تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ}.
زعَم بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلُغاتِ العَربِ من أهلِ البصرةِ ¬هو أبو عبيدة في مجاز القرآن 1/ 36، 37.¥ أن تأويلَ قولِه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ}: وقال ربُّك. وأنّ {وَإِذْ} من الحروفِ الزَّوائدِ، وأن معناها الحذفُ. واعتَلَّ لقولِه الذي وصَفْنا عنه في ذلك ببيتِ الأسودِ بنِ يَعْفُرَ ¬البيت في المفضليات، ص 220، واللسان (م هـ هـ).¥:
فإذا وذلك لا مَهاهَ لِذِكْرِه ... والدهرُ يُعْقِبُ صالحًا بفسادِ
ثم قال: ومعناها: وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه. وببيتِ عبدِ منافِ بن رِبْعٍ ¬في ت 1، ت 2: "زريع".¥ الهُذليِّ ¬ديوان الهذليين 2/ 42، وسيأتي 14/ 9، وفي الشعراء.¥:
حتى إذا أسلَكوهم في قُتائِدَةٍ ¬قتائدة: جبل بين المنصرف والروحاء. معجم ما استعجم 3/ 1048.¥ ... شَلًّا ¬شل السائق الإبل شلًّا؛ إذا طردها، والشل: الطرد. التاج (ش ل ل).¥ كما تطْرُدُ الجَمّالةُ ¬في ص: "الحمالة"، والجمالة أصحاب الجمال.¥ الشُّرُدا ¬شرد جمع شرود من قولهم: شرد الفرس أو البعير. إذا استعصى وذهب على وجهه. التاج (ش ر د).¥
وقال: معناه: حتى أسْلَكُوهم.
قال أبو جعفرٍ: والأمرُ في ذلك بخلافِ ما قال، وذلك أن "إذْ" ¬في ر، ت 1، ت 2: "إذا".¥ حرفٌ يأتي بمعنى الجزاءِ، ويَدُلُّ على مجهولٍ من الوقتِ، وغيرُ جائزٍ إبطالُ حرفٍ كان دليلًا على معنًى [في الكلامِ] ¬سقط من: ص.¥. إذ سواءٌ قيلُ قائلٍ: هو بمعنى البُطولِ ¬في م: "التطول".¥، [وهو] ¬في م: "المدعى".¥ في الكلامِ دليلٌ على معنًى مفهومٍ. وقيلُ آخرَ في جميعِ الكلامِ الذي نطَق به دليلًا على ما أرِيدَ به: هو بمعنى البُطولِ ¬في ر: "في قوله".¥.
وليس [لما ادّعى] ¬في ت 2: "إذ".¥ الذي وصَفْنا قولَه ¬¥ - في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ، أن "إذا" ¬¥ بمعنى البُطولِ ¬¥ - وجهٌ مفهومٌ، بل ذلك لو حُذِف من الكلامِ لَبَطَل المعنَى الذي أراده الأسودُ من قولِه:
* فإذا وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه *
وذلك أنه أراد بقولِه: فإذا ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2.¥: فإذا الذي نحن فيه وما قد مضَى من عَيْشِنا.
وأشار بقولِه: [وذلك] ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2: "ذلك".¥. إلى ما تقدَّم وصْفُه من عيشِه الذي كان فيه. لا مَهاهَ لذِكْرِهِ، يعني: لا طَعْمَ له ولا فضْلَ؛ لإعقابِ الدهرِ صالحَ ذلك بفسادٍ. وكذلك معنى قولِ عبدِ منافِ بنِ رِبعٍ ¬في ت 1، ت 2: "زريع".¥:
حتى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ ... شلًّا ¬في ت 1، ت 2: "سلا".¥ .....................
لو أُسقِط منه "إذا" بطَل معنى الكلامِ؛ لأن معناه: حتى إذا أسلَكوهم في قُتائدةٍ سلَكوا شَلًّا. فدلَّ ¬في ر: "فذلك".¥ قولُه: أسلكوهم شلًّا (4). على مَعْنَى المْحذُوفِ، فاسْتُغْنِي عن ذكْرِه بدَلالةِ "إذا" عليه فحُذِف - كما قد ذكَرْنا فيما مَضَى من كتابِنا ¬ينظر ما تقدم في ص 111 - 112، 344.¥ - على ما تفعَلُ العربُ في نظائرِ ذلك، وكما قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ ¬البيت في الصناعتين 183، والخزانة 11/ 101 وشرح التصريح 2/ 253.¥:
فإن المنيةَ من يخْشَها ... فسوف تصادِفُه أيْنَما
وهو يريدُ: أينما ذهَب. وكما تقولُ العربُ: أتيتُك من قبلُ ومن بعدُ. تُرِيدُ:
من قبلِ ذلكَ ومن بعدِ ذلكَ. فكذلك ذلك في "إذا"، كما يقولُ القائلُ: إذا أكرَمك أخوك فأكرِمْه، وإذا لا فلَا. يريدُ: وإذا لم يُكرِمْك ¬في ت 1: "يكن معك".¥ فلا تُكرِمْه. ومن ذلك قولُ الآخر ¬التبيان 1/ 131.¥.
فإذا وذلك لا يضُرُّك ضُرُّه ¬في ص، والتبيان: "ضرة"، وفي ر: "ضيرة".¥ ... في يومِ أسألُ ¬في ص، م: "أثل".¥ نائلًا أو أنكَدَا
نظيرَ ما ذكَرْنا من المعنى في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ. وكذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ}. لو أُبْطِلَتْ "إذْ" وحذِفتْ من الكلامِ، لاستحالَ عن ¬في ت 1، ت 2: "من".¥ معناه الذي هو به وفيه "إذْ".
فإن قال قائلٌ: فما معنى ذلك، وما الجالبُ لـ "إذ"، إذا ¬في ص، م: "إذ".¥ لم يكنْ في الكلامِ قبلَه ما يُعطَفُ به عليه؟
قيل له: قد ذكَرنا فيما مضَى أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين خاطَبهم بقولِه: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا}. بهذه الآياتِ والتي بعدَها مُوَبِّخَهم ومُقَبِّحًا إليهم سوءَ فِعالِهم ومُقامِهم على ضلالِهم مع النعمِ التي أنعَمها عليهم وعلى أسلافِهم، ومُذكِّرَهُم - بتعديدِ نِعَمِه عليهم وعلى أسلافِهم - بأسَه أن يسلُكوا سبيل مَن هلَك من أسلافِهم في معصيتِه، فيسلُكَ بهم سبيلَهم ¬في ت 1: "سبيله".¥ في عقوبتِه، ومُعرِّفَهم ما كان منه من تعطُّفِه على التائبِ منهم، استعتابًا منه لهم، فكان مما عدَّدَ من نِعَمِه عليهم، أنه خلَق لهم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّر لهم ما في السماواتِ؛ من شمسِها وقمرِها ونجومِها وغيرِ ذلك من منافعِها التي جعَلها لهم ولسائرِ بني آدمَ معهم منافعَ، فكان في قولِه: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. معنى ¬في ر: "معناه".¥: اذكُروا نعمتي ¬بعده في م: "التي أنعمت".¥ عليكم إذ خلَقتُكم ولم تكونوا شيئًا، وخلَقتُ لكم ما في الأرض جميعًا، وسوَّيتُ لكم ما في السماءِ. ثم عطَف بقولِه: {وَإِذْ قَالَ
رَبُّكَ} على المعنى المقتضَى بقولِه: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} إذ كانَ مُقتضيًا ما وصفتُ من قولِه: اذكُروا نِعمتي إذْ فعلتُ بكم وفعلتُ، واذكُروا فِعْلِي بأبِيكم آدمَ، إذْ قلتُ للملائكةِ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً.
فإن قال قائلٌ: فهل لذلك من نظيرٍ في كلامِ العربِ نعلَمُ به صحةَ ما قلتَ؟
قيل: نعم، أكثرُ مِن أن يُحصَى، من ذلك قولُ الشاعرِ ¬البيتان للمرار بن سعيد الفقعسي، وهما في مجالس ثعلب 1/ 159، واللسان (ب ى د، ن ش غ، ط ف ل).¥:
أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ ¬في ص: "بتعيلنات". وثعيلبات تصغير جمع ثعلبة: موضع. معجم البلدان 1/ 927.¥ ... ولا بَيْدَانَ ¬بيدان: جبل أحمر مستطيل من أخيلة حمى ضريّة. معجم البلدان 1/ 783.¥ ناجيةً ¬الناجية: الناقة السريعة. التاج (ن ج و).¥ ذَمُولَا ¬الذميل: ضرب من سير الإبل، وقيل: هو السير اللين ما كان، وقيل: هو فوق العنق. اللسان (ذ م ل).¥
ولا متدارَكٍ ¬في اللسان: "متلاقيا".¥ والشمسُ طِفْلٌ ... ببعضِ نواشغِ ¬النواشغ: مجاري الماء في الوادي. التاج (ن ش غ).¥ الوادي حُمُولَا
فقال: ولا مُتدارَكٍ. ولم يتقدَّمْه فعلٌ بلفظِه يُعطَفُ ¬في ر: "يفعله".¥ به عليه، ولا حرفٌ مُعرَبٌ إعرابَه فيُرَدَّ "متدارك" عليه في إعرابِه، ولكنه لما تقدَّمه فعلٌ مجحودٌ بـ "لن" ¬في ص، ت 1، ت 2: "بأن".¥ يَدُلُّ على المعنى المطلوبِ في الكلامِ من ¬في م: "وعلى".¥ المحذوفِ، استغْنَى بدَلالةِ ما ظَهَر منه عن إظهارِ ما حُذِف، وعامَل الكلامَ في المعنى والإعرابِ معاملتَه أن ¬في ص: "اذ".¥ لو كان ما هو محذوفٌ منه ظاهرًا؛ لأن قولَه:
* أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ *
معناه: أجِدَّك لستَ براءٍ. فردَّ "مُتداركًا" على مَوضعِ "تَرَى"، كأن "لست" والباءَ ¬في ر، ت 1، ت 2: "الياء".¥ موجودتان في الكلامِ. فكذلك قولُه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ}.
