... خطِئوا الصوابَ ولا يُلامُ المُرْشَدُ
بمعنى: أخْطَئوا الصوابَ. وهذا الوجهُ الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى ربِّه في صَفْحِ ما كان منه مِن إثمٍ عنه، إلا ما كان مِن ذلك كفرًا.
والآخرُ منهما: ما كان منه على وجهِ الجهلِ به، والظنِّ منه بأن له فِعْلَه، كالذي يَأْكُلُ في شهرِ رمضانَ ليلًا وهو يَحْسَبُ أن الفجرَ لم يَطْلُعْ، أو يُؤَخِّرُ صلاةً في يومٍ غَيْمٍ وهو يَنْتَظِرُ بتأخيرِه إياها دخولَ وقتِها، فيَخْرُجُ وقتُها وهو يَرَى أَن وقتَها لم يَدْخُلْ، فإن ذلك من الخطإِ الموضوعِ عن العبدِ الذي وضَع اللهُ عز وجل عن عبادِه الإثمَ فيه، فلا وجهَ لمسألةِ العبدِ ربَّه ألا يُؤاخِذَه به.
وقد زعَم قومٌ أن مسألةَ العبدِ ربَّه ألا يُؤاخِذَه بما نسِى أو أخْطَأ، إنما هو فعلٌ منه لما أمرَه به ربُّه تبارك وتعالى، أولمَا ندَبه إليه مِن التذلُّلِ له، والخضوعِ بالمسألةِ، فأما على وجهِ مسألتِه الصَّفْحَ عنه، فما لا وجهَ له عندَهم.
وللبيانِ على ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "عن".¥ هؤلاء كتابٌ سنأتى فيه إن شاء اللهُ على ما فيه الكفايةُ لمن وُفِّق لفهمه.

القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}.
يَعْني بذلك جل ثناؤُه: قولوا: ربَّنا ولا تَحْمِلْ علينا إصرًا. ويعنى بالإصْرِ العهدَ، كما قال جلَّ ثناؤُه: {قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آل عمران: 81]. وإنما عنَى بقولِه: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}: ولا تَحْمِلْ علينا عهدًا نَعْجِزُ عن القيامِ به ولا نَسْتَطِيعُه. {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. يعني: على اليهودِ والنصارى الذين كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذت عهودُهم ومَواثيقُهم على القيامِ بها، فلم يَقُوموا بها، فعُوجِلوا بالعقوبةِ، فعلَّم اللهُ عزَّ جلَّ أمةَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - الرغبةَ إليه بمسألتِه ألا يَحْمِلَهم مِن عهودِه ومَواثيقِه على أعمالٍ - إن ضَيَّعوها أو أخْطَئوا فيها أو نَسُوها - مثلَ الذي حَمَل مَن قبلَهم، فيُحِلُّ بهم بخطئِهم فيه وتَضْييعِهم إياه مثلَ الذي أحَلَّ بمَن قبلَهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. قال: لا تَحْمِلْ علينا عهدًا وميثاقًا {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. يقولُ: كما غُلِّظ على مَن قبلَنا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 112.¥.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن قيسٍ الحَضْرميِّ، عن مُجاهدٍ في قولِه: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. قال: عهدًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: {إِصْرًا}. قال: عهدًا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {إِصْرًا}. يقولُ: عهدًا ¬ذكره الحافظ في التغليق 4/ 187 عن المصنف، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 580 (3097) من طريق الضحاك، عن ابن عباس.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}: والإصرُ العهودُ التي كانت على مَن قبلَنا مِن اليهودِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 580 عقب الأثر (3097) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. قال: عهدًا لا نُطِيقُه ولا نَسْتَطيعُ القيامَ به، {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}، اليهودَ والنصارى، فلم يَقُوموا به، فأَهْلَكْتَهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أَخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: {إِصْرًا}. قال: المَواثيقَ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 580 عقب الأثر (3097) معلقا.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: الإصرُ العهدُ، {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [آل عمران: 81]. قال: عهْدي.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ [{وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي}. قال: عهدى ¬ينظر المحرر الوجيز 2/ 320.¥] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي}. قال: عهدى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 695 (3765) عن محمد بن سعد به.¥.
وقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَحْمِلْ علينا ذنوبًا وإثْمًا كما حَمَلْتَ ذلك على مَن قبلَنَا مِن الأممِ، فتَمْسَخنا قِرَدةً وخَنازيرَ كما مسَخْتَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا بَقِيةُ بنُ الوليد، عن عليِّ بن هارونَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ في قولِه: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. قال: لا تَمْسَخْنا قردةً وخنازيرَ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: قولُه: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. لا تَحْمِلْ علينا ذنبًا ليس فيه توبةٌ ولا كفارةٌ ¬¥.
