Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 29

Surah 2 : Ayah 29

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

It is He Who created for you all that is in the earth, then He turned towards the heaven and made them seven heavens, and He is All-Knowing of everything.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


[القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}
قال أبو جعفرٍ] ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2.¥: ثم عدَّدَ ربُّنا عليهم، وعلى أوليائِهم من أحبارِ اليهودِ الذين جمَع بينَ قَصَصِهم وقَصصِ المنافقين في كثيرٍ من آيِ هذه السورةِ التي افتَتح الخبرَ عنهم فيها بقولهِ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} - نِعَمَه التي سلَفتْ منه إليهم وإلى آبائِهم، التي عظُمتْ منهم مواقِعُها، ثم سلْبُه ¬في م: "سلب".¥ كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركِبوا من الآثامِ، واجتَرَموا من الأجْرامِ، وخالَفوا من الطاعةِ إلى المعصية، محذِّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبةِ لهم، كالتي ¬في الأصل: "كالذي".¥ عجَّلها للأسلافِ والأفراطِ قبلَهم، ومخوِّفَهم حُلولَ مَثُلاتِه بساحتِهم، كالذي أحلَّ بأوائلِهم ¬في م: "بأوليهم".¥، ومعرِّفَهم ما لهم من النجاةِ في سرعةِ الأوْبةِ إليه وتعجيلِ التوبةِ؛ من الخلاصِ لهم يومَ القيامةِ من العقابِ. فبدأ بعدَ تعديدِه عليهم ما عدَّد من نِعَمِه التي هم فيها مُقيمون بذكرِ أبِينا وأبِيهم آدمَ أبي البشرِ، صلواتُ اللهِ عليه، وما سلَف منه من كرامتِه إليه وآلائِه لدَيه، وما أحلَّ به وبعدوِّه إبليسَ مِن عاجلِ عقوبتِه بمعصيتِ
هما التي كانت منهما، ومخالفتِهما أمْرَه الذي أمَرهما به، وما كان من تغمُّدِه آدمَ برحمتِه إذْ تاب وأناب إليه، وما كان من إحلالِه بإبليسَ من لعنتِه في العاجِل، وإعدادِه له ما أعدَّ له من العذابِ المقيمِ في الآجلِ، إذِ استكبرَ وأبَى التوبةَ إليه والإنابةَ، مُنبهًا لهم على حُكمِه في المُنيبين إليه بالتوبةِ، وقضائِه في المستكبرِين عن الإنابةِ، إعذارًا من اللهِ بذلك إليهم، وإنذارًا لهم لِيتدبَّروا آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ منهم أُولو الألبابِ، وخاصًّا أهلَ الكتابِ بما ذكَر من قصَصِ آدمَ وسائرِ القصصِ التي ذكَرها معها وبعدَها، مما علِمه أهلُ الكتابِ وجهِلَتْه الأمةُ الأُميةُ مِن مشركِي عَبدَةِ الأوثانِ - بالاحتجاجِ عليهم - دونَ غيرِهم من سائرِ أصنافِ الأممِ الذين لا علْمَ عندَهم بذلك - لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -؛ ليعلموا بإخبارِه إياهم بذلك أنه للهِ رسولٌ مبعوثٌ، وأن ما جاءهم به فمِن عندِه، إذْ كان ما اقتَصَّ عليهم من هذه القصصِ من مكنونِ علومِهم، ومَصونِ ما في كُتبِهم، وخفيِّ أمورِهم، التي لم يكنْ يدَّعِي معرفَةَ عِلْمِها غيرُهم وغيرُ مَن أخَذ عنهم وقرَأ كُتُبَهم. وكان معلومًا من محمدٍ - صلى الله عليه وس
لم - أنه لم يكنْ قطُّ كاتبًا، ولا لأسفارِهم تاليًا، ولا لأحدٍ منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكِنَهم أن يَدَّعُوا أنه أخَذ ذلك من كُتبِهم، أو عن بعضِهم، فقال جلَّ ذكرُه في تعدِيدِه عليهم ما هم فيه مقيمون من نِعَمِه مع كفرِهم به، وتركِهم شُكْرَه عليها بما يَجِبُ له عليهم منَ طاعتِهِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
فأخبَرهم جلَّ ذِكْرُه أنه خلَقَ لهم ما في الأرضِ جميعًا؛ لأن الأرضَ وجميعَ ما فيها لبني آدمَ منافعُ، أما في الدِّينِ فدليلٌ ¬بعده في الأصل: "له".¥ على وحدانيةِ ربِّهم ¬في الأصل: "ربه".¥، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغٌ لهم ¬في ص: "له".¥ إلى طاعتهِ، وأداءِ فرائضِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}.