لمّا سلَف قبلَه تذكيرُ اللهِ جلّ وعزَّ المخاطَبين به ما سلَف قِبلَهم وقِبلَ آبائِهم من أيادِيه وآلائِه، وكان قولُه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} مع ما بعدَه من النِّعَمِ التي عدَّدَها عليهم، ونَبَّههم على مواقعِها - ردَّ "إذْ" على موضعِ {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ}. لأن معنى ذلك: اذكُروا هذه من نِعَمِي ¬في ص: "نعمتي".¥، وهذه التي قلتُ فيها للملائكةِ. فلمّا كانت الأولى مُقتضيةً "إذ"، عطَف [بـ "إذ"] ¬في م: "إذ".¥ على موضعِها في الأولى، كما وصَفْنا من فِعْلِ ¬في م: "قول".¥ الشاعرِ في: ولا مُتداركٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {لِلْمَلَائِكَةِ}.
والملائكةُ جمعُ مَلْأَكٍ ¬في ص، ر، م: "ملك".¥، غيرَ أن أحدَهم بغيرِ الهمزِ أكثرُ وأشهرُ في كلامِ العربِ منه بالهمزِ، وذلك أنهم يقولون في واحدِهم: مَلَكٌ من الملائكةِ.
فيحذِفون الهمزَ منه، ويُحرِّكون اللامَ التي كانت مُسَكَّنةً لو هُمزَ الاسمُ، وإنما يُحرِّكونها بالفَتْحِ لأنهم ينقُلونَ حركةَ الهمزةِ التي فيه بسقوطِها ¬في ص: "فسقوطها"، وفي ر: "لسقوطها".¥ إلى الحرفِ الساكنِ قبلَها، فإذا جمَعوا واحدَهم ردُّوه ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2: "ردرا".¥ في ¬سقط من: ص، م.¥ الجمعِ إلى الأصلِ [وهمَزُوا] ¬في الأصل: "فهمزوا".¥، فقالوا: ملائكةٌ. وقد تفعَلُ العربُ نحوَ ذلك كثيرًا في كلامِها، فتترُكُ الهمزَ في الكلمةِ التي هي مهموزةٌ فيجرِي كلامُهم بتَرْكِ هَمْزِها في حالٍ، وبهمزِها في أُخرى، كقولِهم: رأيتُ فلانًا. فجرَى كلامُهم بهمزِ "رأيتُ"، ثم قالوا: نرَى / وترَى ويَرى. فجرَى كلامُهم في "يفعل" ونظائرِها بتركِ الهمزِ، حتى صار الهمزُ معها شاذًّا، مع كونِ الهمزِ فيها أصلًا. فكذلك ذلك في "مَلَك وملائكة"، جرَى كلامُهم بتركِ الهمزِ من واحدِهم، وبالهمزِ في جميعِهم، وربما جاء الواحدُ منهم ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2.¥ مهموزًا، كما قال الشاعرُ ¬تقدم تخريج البيت في ص 350.¥:
فلستَ بجنِّيٍّ ¬في م: "لإنسى".¥ ولكنْ مَلْأَكًا ¬في م: "لملأك".¥ ... تحدَّر من جوِّ السماءِ يَصُوبُ
وقد يقالُ في واحدِهم: مألكٌ. فيكونُ ذلك مثلَ قولِهم: جبَذ وجذَب، وشَأْمَلَ وشمْأَل ¬في ص: "شمل".¥. وما أشبهَ ذلك من الحروفِ المقلوبةِ ¬قلب الشيْء: حوله ظهرًا لبطن. والقلب المكاني باب من أبواب التصريف، يقع فيه تقديم بعض حروف الكلمة على بعض، وأكثر ما يتفق القلب في المعتل والمهموز، وأكثر ما يكون بتقديم الآخر على متلوّه. وأنواعه كثيرة. ينظر التاج (ق ل ب)، وفهارس سيبويه، وفهارس المقتضب، والخصائص 2/ 88، وشرح الرضى على الشافية 1/ 21 فما بعدها. وينظر أيضًا القلب والإبدال لابن السكيت نشرة هفنر؛ ضمن مجموعة الكنز اللغوي.¥، غيرَ أن الذي يجبُ إذا سُمِّيَ واحدُهم: مألكٌ ¬في ص: "ملك".¥، أن يُجمَعَ إذا جُمِعَ على ذلك: مآلكُ، ولستُ أحفظُ جمعَهُم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يَجمعون: ملائِكُ، وملائِكةٌ، كما يُجْمَعُ أشعثُ: أشاعثُ وأشاعِثةٌ، ومِسْمَعٌ: مَسامعُ ومَسامِعَةٌ. قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ في جمعِهم كذلك ¬ديوانه ص 62.¥:
وفيها مِنْ عبادِ اللهِ قومٌ ... ملائِكُ ذُلِّلوا وهُمُ صِعابُ
وأصلُ الملأكِ ¬في ص: "الملك".¥ الرسالةُ، كما قال عديُّ بنُ زيدٍ العِبَادِيُّ ¬البيت في الأغاني 2/ 114، والعقد الفريد 5/ 261، وكتاب ليس في كلام العرب لابن خالويه ص 47. والرواية فيهن جميعًا: "مألكا".¥:
أبلغِ النعمانَ عنى ملأكًا ¬في ص، ت 1، ت 2: "مألكا".¥ ... أنه قد طال حَبْسِي وانتظارِي ¬في م، ت 1، ت 2: "انتظار".¥
وقد يُنشَدُ: مَأْلَكًا، على اللغةِ الأخْرَى. فمن قال: ملأَكًا. فهو "مَفْعَل"، من: [لأَك إليه يَلْأَكُ ¬في م: "يلئك".¥] ¬في ص: "لاك إليه يلك".¥، إذا أرسَل إليه رسالةً، مَلْأَكةً ¬في ص، ت 1، ت 2: "ملكه".¥. ومن قال: مَأْلَكًا. فهو "مَفْعَل"، من: ألَكتُ إليه ألِكُه ¬في م: "ألك".¥، إذا أرسلتَ إليه، مأْلكةً وأَلُوكًا. كما قال لَبيدُ ابنُ ¬بعده في م: "أبي".¥ ربيعةَ ¬شرح ديوان لبيد ص 178.¥:
وغُلامٍ أرسلَتْه أُمُّه ... بأَلوكٍ فبَذَلْنا ما سأَلْ
فهذا من: ألَكت. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبيانَ ¬ديوانه ص 197.¥:
ألِكْنِي يا عُيَينَ إليك قولًا ... [سأُهْدِيه ¬في الديوان: "سأبديه".¥ إليك إليك عنِّيْ] ¬في م: "ستهديه الرواة إليك عني".¥
وقال عبدُ بني الحَسْحاسِ ¬تقدم البيت وتخريجه في ص 104.¥:
ألِكْنى إليها عَمْرَك اللهَ يا فتى ... بآيةِ ما جاءت إلينا تهادِيَا
يعني بذلك: أبْلِغها رسالتِي. فسُمِّيتِ الملائكةُ ملائكةً بالرسالةِ؛ لأنَّها رسُلُ اللهِ بينَه وبينَ أنبيائِه ومَن أُرسِلتْ إليه مِن عبادِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ¬سقط من: م.¥ قولِه: {إِنِّي جَاعِلٌ}؛ فقال بعضُهم: إني فاعلٌ.
ذِكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ ¬في ص: "خازم".¥ ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ - يعني الهُذَليَّ - عن الحسنِ وقتادةَ، قالوا: قال اللهُ تعالى ذِكْرُه لملائكتِه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.
قال لهم: إني فاعلٌ ¬أخرجه المصنّف في تاريخه 1/ 98، 101 مطولا. وسيأتي بتمامه في ص 492. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 76 (315) من طريق سعيد بن سليمان، عن مبارك، عن الحسن به.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 44 إلى المصنّف عن الحسن وحده.¥.
وقال آخرون: إني خالقٌ.
ذِكرُ من قال ذلك
حُدِّثت عن المنِجابِ بنِ الحارثِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، قال: كلُّ شيْءٍ في القرآنِ "جعَل" فهو "خلَق" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 44 إلى المصنّف من قول الضحاك.¥.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ في تأويلِ قولِه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.
إنِّي مُستخلِفٌ فيها ¬في ر، م، ت 1، ت 2: "في الأرض".¥ خليفةً، ومُصَيِّرٌ فيها خُلَفاءَ ¬في ص، ر: "خلقا".¥. وذلك شبيهٌ بتأويلِ قولِ الحسنِ وقتادةَ.