وقال آخَرون: معنى الإصْرِ بكسرِ الألفِ: الثِّقْلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. يقولُ: التشديدُ الذي شدَّدْتَه على مَن قبلَنَا مِن أهلِ الكتابِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 580 (3098) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سألْتُ - يعني مالكًا - عن قولِه: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. قال: الإصرُ الأمرُ الغَليظُ ¬ينظر البحر المحيط 2/ 369.¥.
فأما الأصْرُ بفتحِ الألفِ فهو ما عطَف به الرجلُ على غيرِه مِن رَحِمٍ أو قَرابةٍ، يقولُ: قد أصَرَتْنى رحِمى بينى وبينَ فلانٍ عليه. بمعنى: عطَفَتْني عليه، و: ما يَأْصِرُني عليه، أيْ: ما يَعْطِفُنى عليه. و: بينى وبينَه آصِرَةُ رحِمٍ تَأصِرُني عليه أصْرًا. يعني به: عاطفةُ رحمٍ تَعْطِفُنى عليه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}.
يَعْني بذلك جل ثناؤُه: وقولوا أيضًا: ربَّنا لا تُكَلِّفْنا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به لثِقَلِ حملِه علينا.
وكذلك كانت جماعةُ أهلِ التأويلِ يَتَأَوَّلونه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}: تشديدٌ تُشَدِّدُ به، كما شدَّدتَ على مَن كان قبلنا ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 1/ 112 عن معمر، عن قتادة بمعناه.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ قولَه: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال: لا تُحَمِّلْنَا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.¥.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}: لا تَفْتَرِضْ علينا مِن الدين ما لا طاقةَ لنا به فنَعْجِزَ عنه ¬ينظر المحرر الوجيز 2/ 321، والبحر المحيط 2/ 369.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}: مَسْخُ القِرَدةِ والخَنازيرِ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 581 عقب الأثر (3104) معلقا.¥.
حدَّثني سَلَّامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: ثنا أبو حفصٍ عمرُ بنُ سعيدٍ التَّنُوخيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ شُعيبِ بن شابورَ ¬في م: "سابور".¥، عن [سلّامِ بن سابورَ] ¬في ص: "سلام بن سابورا"، وفي م: "سالم بن شابور".¥ في قولِه: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال: الغُلْمةُ ¬الغلمة: هيجان شهوة النكاح من المرأة والرجل. اللسان (غ ل م).
والأثر ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 2/ 321، وأبو حيان في البحر المحيط 2/ 369، عن سلام بن سابور، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.¥.
حدثني موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}: مِن التغليظِ والأغْلالِ التي كانت عليهم من التحريمِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 581 (3107) من طريق عمرو به.¥.
وإنما قلنا: إن تأويلَ ذلك: ولا تُكَلِّفْنا من الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به. على نحوِ الذي قلنا في ذلك؛ لأنه عَقيبَ مسألةِ المؤمنين ربَّهم ألا يُؤَاخِذَهم إن نَسُوا أو أَخْطَئوا، ولا يَحْمِلَ عليهم إصرًا كما حمَله على الذين من قبلِهم، فكان إلحاقُ ذلك بمعنى ما قبلَه من مسألتِهم التَّيْسيرَ في الدِّينِ، أَوْلَى مما خالَف ذلك المعنى.
[فإن قال قائلٌ: أو كان جائزًا أن يُكَلِّفَهم ما لا طاقةَ لهم به فيَسْأَلُوه ألا يُكَلِّفَهم ذلك؟
قيل: إن تَكْليفَ ما لا يُطاقُ على وجْهَين:
أحدُهما: ما ليس في بِنْيةِ المُكَلَّفِ احْتِمالُه، فذلك ما لا يَجوزُ تَكْليفُ الربِّ عبدَه بحالٍ، وذلك كتَكْليفِ الأعْمَى النَّظَرَ، وتكليفِ المُقْعَدِ العَدْوَ، فهذا النوعُ من التكليفِ هو الذي لا يَجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ، ولا تَجُورُ مسَأَلْتُه صرفَه وتَخْفِيفَه عنه؛ لأن ذلك مسألةٌ مِن العبدِ ربَّه - إن سأله - ألا يَفْعَلَ ما قد أَعْلَمَه أَنه لا يَفْعَلُه به.