وقولُه: {هُوَ} مَكْنِيٌّ ¬إنما أطلق الكوفيون على الضمير: "المكني" أو "الكناية". لأنه يرمز به عن الظاهر اختصارا، فهو اسم كنى به عن اسم. ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 5، 19، 50، وشرح المفصل 3/ 184، وشرح الرضى 2/ 93.¥ من اسمِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه، عائدٌ على اسمِه في قولِه: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ}. ومعنى خلْقِه ما خَلق جلّ ثناؤُه؛ إنشاؤُه عينَه، وإخراجُه من حالِ العدَمِ إلى الوجودِ. و {مَا} بمعنى "الذي"، فمعنى الكلامِ إذن: كيفَ تكفرون باللهِ وقد كنتم نُطَفًا في أصلابِ آبائِكم، فجعَلكم بشرًا أحياءً، ثم يميتُكم، ثم هو مُحيِيكم بعد ذلك، وباعثُكم يومَ الحشرِ للثوابِ والعقابِ، وهو المنُعمُ عليكم بما خلَق لكم في الأرضِ، من مَعايشِكم وأدِلَّتِكم على وحدانيةِ ربِّكم. و {كَيْفَ} بمعنى التعجبِ والتوبيخِ، لا بمعنى الاستفهامِ، كأنه قال: ويْحَكُمْ كيفَ تكفرون باللهِ! كما قال: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26].
وحلَّ قولُه: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} محلَّ الحالِ، وفيه ضميرُ ¬الضمير هنا بمعنى التقدير. ينظر مصطلحات النحو الكوفي ص 141.¥ "قد"، ولكنَّها حُذفت لما في الكلامِ من الدليلِ عليها، وذلك أن "فَعل" إذا حلَّت محلَّ الحالِ كان معلومًا أنها مُقتضيةٌ "قد"، كما قال جلَّ ثناؤُه: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} [النساء: 90] يعني: قد حَصِرتْ صدُورُهم. وكما تقولُ للرجلِ: أصبحتَ كَثُرَتْ ماشيتُك. تريدُ: قَدْ كثُرتْ ماشيتُك.
وبنحوِ ما قلنا في قولِه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} كان قتادةُ يقولُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}: نَعَمْ واللهِ، سَخَّر لكم ما في الأرضِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 75 (307) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 42 إلى عبد بن حميد. وينظر تاريخ دمشق 7/ 399.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}.
اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}؛ فقال بعضُهم: معنى {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}: أقبلَ عليها. كما تقولُ: كان فلانٌ مُقبلًا على فلانٍ، ثم استوى عليَّ يُشاتمُني، واستوى إليَّ يُشاتمُني. يعني: أقبَل عليَّ وإليَّ يُشاتمُني. واستَشهد على أن معنى الاستواءِ بمعنى الإقبالِ بقولِ الشاعرِ ¬البيت لابن مقبل، وهو في ديوانه ص 164.¥:
أقولُ وقد قَطَعْنَ بنا شَرَوْرَى ¬شرورى: جبل بين العَمْق والمعدِن، في طريق مكة إلى الكوفة، وهي بين بني أسد وبني عامر. معجم ما استعجم 3/ 794، والبيت فيه.¥ ... سَوامِدَ ¬رواية الديوان، ومعجم ما استعجم: "ثوانى". وسمدت الإبل: إذا جدت في السير. التاج (س م د).¥ واستوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ ¬الضجوع: موضع بين بلاد هذيل وبلاد بني سليم. معجم ما استعجم 3/ 857 والبيت فيه.¥
فزعَم أنه عنَى به انّهنَّ خرجْن من الضَّجوعِ، وكان ذلك عنده بمعنى "أقبَلْن".
وهذا من التأويلِ في هذا البيتِ خطأٌ، وإنما معنى قولِه: واستوينَ من الضجوعِ - عندي -: استوَيْنَ على الطريقِ من الضَّجُوعِ خارجاتٍ. بمعنى: اسْتقَمْنَ عليه ¬سقط من: الأصل.¥.