وقيل: إن الأرضَ التي ذكَرها اللهُ جل ثناؤُه في هذه الآيةِ هي مكةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ سابطٍ، أن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "دُحِيتِ الأرضُ مِن مكَّةَ، وكانت الملائكةُ تطُوفُ بالبيتِ، فهي أولُ من طاف به، وهي الأرضُ التي قال اللهُ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. وكان النبيُّ إذا هلَك قومُه ونَجا هُوَ والصالحون، أتاها ¬في م: "أتى".¥ هو ومَن معه فعبَدوا اللهَ بها حتى يموتوا، فإنَّ قبرَ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ بينَ زمزمَ والرُّكنِ والمَقامِ" ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 76 (317) من طريق عطاء به مختصرًا، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور 1/ 46 إلى ابن عساكر، وينظر مختصر تاريخ دمشق 27/ 156، 157. وقال ابن كثير في تفسيره 1/ 100: وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مدرج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {خَلِيفَةً}.
والخليفةُ الفَعِيلةُ، من قولِك: خلَف فلانٌ فلانًا في هذا الأمرِ ¬في ر: "الإقرار".¥، إذا قام مَقامَه فيه بعدَه، كما قال تعالى ذكرُه. {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 14]. يَعْني بذلك أنه أبدَلكم في الأرضِ منهم، فجعلَكم خُلفاءَ [بعدَهم، ومن ذلك قيل للسلطانِ الأعظمِ: خليفةٌ. لأنه خلَف الذي كان قبلَه، فقام بالأمرِ مَقامَه، فكان منه خَلَفًا] ¬سقط من: ت 1، ت 2.¥، يقالُ منه: خَلَف الخليفةُ يخلُفُ خِلافةً وخِلِّيفَي ¬الخليفي، بكسر الخاء وتشديد اللام المكسورة وفتح الفاء: الخلافة، وقيل: هو مبالغة في الخلافة لا نفسها، ويدل على كثرة الجهد في أمور الخلافة وتصريف أعنتها. التاج (خ ل ف).¥.
وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ بما حَدَّثَنَا ¬في ر: "حدثكم".¥ به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} - يقولُ: ساكنًا وعامرًا يَسكُنُها ويَعْمُرُها - ليسَ خَلْقًا ¬في ر: "خلفا".¥ منكم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 76 (316) من طريق سلمة به. وسيأتي بتمامه في ص 496.¥.
وليس الذي قال ابنُ إسحاقَ في معنى "الخليفةِ" بتأويلِها ¬في ص: "بتأويلهما".¥، وإن كان اللهُ تعالى ذكرُه إنما أخبَر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً يَسكُنُها، ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ.
فإن قال لنا قائلٌ: فما الذي كان في الأرضِ قبلَ بني آدمَ لها عامرًا، فكان بنو آدمَ منه بدلًا، وفيها منه ¬في الأصل: "منهم".¥ خَلَفًا؟
قيلَ: قد اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها، وسفَكوا ¬بعده في ر، م، ت 1، ت 2: "فيها".¥ الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا. قال: فبعَث اللهُ إليهم إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ، فقتَلهم إبليسُ ومن معه ¬في الأصل: "معهم".¥، حتى ألحقُوهم ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2: "ألحقهم".¥ بجزائرِ البحورِ وأطرافِ الجبالِ، ثم خلَق اللهُ آدمَ فأسكَنه إياها، فلذلك قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 101 عن المصنف.
وأخرجه الحاكم 2/ 261 من طريق مجاهد عن ابن عباس به بنحوه، وقال: صحيح الإسناد.¥.
[فعلى هذا] ¬في ر: "فعنى بها".¥ القولِ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} من الجنِّ يَخلُفونهم ¬في الأصل: "يخلقونه".¥ فيها فيسكُنونها ويَعْمُرُونها.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية. قال: إن اللهَ خلَقَ الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمُعةِ، قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانت الدماءُ وكان الفسادُ في الأرضِ ¬أخرجه المصنّف في تاريخه 1/ 84. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (882) من طريق ابن أبي جعفر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 45 إلى المصنّف وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن أبي العالية. وهو عند ابن أبي حاتم 1/ 77 (322).¥.
وقال آخرون في تأويلِ قولِه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. أي: خُلَفاءَ ¬في ر: "خلقا"، وفي م: "خلفا".¥
يخلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولدُ آدمَ الذين يَخْلُفون أباهم آدمَ، ويَخْلُفُ كلُّ قرنٍ منهم القرنَ الذي سلَف قبلَه. وهذا قولٌ حُكِي ¬في الأصل: "يحكى".¥ عن الحسنِ البصريِّ.
ونظيرٌ له ما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن ابنِ سابطٍ في قولِه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} قال: يَعنُون به بني آدمَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 101 عن الثوري به. وينظر ما سيأتي في ص 491.¥.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللهُ للملائكةِ: إني أُرِيدُ أن أخلُقَ في ¬سقط من: الأصل.¥ الأرضِ خَلْقًا، وأجعلَ فيها خليفةً. وليس للهِ يومئذٍ خَلْقٌ إلَّا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 101 عن ابن زيد. وهو جزء من الأثر الآتي في ص 495.¥.
وهذا القولُ يَحْتَمِلُ ما حُكِي عن الحسنِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أراد ابنُ زيدٍ أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخبَر الملائكةَ أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً له، يَحْكُمُ فيها بينَ خلْقِه بحُكْمِه، نظيرَ مَا حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو ابنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ [عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ] ¬سقط من: ص.¥ وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال للملائكةِ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}.
قالوا: ربَّنا وما يَكُونُ ذلك الخليفةُ؟ قال يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ وَيَتَحَاسَدونَ ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 101 عن السدي به.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 77 (324) من طريق السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس وحده، نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 45 إلى عبد بن حميد. وسيأتي مطولا في ص 486 - 488، 509، 510.¥.
فكان تأويلُ الآيةِ على هذه الروايةِ التي ذكَرناها عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً منِّي يَخْلُفُني في الحكمِ بمنَ خَلْقِي، وذلك الخليفةُ هو آدمُ وَمَن قامَ مَقامَه في طاعةِ اللهِ، والحكمِ بالعدلِ بينَ خَلْقِه. وأما الإفسادُ وسفكُ الدماءِ بغيرِ حَقِّها فمن غيرِ خلفائِه، ومن غيرِ آدمَ ومَن قام مَقامَه في عبادِ اللهِ؛ لأنهما أخبرَا أن اللهَ تعالى ذِكْرُه قال لملائكتِه إذْ سألوه: ما ذاك الخليفةُ؟: إنه خليفةٌ تكونُ له ذريةٌ يُفْسِدون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. فأضاف الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ بغيرِ حقِّها إلى ذريةِ خَليفتِه دونَه، وأخرَج منه خليفتَه.
وهذا التأويلُ وإن كان مخالفًا في معنى الخليفةِ ما حُكِي عن الحسنِ من وجهٍ، فموافقٌ له من وجهٍ، فأما موافقتُه إياه فصرْفُ متأوِّلِيه إضافةَ الإفسادِ في الأرضِ وسَفْكِ الدماءِ فيها إلى غيرِ الخليفةِ. وأما مخالفتُه إياه، فإضافتُهم الخلافةَ إلى آدمَ بمعنى استخلافِ اللهِ إياه فيها. وإضافةُ الحسنِ الخلافةَ إلى ولدِه، بمعنى خلافةِ بعضِهم بعضًا، وقيامِ قرْنٍ منهم مَقامَ قَرْنٍ قبلَهم، وإضافةِ الإفسادِ في الأرض وسَفْكِ الدماءِ إلى الخليفةِ.
والذي دعَا المتأوِّلين قولَه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} التأويلَ ¬في م: "في التأويل".¥ الذي ذُكِر عن الحسنِ - إلى ما قالوا في ذلك؛ أنّهم قالوا: إن الملائكةَ إنما قالت لربِّها - إذ قال لهم ربُّهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} -: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. إخبارًا منها بذلك عن الخليفةِ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكْرُه أنه جاعِلُه في الأرضِ لا عن ¬سقط من: م.¥ غيرِه؛ لأنَّ [المحاورةَ بين] ¬في ر: "المجاورة من".¥ الملائكةِ وبين ربِّها عنه جرتْ. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذِكْرُه قد برَّأ آدمَ من الإفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، وطهَّره من ذلك، عُلِمَ أن الذي عُنِي به غيرُه من ذرِّيتِه. فثبَت أن الخليفةَ الذي يفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ هو غيرُ آدمَ، وأنهم ولدُه الذين فعلُوا ذلك، وأن معنى الخلافةِ التي ذكَرها اللهُ إنما هي خلافةُ قرْنٍ منهم قرنًا، عندَهم ¬في ص، م، ت 1، ت 2: "غيرهم". وعندهم. يعني عند هؤلاء المتأولين.¥؛ لما وصَفْنا. وأغفَل قائلُو هذه المقالةِ ومتأوِّلو الآيةِ هذا التأويلَ سبيلَ التأويلِ، وذلك أن الملائكةَ - إذ قال لها
ربُّها: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} - لَمْ تُضِفِ ¬في ص: "تصف"، وفي: ت 2: "يصف".¥ الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ في جوابِها ربَّها إلى خليفتِه في أرضِه، بل قالت: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}. [وغيرُ مُنكرٍ أن يكونَ ربُّها أعلَمَها أنه يكونُ لخليفتِه ذلكَ ذريةٌ يكونُ منهم الإفسادُ وسفكُ الدماءِ [فقالت: يا ربَّنا، أتجعلُ فيها من يفسِدُ فيها ويسفِكُ الدماءَ] ¬سقط من: ر.¥] ¬سقط من: الأصل.¥. كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا ذلك عنه من أهلِ التأويلِ ¬بعده في ص: "على الأصل المنقول منه بلغت من أوله قراءتي على القاضي أبي الحسن الخصيب بن عبد الله الخصيبي عن أبي محمد الفرغاني عن أبي جعفر الطبري. وسمع معي أخي على بن أحمد بن عيسى ونصر بن الحسن الطبري. وسمع أبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري من موضع سماعه. وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربع مائة، بسم الله الرحمن الرحيم رب تمم".¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه خبرًا عن ملائكتِه: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}.