والوجه الثاني: ما في بِنْيةِ المكلَّفِ احْتِمالُه، غيرَ أنه يَحْتَمِلُه بمشقةٍ شَديدةٍ وكُلْفةٍ عظيمةٍ، مَخُوفٍ على مُكَلَّفِه التَّضْيِيعُ والتَّفْريطُ؛ لغلَظِ مِحْنتِه عليه فيه، وذلك كتكْليفِ قَرْضٍ مَن أصاب جسدَه بولٌ موضعَ البولِ الذي أصابه بمِقْراضٍ، وكإقامةِ خمسين صلاةً في اليومِ والليلةِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأعمالِ التي وإن كانت الأبْدانُ لها مُحْتَمِلةً؛ فإن الأغْلَبَ مِن أمرِها خوفُ التَّضْييعِ عليها والتَّقْصيرِ، فذلك هو الذي سأَل المؤمنون ربَّهم ألا يُحَمِّلَهم، ورغِبوا إليه في تَخْفيفِه وتَيْسيرِه عليهم؛ لأن ذلك من الأمورِ التي لو أمَر اللهُ تعالى ذكرُه بها عبادَه وتعَبَّدهم بها كان عدْلًا منه، وتَخفيفُه ذلك عنهم فضلٌ منه تفَضَّل به عليهم، ورحمةٌ منه بهم، فرغِب المؤمنون إلى ربِّهم في تَعَطُّفِه عليهم بفضلِه ورحمتِه، وإن كانت المنزلةُ الأخرى عدلًا منه، إذ كان في تفَضُّلِه عليهم التخفيفُ، وفي عدلِه عليهم التشديدُ الذي لا يُؤْمَنُ معه هَلاكُهم] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا}.
وفى هذا أيضًا من قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه خبرًا عن المؤمنين من مسألتِهم إياه ذلك، الدلالةُ الواضحةُ أنهم سألوه تَيْسيرَ فرائضِه عليهم بقولِه: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. لأنهم عقَّبوا ذلك بقولِهم: {وَاعْفُ عَنَّا}. مسألةً منهم ربَّهم أن يعفوَ لهم عن تقصيرٍ إن كان منهم في بعض ما أمَرَهم به مِن فرائضِه، فيَصْفَحَ لهم عنه، ولا يُعاقِبَهم عليه، وإن خفَّ ما كلَّفهم مِن فرائضِه على أبدانِهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَاعْفُ عَنَّا}. قال: اعْفُ عنا إن قصَّرْنا عن شيءٍ مِن أَمرِك مما أَمَرْتَنا به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف. وستأتي بقيته فيما يأتي.¥.
وكذلك قولُه: {وَاغْفِرْ لَنَا}. يعنى: واسْتُرْ علينا زَلَّةً إن أتَيْناها فيما بينَنا وبينَك، فلا تَكْشِفْها ولا تَفْضَحْنا بإظهارِها.
وقد دلَّلْنا على معنى "المغفرةِ" فيما مضَى قبلُ ¬تقدم في 1/ 720، 721.¥.
كما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {وَاغْفِرْ لَنَا}: إِن انْتَهَكْنا شيئًا مما نهَيْتَنا عنه.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَارْحَمْنَا}.
يَعْني بذلك جل ثناؤُه: تغَمَّدْنا منك برحمةٍ تُنْجِينا بها من عقابِك، فإنه ليس
بناجٍ مِن عقابِك أحدٌ إلا برحمتِك إياه دونَ عملِه، وليست أعمالُنا مُنْجِيتَنا إن أنت لم تَرْحَمْنَا فوفِّقْنا لما يُرْضِيك عنا.
كما حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَارْحَمْنَا}. قال: يقولُ: لا تَنالُ العملَ بما أَمَرْتَنا به، ولا نَتْرُكُ ما نهَيْتَنا عنه إلا برحمتِك. قال: ولم يَنْجُ أحدٌ إلا برحمتِك ¬تقدم أوله في ص 164.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه: {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}.
يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: {أَنْتَ مَوْلَانَا}: أنت وليُّنا تَلِينا بنصرِك دونَ مَن عاداك وكفَر بك؛ لأنا مؤمنون بك ومُطِيعوك فيما أمَرْتَنَا ونَهَيْتَنا، فأنت وليُّ مَن أطاعك، وعدُوُّ مَن كفَر بك فعَصَاك {فَانْصُرْنَا}؛ لأنا حِزْبُكَ {عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} الذين جحَدوا وحدانيتَك، وعبَدوا الآلهةَ والأنْدادَ دونَك، وأطاعوا في معصيتِك الشيطانَ.
والمَوْلَى في هذا الموضعِ "المَفْعَلُ"، مِن: ولِى فلانٌ أمرَ فلانٍ، فهو يَلِيه ولايةً، وهو وليُّه ومولاه. وإنما صارَت الياءُ مِن "مولى" ألفًا لانفتاحِ اللامِ قبلَها التي هي عينُ الاسمِ.
وقد ذُكِر أن الله جلَّ ثناؤُه لما أَنْزَل هذه الآيةَ على رسولِه - صلى الله عليه وسلم - فتلاها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، استَجاب اللهُ له في ذلك كلِّه.