وقال بعضُهم: لم يكن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه بتحوُّلٍ، ولكنه يعني فِعْلَه، كما تقولُ: كان الخليفةُ في أهلِ العراقِ يُواليهم، ثم تحوَّلَ إلى أهلِ الشامِ. إنما يريدُ تحوُّلَ فعْلِه.
وقال بعضُهم: قولُه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} يعني: استوتْ به. كما قال الشاعرُ:
أقُولُ لَهُ لَمَّا استوَى في ترابِه ... ¬في ص: "ثراته"، وفي ر: "تراثه".¥ على أيِّ دِينٍ [قَتَّل الناسَ] ¬في م: "قبل الرأس".¥ مُصْعبُ
وقال بعضُهم: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}: عمَد لها. وقال: كلُّ تاركٍ عملًا كان فيه إلى آخرَ ¬في م: "آخره".¥ فهو مُستوٍ لما عمَد له ومُستوٍ إليه.
وقال بعضُهم: الاستواءُ هو العلوُّ، والعلوُّ هو الارتفاعُ.
وممن قال ذلك الربيعُ بنُ أنسٍ، حُدِّثْتُ بذلك عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} يقولُ: ارتفعَ إلى السماءِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 75 عقب الأثر (308) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 43 إلى المصنف عن أبي العالية. وستأتي بقيته في ص 458.¥.
ثم اختلَف متأوِّلُو الاستواءِ بمعنى العلوِّ والارتفاعِ في الذي استوَى إلى السماءِ؛ فقال بعضُهم: الذي استوَى إلى السماءِ وعلَا عليها خالِقُها ومُنشيءها.
وقال بعضُهم: بلِ العالي إليها ¬في ص: "عليها".¥ الدخانُ الذي جعَله اللهُ للأرضِ سماءً.
قال أبو جعفرٍ: والاستواءُ في كلامِ العربِ منصرِفٌ على وجوهٍ؛ منها: انتهاءُ شبابِ الرجلِ وقوَّتِه، فيقالُ إذا صارَ كذلك: قدِ استوَى الرجلُ.
ومنها: استقامةُ ما كان فيه أوَدٌ ¬الأود: العِوَج. ينظر التاج (أ و د).¥ من الأمورِ والأسبابِ، يقالُ منه: استوَى لفلانٍ أمرُه: إذا استقام له بعدَ أوَدٍ ¬في الأصل: "درء".¥. ومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ بنِ حكيمٍ ¬ديوانه ص 193.¥:
طال على رسمٍ مُهَدَّدٍ أبَدُهْ ... و ¬في الأصل: "ثم".¥ عفا واسْتَوَى به بَلَدُهْ
يعني: استقام به.
ومنها: الإقبالُ على الشيْءِ بالفعلِ، كما يقالُ: استوَى فلانٌ على فلانٍ بما يكرهُه ويسوءُه بعدَ الإحسانِ إليه.
ومنها: [الاستيلاءُ والاحتواءُ] ¬في م: "الاحتياز والاستيلاء".¥، كقولِهم: استوَى فلانٌ على المملكةِ.
بمعنى: احتوَى عليها وحازَها.
ومنها: العلوُّ والارتفاعُ، كقولِ القائلِ: استوَى فلانٌ على سريرِه. يعني به: عُلوَّه عليه.
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى المعاني بقولِ اللهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ}: علَا عليهن وارتفَع، فدبَّرهن بقدرتِه وخلَقهنَّ سبعَ سماواتٍ.
والعجبُ ممن أنكَرَ المعنى المفهومَ من كلامِ العربِ في تأويلِ قولِ اللهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} الذي هو بمعنَى العلوِّ والارتفاعِ هَرَبًا عندَ نفسِه من أنْ يلزَمَه بزعمِه - إذا تأوَّله بمعناه المفهومِ كذلك - أن يكونَ إنما علَا وارتفَع بعد أن كان تحتَها، إلى أنْ تأوَّلَه بالمجهولِ من تأويلِه المُسْتَنْكَرِ ¬في ص: "المستكره".¥، ثم لم ينجُ مما هرَب منه، فيقالُ له: أزعَمتَ أن تأويلَ قولِه: {اسْتَوَى}: أقبَل، أفكانَ مُدْبرًا عن السماءِ فأقبَل إليها؟ فإن زعَمَ أن ذلك ليس بإقبالِ فعلٍ ولكنه إقبالُ تدبيرٍ. قيلَ له: فكذلك فقلْ ¬في ر: "تقل".¥: علَا عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسلطانٍ لا علوَّ انتقالٍ وزوالٍ. ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه. ولولا أنَّا كرِهنا إطالةَ الكتابِ بما ليس من جنسِه لأَنبأْنا عن فسادِ قولِ كلِّ قائلٍ قال في ذلك قولًا لقولِ أهلِ الحقِّ فيه مخالفًا، وفيما بيَّنا منه ما يُشرِفُ بذي الفهمِ على ما فيه له الكفايةُ إن شاء اللهُ.