إن قال لنا قائلٌ: وكيف قالتِ الملائكةُ لربِّها، إذ أخبَرها أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} يكنْ آدمُ بعدُ مخلوقًا ولا ذريتُه، فيعلَموا ما يفعَلون عِياناً؟ أعلِمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم قالت ما قالت مِن ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادةٌ منها بالظنِّ، وقولٌ بما لا تعلمُ، وذلك ليس مِن صفتِها، أمْ ما وجهُ قِيلِها ذلك لربِّها؟
قيل: قد قالتِ العلماءُ من أهلِ التأويلِ في ذلك أقوالاً، ونحن ذاكِرو أقوالِهم في ذلك، ثم مُخْبِرون بأصحِّها برهانًا وأوضحِها حُجةً.
فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدثنا به أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ ¬في ص: "الحن".¥. خُلِقوا من نارِ السَّمومِ مِن بيِن الملائكةِ. قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجَنَّةِ. قال: وخُلِقتِ الملائكةُ كلُّهم مِن نورٍ غيرَ هذا الحيِّ. قال: وخُلِقتِ الجنُّ الذين ذكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ - وهو لسانُ النارِ الذي يكونُ في طرَفِها إذا أُلهِبَت - قال: وخلِق الإنسانُ [من طينٍ] ¬سقط من: ص.¥، فأولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا. قال: فبعَث اللهُ جلَّ وعزَّ إليهم إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ - وهم ¬في الأصل: "هو".¥ هذا الحيُّ [الذين يُقالُ لهم: الجنُّ] ¬سقط من: الأصل.¥ - فقتَلهم إبليسُ ومن معه حتى ألحَقَهم بجزَائرِ البُحورِ وأطرافِ الجبالِ، فلما فعَل إبليسُ ذلك اغترَّ ¬في الأصل، ص: "اعتز".¥ في نفسِه، وقال: قد صنَعْتُ شيئًا لم يَصْنَعْه أحدٌ. قال: فاطَّلع اللهُ على ذلك مِن قلبِه، ولم تطَّلِعْ عليه ال
ملائكةُ الذين كانوا معه، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه للملائكةِ [الذين معه] ¬سقط من: ص.¥: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. فقالتِ الملائكةُ مجيبِين له: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}، كما أفسَدتِ الجنُّ وسفَكتِ الدماءَ، وإنما بعَثْتَنا ¬في ص، م: "بعثنا"، وفي ت 2: "بغينا"، وفي ت 1: "بقينا".¥ عليهم لذلك، فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. يقولُ: إني قد اطَّلعتُ من قلبِ إبليسَ على ما لم تطَّلعوا عليه من كِبْرِه واغْتِرارِه ¬في الأصل، ص: "اعتزازه".¥.
قال: ثم أمَر بتربةِ آدمَ فرُفِعَت، فخلَق اللهُ آدمَ مِن طينٍ لازِبٍ - واللازِبُ اللَّزِجُ الطيِّبُ ¬في ص، ر، م، ت 1: "الصلب".¥ - مِن حمأٍ مَسْنونٍ مُنْتِنٍ. قال: وإنما كان حمأً مسنونًا بعدَ الترابِ.
قال: فخلَق منه آدمَ عليه السلامُ بيدِه. قال: فمكَث أربعينَ ليلةً جسدًا ملقًى، فكان إبليسُ يَأْتِيه فيَضْرِبُه برِجْلِه فيُصَلْصِلُ - أي ¬زيادة من: م.¥: فيُصَوِّتُ - قال: فهو قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14)} [الرحمن: 14]. يقولُ: كالشيْءِ المنفوخِ ¬في ر، ت 2: "المنفرج".¥ الذي ليس بمُصمَتٍ ¬المصمت: الذي لا جوف له. اللسان (ص م ت).¥. قال: ثم يَدْخلُ في فِيه ويَخرجُ من دُبُرِه، ويَدْخلُ من دُبُرِه، ويَخرُجُ من فِيه، ثم يقولُ: لستَ شيئًا للصلصلةِ، ولشيْءٍ ما خُلقتَ، لئن سُلِّطتُ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطْتَ عليَّ لَأَعْصِيَنَّك. قال: فلما نفَخ اللهُ فيه من رُوحِه، أتَتِ النَّفخةُ مِن قِبلِ رأسِه فجعَل لا يَجرِي شيْءٌ منها في جسدِه إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهتِ النفخةُ إلى سُرَّتِه نظَر إلى جسدِه، فأعْجَبه ما رأي مِن حُسنِه، فذهَب ليَنهضَ فلم يَقدِرْ، فهو قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {وَكَانَ ¬في الأصل، ص، ر، ت 1، ت 2: "خلق"، وفي الدر المنثور: "خلق الإنسان من عجل"، وفي تفسير ابن كثير تركت على الخطأ كما جاءت في المخطوطات الخمس المذكورة.¥ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)} [الإسراء: 11]. قال: ضجِ
رًا لا صبْرَ له على سَرَّاءَ ولاضَرّاءَ. قال: فلما تمَّتِ النفخةُ في جسدِه عطَس فقال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. بإلهامِ اللهِ له، فقال اللهُ له: يَرْحَمُك اللهُ يا آدمُ. قال: ثم قال اللهُ للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين في السماواتِ: اسْجُدوا لآدمَ. فسجَدوا كلُّهم أجمعون إلا إبليسَ أبَى واستكبر، لما كان ¬سقط من: الأصل.¥ حدَّث به ¬سقط من: الأصل، ر.¥ نفسَه مِن كِبْرِه واغتِرارِه ¬في ص: "اعتزازه".¥، فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)} [الأعراف: 12]،. يقولُ: إن النارَ أقْوَى مِن الطيِن. قال: فلما أبَى إبليسُ أن يسجدَ أبْلَسَه اللهُ، أي ¬سقط من: الأصل، وفي م: "و".¥: آيَسَه مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رَجيمًا عقوبةً لمعصيتِه.
ثم علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهي هذه الأسماءُ التي يَتعارَفُ بها الناسُ؛ إنسانٌ ودابةٌ وأرضٌ وسهلٌ وبحرٌ وجبلٌ ¬في ص: "حبل".¥ وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأممِ وغيرِها، ثم عرَض هذه الأسماءَ على أولئك الملائكةِ - يعني الملائكةَ الذين كانوا مع إبليسَ الذين خُلِقوا مِن نارِ السمومِ - وقال لهم: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ}. يقولُ: أخْبِرُوني بأسماءِ هؤلاء، {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: [إن كنتم] ¬في ص، ر، م: "أنكم".¥ تَعلمون لمَ ¬في ص، م، ت 2: "أنى".¥ أجعَلُ في الأرضِ خليفةً. قال: فلمّا علِمتِ الملائكةُ مُؤاخذةَ ¬في ص: "موجدة".¥ اللهِ عليهم فيما تكلَّموا به من علمِ الغيبِ الذي لا يعلمُه غيرُه، الذي ليس لهم به علمٌ، قالوا: {سُبْحَانَكَ} - تَنزيهًا للهِ مِن أن يكونَ أحدٌ يعلمُ الغيبَ غيرَه - تبنا إليك، {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} - تَبَرِّيًا منهم من علمِ الغيبِ - {إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} كما علَّمْتَ آدمَ. فقال: {يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}. يقولُ: أخبِرْهم بأسمائِهم، {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}. [يقولُ: أخبَرَهم] ¬سقط من: ص، ر، م، ت 1، ت 2.¥ بأسمائهم، {قَالَ أَلَمْ أَقُ
لْ لَكُمْ} أيها الملائكةُ خاصةً: {إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، ولا يَعْلَمُه غيري، {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ}. يقول: ما تُظْهِرون، {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. يقول: أعلمُ السرَّ كما أعلمُ العَلانيةَ، يعني ما ¬في ص، ر: "مما".¥ كتَم إبليسُ في نفسِه مِن الكبْرِ والاغْتِرارِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 84، 90، 92، 95، 97، 100 مفرقًا.
وعزاه ابن كثير في تفسيره 1/ 108 إلى المصنف بطوله، وقال عقبه: هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.¥.