ذكرُ الأخبارِ التي جاءَت بذلك
حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قالا: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ}. قال: قرَأَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلما انتَهَى إلى قولِه: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}. قال اللهُ: قد غَفَرْتُ لكم. فلما قرَأ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال اللهُ عز وجل: [لا أواخذُكم. فلما قرَأ: {وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. قال جلَّ ثناؤُه: لا أحمِلُ عليكم. فلما قرَأ: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. قال اللهُ عزَّ وجلَّ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥: لا أحَمِّلُكم. فلما قرَأ: [{وَاعْفُ عَنَّا}. قال الله عز وجل: قد عفوت عنكم. فلما قرَأ] ¬أخرجه أبو عوانة في مسنده 1/ 76، والطحاوي في المشكل (1630)، والطبراني في الأوسط (9308)، والبيهقي في الشعب 2/ 463 من طريق آدم به.¥: {وَاغْفِرْ لَنَا}. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: قد غفَرت لكم. فلما قرَأ: {وَارْحَمْنَا}. قال اللهُ عز وجل: قد رحِمْتُكم
. فلما قرَأ: {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: قد نصَرْتُكم عليهم ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (483 - تفسير)، والبيهقي في الشعب (2410) من طرق عن الضحاك بنحوه.¥.
حدَّثني يحيَى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: أتَى جبريلُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهما وسلَّم فقال: يا محمدُ، قلْ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. فقالها، فقال جبريلُ عليه السلامُ: قد فعَل. وقال له: قلْ: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. فقالها، فقال جبريلُ - صلى الله عليه وسلم -: قد فعَل. فقال: قلْ: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. فقالها، فقال جبريلُ: قد فعل. فقال: قلْ: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. فقالها، فقال له جبريلُ - صلى الله عليه وسلم -: قد فعَل ¬¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ أن هذه الآيةَ حين نزَلَت: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، فقال له جبريلُ صلى الله عليهما وسلم: فعَل ذلك يا محمدُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. فقال جبريلُ في كلِّ ذلك: فعَل ذلك يا محمدُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 377 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أنْزَل اللهُ عزَّ وجلَّ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} إلى قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. فقرَأ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال: فقال: قد فعَلْتُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. فقال. قد فعَلْتُ. {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: قد فعلتُ. {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} قال: قد فعَلْتُ ¬تقدم تخريجه في ص 131.¥.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مُصْعَبِ بن ثابتٍ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: أنْزَل اللهُ تبارك وتعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "قال اللهُ: نعم". [{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} إلى آخرِ الآيةِ. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "قال اللهُ عز وجل: نعم] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ " ¬تقدم تخريجه في ص 130، 131.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س: "حميد".¥، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: نزلت هذه الآيةُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}. قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ. فأُعْطِيَت هذه الأمةُ خَواتيمَ سورةِ "البقرة"، ولم تُعْطَها الأممُ قبلَها.
حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ المَوْصليُّ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، قال: ثنا عَطَاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ جَلَّ وعزَّ: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} إلى قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا}. قال: قد غَفَرْتُ لكم. {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إلى قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. قال: لا أؤاخِذُكم. {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا}. قال: لا أحْمِلُ عليكم. إلى قولِه: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا} إلى آخرِ السورةِ. قال: قد عَفَوْتُ عنكم، وغفَرْتُ لكم، ورَحِمْتُكم، ونَصَرْتُكم على القومِ الكافرين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 577، 579، 581، 582 (3078، 3093، 3096، 3108، 3110، 3113) عن علي بن حرب به.¥.
ورُوِى عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ أن إجابةَ اللهِ [تبارك وتعالى في هذه الآيةِ كانت] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3، س.¥ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خاصّةً.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} إلى آخرِ السورةِ: فإن جبريلَ عليه السلامُ أقرَأَها نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فسألها نبيُّ اللهِ ربَّه جلَّ ثناؤُه، فأعطاها إيّاه، فكانت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - خاصّةً ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 378 إلى المصنف.¥.
حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ أن مُعاذًا كان إذا فرَغ من هذه السورةِ: {فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. قال: آمينَ ¬أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 125، وابن أبي شيبة 2/ 426 من طريق سفيان به، وفي إسنادهما: "عن أبي إسحاق عن رجل عن معاذ".
وإلى هنا انتهى الجزء الثامن من المخطوط الأصل. وآخره: "آخر تفسير سورة البقرة والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وصلى الله على محمد وآله. تم السفر الثامن من جامع البيان عن تأويل أي الفرقان بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد نبيه وعلى آله الطيبين وسلم تسليما يتلوه إن شاء الله أول تفسير آل عمران". وسيجد القارئ أرقام أوراق المخطوط ت 1 بين معكوفين.¥.

[as1]أسانيد بدون هوامش [as2]هنا

Tafsir in other languages · 6