وإن قال لنا قائلٌ: أخبِرْنا عن استواءِ اللهِ جلَّ وعز إلى السماءِ، كان قبلَ خلْقِ السماءِ أم بعدَه؟
قيل: بعدَه، وقبلَ أن يسوِّيَهن سبعَ سماواتٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} [فصلت: 11].
فالاستواءُ كان بعد أن خلَقها دخانًا، وقبل أن يسَوِّيَها سبعَ سماواتٍ.
وقال بعضُهم: إنما قال ¬في الأصل، ر: "قيل".¥: {اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} ولا سماءَ، كقولِ الرجلِ لآخَرَ: اعمَلْ هذا الثوبَ. وإنما معه غزلٌ.
وأما قولُه: {فَسَوَّاهُنَّ}. فإنه يعني: هيَّأَهُنَّ وخلَقهن ودبَّرهن وقوَّمهن.
والتسويةُ في كلامِ العربِ التقويمُ والإصلاحُ والتوطئةُ، كما يقالُ: سوَّى فلانٌ لفلانٍ هذا الأمرَ. إذا قوَّمه وأصلَحه ووطَّأَه له، فكذلك تسويةُ اللهِ جلَّ وعز سماواتِه، تَقويمُه إياهن على مشيئتِه، وتدبيرُه لهن على إرادتِه، وتفتيقُهن بعد ارْتِتاقِهن ¬في ص: "بتامتهن"، وفي م: "ارتاقهن".¥.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} يقولُ: سوّى خْلَقَهنّ، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 75 (310) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 43 إلى المصنف عن أبي العالية. وتقدم أوله في ص 456.¥.
وقال جلّ ذكرُه: {فَسَوَّاهُنَّ}. فأخرَج مَكنِيَّهن ¬في ر: "مكينهن". والمكنى هو الضمير في اصطلاح نحويي الكوفة. ينظر ص 453.¥ مُخرجَ مَكْنيِّ الجميعِ، وقد قال قبلُ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} فأخرَجها على تقديرِ الواحدِ، وإنما أخرَج مَكنِيَّهن مُخرَجَ مَكْنيِّ الجميعِ؛ لأن السماءَ جمعٌ، واحدُها سماوَةٌ، فتقديرُ واحدتِها وجميعِها إذن تقديرُ بقرةٍ وبقرٍ، ونخلةٍ ونخلٍ، وما أشبهَ ذلك، ولذلك أُنِّثت السماءُ مرةً، فقيل: هذه سماءٌ. وذُكِّرت أُخرى، فقيل: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: 18]. كما يُفعَلُ ذلك بالجميعِ الذي لا فرْقَ بينَه وبين واحدِه غيرُ دخولِ الهاءِ وخروجِها، فيقالُ: هذا بقرٌ، وهذه بقرٌ، وهذا نخلٌ، وهذه نخلٌ. وما أشبهَ ذلك.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن السماءَ واحدةٌ، غيرَ أنها تدُلُّ على السماواتِ، فقيل: {فَسَوَّاهُنَّ}. يُراد بذلك التي ذُكرتْ وما دلَّتْ عليه من سائرِ السماواتِ التي لم تُذكرْ معها. قال: وإنما تُذكَّرُ إذا ذُكِّرتْ وهي مؤنثةٌ، فيقالُ: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ}. كما يُذَكَّرُ المؤنثُ، وكما قال الشاعرُ ¬البيت لعامر بن جوين الطائي، وهو في الكتاب 2/ 46، والخزانة 1/ 45.¥:
فلا مُزْنةٌ ودَقَتْ وَدْقَها ... ولا أرضَ أبْقَلَ إبْقالَها
وكما قال أعْشى بني ثعلبةَ ¬ديوانه 171، وروايته:
فإن تعهديني ولى لمة ... فإن الحوادث ألوى بها¥:
فإمّا تَرَىْ لِمَّتِى بُدِّلَتْ ... فإنَّ الحوادثَ أزْرَى بها
وقال بعضُهم: السماءُ وإن كانت سماءً فوقَ سماءٍ، وأرضًا فوقَ أرضٍ، فهي في التأويلِ واحدةٌ إن شيءتَ، ثم تكونُ تلك الواحدةُ جِماعًا، كما يقالُ: ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ ¬ثوب أخلاق: من قولهم: خلق الثوب. أي بلى كله. وأسمال من: سمل الثوب سمولا وسمولة: أخلق. التاج (خ ل ق، س م ل).¥، وبُرْمةٌ أعشارٌ ¬أي: مكسرة على عشر قطع. ينظر التاج (ع ش ر).¥. للمتكسِّرَةِ، وبُرْمةٌ أكسارٌ وأجبارٌ. وأخلاقٌ، أي أنّ نواحيَه أخلاقٌ.