وهذه الروايةُ عن ابنِ عباسٍ تُنبئُ عن أن قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. خطابٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ لخاصٍّ مِن الملائكةِ دونَ الجميعِ، وأن الذين قيل لهم ذلك من الملائكةِ كانوا قبيلةَ إبليسَ خاصةً، الذين قاتَلوا معه جنَّ الأرضِ قبلَ خلقِ آدمَ، وأن اللهَ إنما خصَّهم بقيلِ ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً؛ ليعرِّفَهم قصورَ علْمِهم وفضْلَ كثيرٍ ممَّن هو أضعفُ خَلْقًا منهم من خَلْقِه عليهم، وأن كرامتَه لا تُنالُ بقُوَى الأبدانِ وشدةِ الأجسامِ، كما ظنَّه إبليسُ عدوُّ اللهِ، ومُصَرِّحٌ ¬في ر: "تصرح"، وفي م، ت 1، ت 2: "يصرح".¥ بأن قِيلَهم لربِّهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. كانت هَفْوةً منهم ورَجْمًا بالغيبِ، وأن اللهَ أطْلَعَهم على مكروهِ ما نطَقوا به مِن ذلك، ووقَّفهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطَقوا مِن رَجْمِ الغيْبِ بالظُّنونِ، وتبرَّءُوا إليه من أن يَعْلَمَ الغيبَ غيرُه، وأظْهَر لهم مِن إبليسَ ما كان مُنطوِيًا عليه من الكِبْرِ الذي قد كان عنهم مسْتَخْفِيًا.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ خلافُ هذه الروايةِ، وهو ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: لما فرَغ اللهُ مِن خلقِ ما أحبَّ، استوى على العرشِ، فجعَل إبليسَ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ. وإنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجَنَّةِ، وكان إبليسُ مع مُلكِه خازنًا، فوقَع في صدرِه كِبْرٌ، وقال: ما أعطاني اللهُ هذا إلا لمزيدٍ ¬في الأصل، وتاريخ المصنف: "لمزية".¥ لي - هكذا قال موسى ابنُ هارونَ، وقد حدَّثني به ¬سقط من: الأصل.¥ غيرُه ¬هو أحمد بن أبي خيثمة، كما صرح المصنف باسمه في تاريخه 1/ 86.¥ فقال: لمَزِيَّةٍ لي - على الملائكةِ. فلما وقَع ذلك الكِبْرُ في نفسِه، اطَّلَع اللهُ على ذلك منه، فقال اللهُ للملائكةِ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. قالوا: ربَّنا، وما يكونُ ذلك الخليفةُ؟ قال: يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. قالُوا: ربَّنا {أَتَجْ
عَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. يعني من شأنِ إبليسَ. فبعَث جبريلَ عليه السلامُ إلى الأرضِ ليَأْتِيَه بطِينٍ منها، فقالتِ الأرضُ: إني أعوذُ باللهِ منك أن تَنقُصَ مني أو تَشِينَني. فرجَع ولم يأخُذْ، وقال: ربِّ إنها عاذَت بك فأعذْتُها. فبعَث اللهُ مِيكائيلَ، فعاذَت منه فأعاذها، فرجَع فقال كما قال جبريلُ، فَبعَث مَلَكَ الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أَعوذُ باللهِ أن أرجِعَ ولم أُنْفِذْ أمْرَه. فأخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط، فلم يَأْخُذْ من مكانٍ واحدٍ، وأخَذ مِن تُرْبةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفين، فصَعِد به فبلَّ الترابَ حتى عاد طينًا لازبًا - واللازبُ هو الذي يَلْتَزِقُ بعضُه ببعضٍ - ثم تُرِك حتى أنْتَن وتغَيَّر، فذلك حينَ يقولُ: {مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)} [الحجر: 26]. قال: مُنْتِنٍ. ثم قال للملائكةِ: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)} [ص: 71، 72]. فخلَقه اللهُ بيدَيْه، لكَيْلا يَتكبَّ
رَ إبليسُ عنه ليقولَ له: تتكبَّرُ عما عمِلْتُ بيديَّ، ولم أتكبَّرْ أنا عنه؟ فخلَقه بشرًا، فكان جسدًا من طينٍ أربعين سنةً مِن مقدارِ يومِ الجمعةِ، فمرَّت به الملائكةُ، ففزِعوا منه لمَّا رأَوْه، وكان أشدَّهم منه فزَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضرِبُه، فيُصَوِّتُ الجسدُ كما يُصَوِّتُ الفَخَّارُ، وتَكُونُ له صَلْصَلةٌ، فذلك حينَ يقولُ: {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14)} [الرحمن: 14]. ويقولُ: لأمرٍ ما خُلِقْتَ. ودخَل مِن ¬سقط من: الأصل، م.¥ فِيه فخرَج مِن دُبُرِه. فقال للملائكةِ: لا تَرْهَبوا مِن هذا، فإن ربَّكم صَمَدٌ وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطْتُ عليه لَأُهْلِكَنَّه. فلمَّا بلَغ الحينَ الذي يُريدُ اللهُ جلَّ ثناؤُه أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ، قال للملائكةِ: إذا نفَخْتُ فيه مِن رُوحي فاسْجُدوا له. فلمّا نفَخ فيه الرُّوحَ فدخَل الرُّوحُ في رأسِه، عطَس، فقالت له الملائكة: قل: الحمدُ للهِ. فقال: الحمدُ للهِ. فقال له اللهُ: رحِمك ربُّك. فلما دخَل الروحُ في عينَيْهِ نظَر إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فلمّا دخَل في جوفِه اشْتهَى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تَبْلُغَ الروحُ رجليْه عَجْلانَ إلى ثمارِ الجَنَّةِ، فذلك حينَ يقولُ: {خُلِقَ ا
لْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء: 37]. {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر 30، 31] أي ¬في م: "أبي".¥: استكبر وكان من الكافرين. قال اللهُ له: ما منَعك أنْ تَسجدَ إذ أمَرتُك لِما خلقْتُ بيدَيَّ. قال: أنا خيْرٌ منه لم أَكُنْ لأَسْجُدَ لبشرٍ خلقتَه من طينٍ. قال اللهُ له: اخْرُجْ منها فما يَكُونُ لك - يعني: ما يَنْبغي لك - أنْ تَتَكَبَّرَ فيها، فاخْرُجْ إنك مِن الصاغِرين. والصَّغارُ هو الذُّلُّ. قال: وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، ثم عرَض الخلْقَ على الملائكةِ فقال: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)} [البقرة: 31] أنَّ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. فقالوا له: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. قال اللهُ: {يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. قال: قولُهم: {أَتَجْع
َلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}. فهذا الذي أبْدَوْا، وأَعْلمُ ما كنتم تكْتُمون، يعني ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه من الكِبْرِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 81، 85، 86، 90، 93، 94، 100 مفرقا.
وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (773)، وابن عساكر في تاريخه 7/ 377، 378 من طريق عمرو بن حماد به، دون قوله: قال الله له: اخرج منها فما يكون لك ... ¥.
فهذا الخبرُ أولُه مُخالِفٌ معْناه معنى الروايةِ التي رُوِيتْ عن ابنِ عباسٍ مِن روايةِ الضحاكِ التي قدمْنا ذِكْرَها قبلُ، وموافقٌ معنى آخرِه معناها، وذلك أنه ذُكِر في أوَّلِه أن الملائكةَ سأَلت ربَّها: ما ذاك الخليفةُ؟ حين قال لها: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. فأجابها أنه تكونُ له ذُرِّيةٌ يُفسِدُون في الأرضِ وَيَتَحَاسَدُون ويَقتلُ بعضُهم بعضًا، فقالت الملائكةُ حينئذٍ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. فكان قولُ الملائكةِ ما قالت لربِّها من ذلك بعدَ إعلامِ اللهِ إياها أن ذلك كائنٌ من ذريةِ الخليفةِ الذي يجعَلُه في الأرضِ. فذلك معنى خلافِ أولِه معنى خبرِ الضحاكِ الذي ذكرْناه.
وأما موافقتُه إياه في آخرِه، فهو قولُهم في تأويلِ قولِه: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أن بني آدمَ يفسِدون في الأرضِ ويَسْفِكون الدماءَ، وأن الملائكةَ قالت - إذ قال لها ربُّها ذلك - تَبَرِّيًا مِن علمِ الغيبِ: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}.