فإن قال لنا قائلٌ: فإنك ¬سقط من: ص، ر.¥ قد قلتَ: إن اللهَ استوَى إلى السماءِ وهي دخانٌ قبل أن يسوِّيَها سبعَ سماواتٍ ثم سوّاها سبعًا [بعد استوائِه إليها] ¬في ص: "فقد استوى به إليها".¥، فكيف زعَمتَ أنها جماعٌ؟
قيل: إنهنَّ كُنَّ سبعًا غيرَ مُستوياتٍ، فلذلك ¬في ص: "فكذلك".¥ قال تعالى ذكرُه: فسواهنَّ سبعًا.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: كان أوّلَ ما خلَق اللهُ تعالى ذكرُه النورُ والظلمةُ، ثم ميَّزَ بينَهما فجعَل الظُلمةَ ليلًا أسودَ مُظلمًا، وجعَل النورَ نهارًا مضيئًا مُبصرًا، ثم سمَك السماواتِ السبعَ من دخانٍ، يقالُ - واللهُ أعلمُ -: من دخانِ الماءِ. حتى استقلَلْنَ ولم يُحْبَكن، وقد أغطَش في السماءِ الدنيا ليلَها وأخرَج ضُحاها، فجرَى فيها الليلُ والنهارُ، وليس فيها شمسٌ ولا قمرٌ ولا نجومٌ، ثم دحَا الأرضَ فأرْساها بالجبالِ، وقدَّر فيها الأقواتَ، وبثَّ فيها ما أراد من الخَلْقِ، ففرَغ من الأرضِ وما قدَّر فيها من أقواتِها في أربعةِ أيامٍ، ثم استَوى إلى السماءِ وهي دخانٌ، كما قال، فحبَكَهُنَّ، وجعَل في السماءِ الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأوْحَى في كلِّ سماءٍ أمْرَها، فأكمَل خَلْقَهن في يومين، ففرَغ من خلْقِ السماواتِ والأرضِ في ستةِ أيامٍ، ثم استوَى في اليومِ السابعِ فوقَ سَماواتِه، ثم قال للسّماواتِ والأرضِ: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} لِمَا أردْتُ ¬في االأصل: "أردته".¥ بكما، فاطمَئِنَّا عليه طوعًا أو كرهًا {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ¬أخرجه المصنف في
تاريخه 1/ 34 إلى قوله: مبصرا. وينظر تفسير الآيات 9 - 12 من سورة فصلت.¥.
فقد أخبَر ابنُ إسحاقَ أن اللهَ تعالى ذكرُه استوَى إلى السماءِ بعد خلقِه الأرضَ وما فيها وهنّ سبعٌ من دخانٍ، فسَوّاهُنَّ كما وصَف.
وإنما استَشهدْنا لقولِنا الذي قُلْنا في ذلك بقولِ ابنِ إسحاقَ؛ لأنه أوضحُ بيانًا عن خبرِ ¬في ص: "خلق".¥ السماواتِ أنهنَّ كن سبعًا من دخانٍ قبلَ استواءِ ربِّنا إليها لتسويتِها ¬في ص، ر، م: "بتسويتها".¥ - من غيرِه، وأحسنُ شرحًا لما أردْنا الاستدلالَ به، من أن معنى السماءِ التي قال تعالى ذكرُه فيها: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} بمعنى الجمعِ على ما وصفْنَا، وأنَّه إنما قال جلَّ ثناؤُه: {فَسَوَّاهُنَّ}. إذْ كانت السماءُ بمعنى الجمعِ، على ما بيَّنَّا.