وهذا إذا تدَبَّره ذو الفهمِ، علِم أنَّ أولَه يُفْسِدُ آخرَه، وأن آخِرَه يُبطِلُ معنى أولِه، وذلك أن اللهَ تعالى ذكره إن كان أخبَر الملائكةَ أن ذريةَ الخليفةِ الذي يَجْعَلُه في الأرضِ تُفْسِدُ فيها وتَسْفِكُ الدماءَ، فقالتِ الملائكةُ لربِّها: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. فلا وجهَ لتوبيخِها على أن أخْبَرَت عمَّن أخبَرَها اللهُ عنه أنه يُفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ، بمثلِ الذي أخْبَرَها عنهم ربُّها، فيَجُوزَ أن يُقالَ لها فيما طوَى عنها مِن العلومِ: إن كنتم صادقين فيما علِمْتُم بخبرِ اللهِ إياكم أنه كائنٌ مِن الأمورِ فأخْبَرْتُم به، فأخْبِرونا بالذي قد طوَى اللهُ عنكم علمَه، كما قد أخْبَرْتُمونا بالذي قد أطْلَعَكم اللهُ [على علمِه] ¬في م: "عليه".¥ - بل ذلك خُلْفٌ مِن التأويلِ، ودعوَى على اللهِ ما لا يَجوزُ أن يكونَ [له صفةً، وأخْشَى أن يَكُونَ بعضُ نَقَلةِ هذا الخبرِ هو الذي غَلِط على مَن رواه عنه مِن الصحابة] ¬سقط من: ر.¥، وأن يكونَ التأويلُ منهم ¬في الأصل: "عنهم".¥ كان في ¬في م، ت 1، ت 2: "على".¥ ذلك: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فيما ظنَ
نْتم أنكم أدْرَكْتموه مِن العلمِ بخبَري إياكم أن بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، حتى اسْتَجَزْتم أن تَقُولوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. فيكونُ التَّوْبيخُ حينئذٍ واقعًا على ما ظنُّوا أنهم قد أدْرَكوا بقولِ اللهِ لهم: إنه يكونُ له ذريةٌ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. لا على إخبارِهم بما أخبرهم اللهُ به أنه كائنٌ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤه وإن كان أخبَرهم عما يكونُ مِن بعضِ ذريةِ خليفتِه في الأرضِ، ما يكونُ منه فيها مِن الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ، فقد كان طوَى عنهم الخبرَ عما يكونُ من كثيرٍ منهم بما يكونُ مِن طاعتِهم ربَّهم، وإصلاحِهم ¬في ر: "إصلاحه".¥ في أرضِه وحَقْنِ الدماءِ، ورفعِه [منزلتَهم، وكرامتِهم] ¬في ر: "منزلته وكرامته".¥ عليه، فلم يُخْبِرْهم بذلك، فقالتِ الملائكةُ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} على ظنٍّ منها - على تأويلِ هذيْن الخبرَيْن اللذيْن ذكَرْتُ وظاهرِهما - أن جميعَ ذريةِ الخليفةِ الذي يُجعَلُ ¬في م: "يجعله".¥ في الأرضِ يُفسِدون فيها، ويَسفِكون فيها الدماءَ، فقال اللهُ لهم، إذ علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّه
ا: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أنكم تَعْلَمون أن جميعَ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، على ما ظننْتُم في أنفسِكم. إنكارًا منه لِقيلِهم ما قالوا مِن ذلك على الجميعِ والعمومِ، وهو مِن صفةِ خاصِّ ذريةِ الخليفةِ منهم. وهذا الذي ذكَرْنا هو صفةٌ منا لتأويلِ الخبرِ لا القولُ الذي نَخْتارُه في تأويلِ الآيةِ.
ومما يَدُلُّ على ما ذكَرْنا مِن توجيهِ مَخرجِ ¬سقط من: م.¥ خبرِ الملائكةِ عن إفسادِ ذريةِ الخليفةِ وسَفْكِها الدماءَ على العمومِ ما حدَّثنا به أحمدُ ¬في م: "بن أحمد".¥ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ قولَه: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. قال: يعْنون الناسَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 78 (326) من طريق أبي أحمد الزبيري به. وينظر ما تقدم في ص 479.¥.
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. فاستشارَ ¬في م: "فاستخار".¥ الملائكةَ في خلقِ آدمَ، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. وقد علِمتِ الملائكةُ مِن علمِ اللهِ أنه لا شيْءَ أكْرَهُ إلى اللهِ مِن سَفْكِ الدماءِ والفسادِ في الأرضِ، {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. فكان في علمِ اللهِ أنه سيكونُ مِن تلك ¬سقط من: ص، وفي م: "ذلك".¥ الخليفةِ أنبياءُ ورسلٌ، وقومٌ صالحون، وساكِنو ¬في الأصل، ص: "ساكن".¥ الجَنَّةِ. قال: وذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إن اللهَ لما أخَذ في خلقِ آدمَ قالتِ الملائكةُ: ما اللهُ خالقٌ خلقًا أكرمَ عليه منَّا، ولا أعلمَ منَّا. فابْتُلوا بخلقِ آدمَ - وكلُّ خلقٍ مُبْتلًى -كما ابْتُلِيَتِ السماواتُ والأرضُ بالطاعةِ، فقال اللهُ: {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 100، 101. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه 7
/ 399 من طريق شيبان، عن قتادة، نحوه. وينظر ما سيأتي في ص 510.¥ [فصلت: 11].
وهذا الخبرُ عن قتادةَ يَدُلُّ على أن قتادةَ كان يرَى أن الملائكةَ قالت ما قالت مِن قولِها: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. على غير ¬من هنا إلى قوله: "قال: علمه اسم". ص 493 سقط من المخطوط الأصل.¥ يقينِ علمٍ تقَدَّم منها بأن ذلك كائنٌ، ولكن على الرأيِ منها والظنِّ، وأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أنكَر ذلك مِن قيلِها، وردَّ عليها ما رأَت بقولِه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. مِن أنه يكونُ مِن ذريةِ ذلك الخليفةِ الأنبياءُ والرسلُ والمُجْتَهِدُ في طاعةِ اللهِ.
وقد رُوِي عن قتادةَ خلافُ هذا التأويلِ، وهو ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}. قال: كان اللهُ أعلمَهم ¬بعده في ص، ر: "أنَّه"، وينظر تفسير ابن كثير 1/ 102.¥ إذا كان في الأرضِ خلقٌ أَفْسَدوا فيها، وسفَكوا الدماءَ، فذلك قولُه: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 78 (325) عن الحسن بن يحيى به.¥.
وبمثلِ قول قتادةَ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويل، منهم الحسنُ البصريُّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ ومبارَكٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: قال اللهُ لملائكتِه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. قال لهم: إني فاعلٌ. فعرَضُوا برأيِهم، فعلَّمهم علمًا، وطوَى عنهم علمًا علِمه لا يَعْلَمونه، فقالوا بالعلم الذي علَّمهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. وقد كانت الملائكةُ علِمتْ مِن علمِ اللهِ أنه لا ذنبَ أعَظمَ عندَ اللهِ مِن سَفْكِ الدماءِ، {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. فلما أخَذ في خلقِ آدمَ همَستِ الملائكةُ فيما بينَها، فقالوا: ليخْلُقْ ربُّنا ما شاء أن يَخْلُقَ، فلم يَخْلُقَ خَلقًا إلا كنّا أعلمَ منه، وأكرمَ عليه منه. فلمّا خلَقه ونفَخ فيه مِن روحِه، أمَرهم أن يَسجدوا له لِمَا قالوا، ففضَّله عليهم، فعلِموا أنهم ليسوا بخيرٍ منه، فقالوا: إن لم نَكنْ خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه؛ لأنا كنا قبلَه، وخُلِقتِ الأممُ قبلَه. فلما أُعْجِبوا بعلمِهم ابْتُلُوا، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِك
َةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أنى لا أَخْلُقُ خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأَخْبروني بأسماءِ هؤلاء إنْ كنتم صادقينَ. قال: ففزِع القومُ إلى التوبةِ - وإليها يَفْزَعُ كلُّ مؤمنٍ - فقالوا: {سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. لقولِهم: لِيَخْلُقْ ربُّنا ما شَاء، فلن يَخْلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منا، ولا أعلمَ منا. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيْءٍ؛ هذه الخَيْلُ ¬في م، ت 1، ت 2: "الجبال".¥، وهذه البِغالُ، والإبلُ، والجنُّ، والوحشُ، وجعَل يُسمى كلَّ شيْءٍ باسمِه، وعُرِضَت عليه أمَّةً أمَّةً: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. قال: أما ما أبْدَوْا فقولُهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. و
أمَّا ما كتَموا فقولُ بعضِهم لبعضٍ: نحن خيرٌ منه وأعلمُ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 98، 101، 103 بتمامه. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 77 (323) من طريق مبارك، عن الحسن به مختصرًا. وقد تقدم مختصرًا في ص 475. وينظر تاريخ دمشق 7/ 399.¥.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُليُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الحجاجِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية. قال: إنَّ اللهَ خلَق الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمعةِ. قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهْبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانتِ الدماءُ، وكان الفسادُ في الأرضِ، فمِن ثمَّ قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} الآية ¬تقدم في ص 478.¥.
[حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بمثلِه] ¬في ص: "حدثنا محمد بن جرير قال".¥.
حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن غيرِ ¬سقط من: ر.¥ الربيع ابنِ أنسٍ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. إلى قولِه: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. قال: وذلك حينَ قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. قال: فلما عرَفوا أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةَ، قالوا بينَهم: لن يَخلُقَ اللهُ خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ. فأراد اللهُ جلَّ ذكرُه أن يُخبرَهم أنه قد فضَّل عليهم آدمَ، وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، فقال للملائكةِ. {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}. إلى قولِه: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. فكان الذي أبْدَوْا حينَ قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. وكان الذي كتَموا بينَهم قولَهم: لن يَخْلُقَ ربُّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ. فعرَفوا أن اللهَ فضَّل عليهم آدمَ في العلمِ والكرمِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 102، 103 بهذا الإسناد عن
الربيع. ووقع فيه: حدثنا عمار بن الحسن.¥.
وقال ابنُ زيدٍ: لما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لمّا خلَق اللهُ النارَ ذُعِرَت منها الملائكةُ ذُعْرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا لمَ خلَقْتَ هذه النارَ، ولأيِّ شيْءٍ خلَقْتَها؟ قال: لِمَن عصاني مِن خَلْقي. قال: ولمْ يَكُنْ للهِ ¬في الأصل، ر: "الله".¥ خَلْقٌ يومَئذٍ إلا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ، إنما خُلِق آدمُ بعدَ ذلك. وقرَأ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1]. قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: يا رسولَ اللهِ، ليتَ ذلك الحينَ ¬أي: ليت الإنسان بقى شيئا غير مذكور، خوفا من يوم القيامة.
وقول عمر أخرجه ابن المبارك في الزهد (235)، وأبو عبيد في الفضائل ص 70. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 297 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥. ثم قال: وقالتِ الملائكةُ: يا ربِّ، أو يأتي علينا دهرٌ نعصِيك فيه! - لا يَرَون له خلقًا غيرَهم - قال: لا، إني أُرِيدُ أن أَخلُقَ في الأرضِ خلْقًا، وأَجعَلَ فيها خَليفةً ¬في ص، م: "خليقة".¥، يَسفِكون الدماءَ ويُفْسِدون في الأرضِ. فقالت الملائكةُ: أتَجعلُ في الأرض مَن يفسدُ فيها ويسفكُ الدماءَ وقد اختَرتَنا؟ فاجْعَلْنا نحن فيها، فنحن نُسبِّحُ بحمدِك ونُقدِّسُ لك، ونعمَلُ فيها بطاعتِك. وأعظَمت الملائكةُ أن يَجْعَلَ اللهُ في الأرضِ مَن يَعْصِيه، فقال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. {يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}. فقال: فلانٌ، وفلانٌ. قال: فلما رأَوْا ما أعْطاه اللهُ مِن العلمِ عليهم ¬سقط من: م.¥، أقرُّوا لآدمَ بالفضلِ عليهم، وأبي الخبيثُ إبليسُ أن يُقِرَّ له، قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 45 إلى المصنف مختصرًا. وينظ
ر الدر المنثور 6/ 297.¥ [الأعراف: 12، 13].
وقال ابنُ إسحاقَ بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما أراد اللهُ أن يَخلُقَ آدمَ بقدرتِه ليَبْتَليَه ويَبْتَليَ به، لعلمِه بما في ملائكتِه وجميعِ خلقِه - وكان أولَ بلاءٍ ابتُلِيَت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحِبُّ وما تَكْرَهُ، للبلاءِ والتَّمْحيصِ لما فيهم مما لم يَعْلَموا، وأحاط به علمُ اللهِ منهم - جمَع ¬في الأصل، م: "جميع".¥ الملائكةَ مِن سكاتِ السماواتِ والأرضِ، ثم قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. يقول: ساكنًا وعامرًا ليَسْكنَها ويَعْمُرَها، خَلْقًا ¬في ر: "خلفا".¥ ليس منكم. ثم أخْبَرَهم بعلمِه فيهم، فقال: يُفْسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ ويَعمَلون بالمعاصي. فقالوا جميعًا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. لا نَعْصِي، ولا نَأْتي شيئًا كرِهْتَه، {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ¬بعده في ص، 1، م، ت 1، ت 2: "قال".¥ أي ¬بعده في م: "إني أعلم".¥: فيكم ومنكم - ولم يُبْدِها لهم - مِن المعصيةِ والفسادِ وسفكِ الدماءِ وإتيانِ ما أَكْرَهُ منهم، مما يكونُ في ا
لأرضِ مما ذكَرْتُ في بني آدمَ.
قال اللهُ لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِين}. إلى قولِه: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 69 - 72]. فذكَر لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - الذي كان مِن ذِكرِه آدمَ - صلى الله عليه وسلم - حينَ أراد خلقَه، ومُراجعةِ الملائكةِ إياه فيما ذكَر لهم منه، فلما عزَم اللهُ تعالى ذكرُه على خلْقِ آدمَ قال للملائكةِ: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 28]. بيدَيْه تَكْرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له، حفِظَتِ الملائكةُ عهدَه، ووَعَوْا قولَه، وأجْمَعوا لطاعتِه، إلا ما كان مِن عدوِّ اللهِ إبليسَ، فإنه صمَت على ما كان في نفسِه مِن الحسدِ والبغْيِ والتكَبُّرِ والمعصيةِ.
وخلَق اللهُ آدمَ عليه السلامُ مِن أَدَمةِ الأرضِ؛ مِن طينٍ لازبٍ مِن حمَأٍ مسنونٍ بيديه، تكرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له على سائرِ خلْقِه.
قال ابنُ إسحاقَ: فيُقالُ واللهُ أعلمُ: خلَق اللهُ آدمَ، ثم وضَعه يَنْظُرُ إليه أربعين عامًا قبلَ أن يَنْفُخَ فيه الرُّوحَ حتى عاد صَلصالًا كالفَخارِ، ولم تَمسسْه نارٌ. قال: فيُقالُ واللهُ أعلمُ: إنه لمَّا انْتَهى الروحُ إلى رأسِه عطَس، فقال: الحمدُ للهِ. فقال له رُّبه: يَرْحَمُك ¬في الأصل: "رحمك".¥ ربُّك. ووقَع الملائكةُ حينَ اسْتَوَى سجودًا له؛ حفظًا لعهدِ اللهِ الذي عهِد إليهم، وطاعةً لأمرِه الذي أمَرهم به، وقام عدوُّ اللهِ إبليسُ مِن بينِهم فلم يَسْجُدْ، مُكابِرًا مُتَعَظِّمًا، بَغْيًا وحسدًا، فقال له: {يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}. إلى: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 75 - 85]. قال: فلمَّا فرَغ اللهُ مِن إبليسَ ومن مُعاتَبتِه، وأبَى إلا المعصيةَ، أوْقَع عليه اللعنةَ، وأخْرَجه مِن الجَنَّةِ، ثم أقْبَل على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: {يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا ك
ُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أي: إنما أجَبْناك فيما علَّمْتَنا، فأما ما لم تُعَلِّمْنا فأنت أعْلَمُ به، فكان ما سمَّى آدمُ مِن شيْءٍ، كان إسمَه الذي هو عليه إلى يومِ القيامةِ ¬أخرج المصنف بعضه في تاريخه 1/ 93، 95، 104، وتقدم طرف منه في ص 477.¥.
وقال ابنُ جُرَيْجٍ بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: إنما تكَلَّموا بما أعْلَمَهم أنه كائنٌ مِن خلقِ آدمَ، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ¬ينظر تفسير ابن كثير 1/ 102.¥.
وقال بعضُهم: إنما قالتِ الملائكةُ ما قالت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. لأن الله تعالى ذكرُه أذِن لها في السؤالِ عن ذلك بعد ما أخْبَرَها أن ذلك كائنٌ مِن بني آدمَ، فسألَتْه الملائكةُ، فقالت على التعجبِ منها: وكيف يَعْصُونك يا ربِّ وأنتَ خالقُهم؟ فأجابهم ربُّهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
يعني أن ذلك كائنٌ منهم وإن لم تَعْلَموه أنتم، ومِن بعضِ مَن تَرَوْنه لي طائعًا، يُعَرِّفُهم بذلك قُصورَ علمِهم عن علمِه.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: قولُ الملائكةِ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}. على غيرِ وجهِ الإنكارِ منهم على ربِّهم، وإنما سأَلوه ليعْلَموا، وأخْبَروا عن أنفسِهم أنهم يُسَبِّحون. وقال: قالوا ذلك لأنهم كرِهوا أن يُعْصَى اللهُ؛ لأن الجنَّ قد كانت أُمِرَتْ قبلَ ذلك فعَصَتْ.
وقال بعضُهم: ذلك مِن الملائكةِ على وجهِ الاسْتِرْشادِ عما لم يَعْلَموا مِن ذلك، فكأنهم قالوا: ياربِّ خَبِّرْنا. مسألةَ اسْتِخْبارٍ منهم للهِ، لا على وجهِ مسألةِ التوبيخِ. قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه التأويلاتِ بقولِ اللهِ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن ملائكتِه قيلَها له: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. تأويلُ مَن قال: إن ذلك منها اسْتِخْبارٌ لربِّها، بمعنى: أعْلِمْنا ياربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ مَن هذه صفتُه، وتاركٌ أن تجْعَلَ [خليفتَك فيها] ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2: "خلفاءك".¥ منا، ونحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك. لا إنكارًا منها لِما أعْلَمَها ربُّها أنه فاعلٌ، وإن كانت قد استَعظَمَتْ لمَّا أُخبِرَت بذلك أن يكونَ للهِ خلقٌ يَعْصِيه.
وأما دَعْوى مَن زعَم أن اللهَ كان أذِن لها بالسؤالِ عن ذلك، فسأَلَتْ على وجهِ التعجبِ، فدَعْوى لا دَلالةَ عليها في ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرَ بها عن ¬في م: "من".¥ الحُجَّةِ يَقْطَعُ العُذْرَ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ اللهِ بما لا دَلالةَ عليه مِن بعضِ الوجوهِ التي تَقومُ بها الحُجَّةُ.