فإن قال لنا قائلٌ: فما صِفةُ تسويةِ اللهِ السماواتِ التي ذكَرها في قولِه: {فَسَوَّاهُنَّ}. إذْ كنَّ قد كنّ خُلِقن سبعًا قبل تسويتِه إياهُنَّ؟ وما وجْهُ ذكْرِ خلْقِهنّ بعد ذكْرِ خلْقِ الأرضِ، أَلأنَّها ¬في ص: "لا أنها"، وفي ر: "لأنها".¥ خُلِقتْ قبلَها أم لمعنًى ¬في ص، م: "بمعنى".¥ غيرِ ذلك؟
قيل: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك توكيدًا بما نضُمُّ إليه من أخبارِ بعضِ السلفِ المتقدِّمين وأقوالِهم.
فحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}. قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه كان عرشُه على الماءِ، ولم يخلُقْ شيئًا غيرَ ما خلَق قبلَ الماءِ، فلمَّا أراد أن يَخْلُقَ الخْلقَ أخرَج من الماءِ ¬في ص: "النار".¥ دخانًا، فارتفَع فوق الماءِ فسَما عليه، فسمّاهُ سماءً، ثم أيبَس الماءَ فجعَله أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعَل سبعَ أرَضينَ في يومين، في الأحدِ والاثنينِ، فخلَق الأرضَ على حوتٍ، والحوتُ هو النونُ الذي ذكَر اللهُ في القرآن: {ن وَالْقَلَمِ} [القلم: 1]. والحوتُ في الماءِ، والماءُ على ظَهْرِ صَفَاةٍ، والصفاةُ على ظهرِ مَلَكٍ، والمَلَكُ على صخرةٍ، والصخرةُ في الريحِ - وهي الصخرةُ التي ذكَر لقمانُ ¬يشير إلى الآية 16 من سورة لقمان.¥ - ليست في السماءِ ولا في الأرضِ، فتحرَّك الحوتُ فاضطرَب، فتزلزلتِ الأرضُ، فأرْسَى عليها الجبا
لَ فقرّتْ، فالجبالُ تفخَرُ على الأرضِ، وذلك قولُه: [{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] ¬في النسخ، والتوحيد، وتفسير ابن أبي حاتم، والدر المنثور: " وجعل لها"، والمثبت هو صواب تلاوة الآية، وهي كذلك في تاريخ المصنف.¥ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15]. وخلَق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلِها، وشجرَها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وذلك حينَ يقولُ: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا}. يقولُ: أنبتَ شجرَها. {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا}. يقولُ: أقواتَها لأهلِها. {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}. يقول: [مَن سأل فهكذا] ¬في م: "قل لمن يسألك هكذا".¥ الأمرُ. {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 9 - 11]. وكان ذلك الدخانُ من تنَفُّسِ الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، ثم فتقَها فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميس والجمُعةِ، وإنما سُمِّيَ يومَ الجمُعةِ لأنه جُمِع فيه خلْقُ السماواتِ والأرضِ، {وَأَوْحَى فِي كُ
لِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}. قال: خلَق في كلِّ سماءٍ خلْقَها من الملائكةِ والخَلْقِ الذي فيها، من البحارِ وجبالِ البَرَدِ وما لا يُعلَمُ، ئم زيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا بالكواكبِ، فجَعَلها زينةً وحِفْظًا تَحْفَظُ من الشياطيِن، فلمّا فَرَغَ من خلْقِ ما أحبّ، استوَى على العرشِ، فذلك حينَ يقولُ: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: 54، يونس: 3، هود: 7]. يقولُ: {كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 52، 53 عن موسى وغيره، عن عمرو به، إلى آية سورة النحل. وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 243، والبيهقي في الأسماء والصفات (807) من طريق عمرو به.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 74 (306) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 42، 43 إلى ابن المنذر.¥ [الأنبياء: 30].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}. قال: خلَق الأرضَ قبلَ السماءِ، فلمّا خلَق الأرضَ ثارَ منها دخانٌ، فذلك حينَ يقولُ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}. قال: بعضُهن فوقَ بعضٍ، وسبعُ أرَضين بعضُهن تحتَ ¬في ر: "فوق".¥
بعضٍ ¬تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور 1/ 42 - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 75 (311)، وأبو الشيخ في العظمة (885) من طريق الحسن بن يحيى به.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 42 إلى عبد بن حميد.¥
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} قال: بعضُهن فوق بعضٍ، بين كلِّ سماءيْن مَسِيرةُ خمسِمائةِ عامٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 44 إلى المصنف وعبد الرزاق.¥.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ حيثُ ذكَر خلْقَ الأرضِ قبلَ السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبلَ الأرضِ -: وذلك أن اللهَ خلَق الأرضَ بأقواتِها من غيرِ أن يدْحُوَها قبلَ السماءِ، ثم استوَى إلى السماءِ فسوّاهُنّ سبعَ سماواتٍ، ثم دَحَا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قولُه عز وجل: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30].
حدثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني أبو معشرٍ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ أنه قال: إن اللهَ بدَأ الخلْقَ يومَ الأحدِ، فخلَق الأرَضِين في الأحدِ والاثنينِ، وخلَق الأقواتَ والرواسِيَ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وخلَق السماواتِ في الخميس والجمُعةِ، وفرَغ في آخرِ ساعةٍ من يومِ الجمُعةِ، فخلَق فيها آدمَ على عَجَلٍ، فتلك الساعةُ التي تقومُ فيها الساعةُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 44،55،54 مفرقا.
وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (884) من طريق محمد بن بكير، عن أبي معشر به.
وأخرجه البيهقي في الأسماء والصافات (811) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام. وأخرج أحمد 5/ 450 (الميمنية) آخره من طريق آخر عن عبد الله بن سلام.¥.
فمعنى الكلامِ إذن: هو الذي أنعَم عليكم، فخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّره لكم، تفضُّلًا منه بذلك عليكم؛ ليكونَ لكم بلاغًا في دنياكم، ومتاعًا إلى موافاةِ آجالِكم، ودليلًا لكُم على وحدانيةِ ربِّكم، ثم علَا إلى السماواتِ السبعِ وهنَّ دخانٌ، فسوّاهن وحَبَكهن، وأجرَى في بعضِهن ¬في الأصل، ص: "بعضها".¥ [شمسَه وقمرَه ونجومَه] ¬في الأصل: "شمسها وقمرها ونجومها".¥، وقدَّر في كلِّ واحدةٍ منهنَّ ما قدَّر من خلْقِه.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {وَهُوَ} نفسَه، وبقولِه: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أن الذي خلَقكم وخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسوَّى السماواتِ السبعَ بما فيهن، فأحكَمهن مِن دخانِ الماءِ وأتقَن ¬في ت 1: "أيقن".¥ صُنْعَهن، لا يخفَى عليه أيُّها المنافقون والملحدون والكافرون به مِن ¬في ص: "و".¥ أهلِ الكتابِ - ما تُبْدون وما تكتُمون في أنفسِكم، وإن أبدَى منافقوكم بألسِنتِهم قولَهم: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ}. وهم على التكذيبِ به مُنْطَوون، وكذَّبتْ أحبارُكم ¬في ص: "أحبارهم".¥ بما أتاهم به رسولي من الهدَى والنورِ، [وهم] ¬سقط من: ص.¥ بصحتِه عارِفون، وجحَدوا ¬الأصل، ر: "جحدوه".¥ وكتَموا ما قد أخَذْتُ عليهم تبْيانَه ¬في م: "ببيانه".¥ لخلقِي من أمرِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -[ونُبُوَّتِه] ¬سقط من: ص.¥ - المواثيقَ، وهم به عالمون، بل أنا عالمٌ بذلك [من أمْرِكم] ¬سقط من: م.¥ وغيرِه من أمورِكم وأمورِ غيرِكم؛ أي ¬في ص، ر، م: "إني".¥ بكلِّ شيْءٍ عليمٌ.
وقولُه: {عَلِيمٌ}. بمعنى عالمٍ. ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ. هو الذي قد كَمُلَ في علْمِه.
حدَّثني المُثَنَّى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ ابنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: العالِمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره - كما في مجموع الفتاوى 17/ 220 - من طريق عبد الله بن صالح به. وينظر تفسير ابن كثير 8/ 547.¥.

Tafsir in other languages · 8