وأما وصفُ الملائكةِ مَن وصَفَت - في استخبارِها ربَّها عنه - بالفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، فغيرُ مُسْتحيلٍ فيه ¬في ص: "منه".¥ ما رُوِي عن ابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ مِن القولِ الذي رواه السديُّ، ووافَقَهما عليه قَتادةُ مِن التأويلِ، وهو أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه أخبَرهم أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً تكونُ له ذريةٌ يفعَلون كذا وكذا، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}. على ما وصَفتُ من الاستخبارِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ اسْتِخْبارِها، والأمرُ على ما وصَفْتَ مِن أنها قد أُخْبرَت أن ذلك كائنٌ؟
قيل: وجهُ اسْتِخْبارِها حينَئذٍ يكونُ عن حالِهم عندَ ¬في ر، م: "عن".¥ وقوعِ ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتُهم ربَّهم أن يَجْعَلَهم الخلفاءَ في الأرضِ حتى لا يَعْصُموه.
وغيرُ فاسدٍ أيضًا ما رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، وتابَعه عليه الربيعُ بنُ أنسٍ، مق أن الملائكةَ قالت ذلك لِما كان عندها مِن علمِ سُكانِ الأرضِ قبلَ آدمَ من الجنِّ، فقالت لربِّها: أجاعلٌ فيها أنت مثلَهم مِن الخلْقِ يَفْعَلون مثلَ الذي كانوا يَفْعَلون؟ على وجهِ الاسْتِعلامِ منهم لربِّهم، لا على وجهِ الإيجابِ أن ذلك كائنٌ كذلك، فيَكونَ ذلك منها إخبارًا عما لم تَطَّلِعْ عليه مِن علمِ ¬في ص: "ظهر".¥ الغيبِ.
وغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ مِن أن يكونَ قِيلُ الملائكَةِ ما قالت كان ¬في ص، ر، م، ت 1، ت 2: "من ذلك".¥ على وجهِ التعجبِ منها مِن أن يكونَ للهِ خلقٌ يَعْصِي خالقَه.
وإنما ترَكْنا القولَ بالذي رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، ووافَقه عليه الربيعُ، وبالذي قاله ابنُ زيدٍ في تأويلِ ذلك؛ لأنه لا خبرَ عندَنا بالذي قالوه مِن وجهٍ يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، ويَلْزَمُ سامعَه به الحجةُ، والخبرُ عما قد مضَى وما قد سَلَف لا يُدْرَكُ علمُ صحتِه إلا بمجيئِه مَجيئًا يَمْتَنِع منه التشاغُبُ ¬في ص: "الشاعر".¥ والتَّواطُؤُ، ويَسْتَحيلُ فيه ¬في ص، ر، م: "منه".¥ الكذبُ والخطأُ والسَّهْوُ، وليس ذلك بموجودٍ كذلك فيما حكاه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، [ووافقه عليه الربيعُ] ¬سقط من: الأصل، ص.¥، ولا فيما قاله ابن زيدٍ.
فأولَى التأويلاتِ إذ كان الأمرُ كذلك بالآيةِ، ما كان عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ دَلالةٌ مما يَصِحُّ مَخْرَجُه في المفهومِ.
فإن قال قائلٌ: فإن كان أوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ هو ما ذكَرْتَ، مِن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخْبَر الملائكةَ بأن ذريةَ خليفتِه في الأرضِ يُفسِدون فيها ويَسفِكون فيها الدماءَ، فمِن أجلِ ذلك قالتِ الملائكةُ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}. فأَين ذِكْرُ إخبارِ اللهِ تعالى ذِكْرُه إياهم بذلك في كتابِه؟
قيل له: اكْتُفي بدَلالةِ ما قد ظهَر مِن الكلامِ عليه عنه، كما قال الشاعر ¬في نسبة البيت خلاف، وأكثر الرواية تنسبه إلى الشَّنْفَري - ينظر الشعر والشعراء 1/ 80، والأغاني 21/ 182، وشرح الحماسة للمرزوقي 2/ 487، وأمالي ابن الشجري 1/ 360 - وبعضها ينسبه إلى تأبط شرًّا. ينظر الحيوان 6/ 450، وأمالي المرتضى 2/ 73.¥:
[فلا تَدْفِنوني إنَّ دَفْني مُحَرَّمٌ] ¬رواية الحيوان: فلا تقبروني إن قبري محرم.¥ ... عليكم ولكنْ خامِرِي ¬رواية الأصفهاني، والمرزوقي: "أبشرى".¥ أمَّ عامرِ فحذَف قولَه: دعُوني للتي يُقالُ لها [إذا أُريد] ¬في م: "عند".¥ صيدُها: خامِرِي أمَّ عامرٍ ¬أم عامر هي الضبع، ويضرب بها المثل فيُشَبَّه بها الأحمق فيقال: خامري أم عامر، ينظر عقلاء المجانين ص 25، 26، ومجمع الأمثال 1/ 422.¥.
إذ كان فيما ظهَر مِن كلامِه دلالةٌ على معنى مرادِه، فكذلك ذلك في قولِه: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} لمّا كان فيه دَلالةٌ على ما ترَك ذكرَه بعد قولِه {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} مِن الخبرِ عما يَكونُ مِن إفسادِ ذريتِه في الأرضِ، اكْتَفَى بدلالتِه، فحذَف وترَك ذِكْرَه، كما ذكَرْنا مِن قولِ الشاعرِ، ونظائرُ ذلك في القرآنِ وأشعارِ العربِ وكلامِها أكثرُ مَن أن يُحْصَى، فلِمَا ذكَرْنا مِن ذلك ¬بعده في ص: "ما ذكرنا".¥ اخْتَرْنا ما اخترْنا مِن القولِ في تأويلِ قولِه: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}.
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}.
أما قولُه: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}. فإنه يَعْني: إنا نعظِّمُك بالحمدِ لك والشكرِ، كما قال الله تعالى ذكرُه: [{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}] ¬في ر: "نسبح بحمدك".¥ [النصر: 3]. وكما قال: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الشورى: 5]. وكلُّ ذكرٍ للهِ عندَ العربِ فتَسْبيحٌ وصلاةٌ، يقولُ الرجلُ منهم: قضَيْتُ سُبْحَتِي ¬السبحة: الدعاء، وصلاة التطوع، والنافلة. التاج (س ب ح).¥ مِن الذكرِ والصلاةِ. وقد قيل: إن التسبيحَ صلاة الملائكةِ.
حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بنِ أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي، فمرَّ رجلٌ مِن المسلمين على رجلٍ مِن المنافِقين، فقال له: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال له: امْضِ إلى عملِك إن كان لك عملٌ. فقال: ما أَظنُّ إلا سيَمُرُّ عليك مَن يُنْكِرُ عليك. فمرَّ عليه عمرُ بنُ الخطابِ، فقال له: يا فلانُ، النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال له مثلَها، فقال: هذا مِن عمَلي. فوثَب عليه، فضرَبه حتى انْبَهَر ¬في ص، ت 1، ت 2: "ابتهر"، وفي م: "انتهى". والبُهرُ: انقطاع النفس من الإعياء، وقد انبهر وابتهر: أي تتابع نَفَسه. التاج (ب هـ ر).¥، ثم دخَل المسجدَ، فصلَّى مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلما انْفَتل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قام إليه عمرُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، مرَرْتُ آنفًا على فلانٍ وأنت تُصَلِّي، فقلت له: النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال: مُرَّ ¬في م: "سر".¥ إلى عملِك إن كان لك عملٌ. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "فَهَلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ".
فقام عمرُ مُسْرِعًا، فقال: "يا عمرُ، ارجِعْ، فإن غضبَك عِزٌّ، ورضاك حُكمٌ، إن للهِ في السماواتِ السبعِ ملائكةً يُصلُّونَ له غِنًى ¬في الأصل: "غَناء". وهما بمعنى.¥ عن صلاةِ فُلانٍ". فقال عمرُ: يا نبيَّ اللهِ، وما صلاتُهم؟ فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأتاه جبريلُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، سأَلك عمرُ عن صلاةِ أهلِ السماءِ؟ قال: "نَعَمْ". قال: اقْرَأْ على عمرَ السلامَ، وأخْبِرْه أن أهلَ سماءِ الدنيا سجودٌ إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ. وأهلَ السماء الثانيةِ ركوعٌ ¬في الأصل، ص، ر: "قيام".¥ إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سُبْحانَ ذي ¬كذا في الأصل، م، والحلية، وكتب فوقه في الأصل: "رب" وفي ص، ر، ت 1، ت 2: "رب".¥ العزّةِ والجَبَروتِ. وأهلَ السماءِ الثالثةِ قيامٌ إلى يومِ القيامةِ يقولون: سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ ¬إسناده مرسل، ولا يصح وصله. أخرجه أبو نعيم في الحلية 4/ 277 من طريق ابن حميد به. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه ص 62 (ترجمة عمر طبعة الرسالة) من طريق يعقوب به، مختصرا. وأخرجه ابن عدي 6/ 2289، وابن عساكر ص 61، 62 من طريق يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، عن ابن عباس، وعن أنس، مختصرا. وصوب ابن عدي المرسل.¥
.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وسهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخْبَرَنا الجُرَيْريُّ، عن أبي عبدِ اللهِ الجسْريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ الصامتِ، عن أبي ذَرٍّ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أو أن أبا ذَرٍّ عاد النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا رسولَ اللهِ، بأبي أنت، أيُّ الكلامِ أحبُّ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ؟ فقال: "ما اصطَفى اللهُ لملائكتِه؛ سبحانَ ربي وبحمدِه، سبحانَ ربِّي وبحمدِه" ¬أخرجه الترمذي (3593) من طريق ابن علية به. وأخرجه أحمد 5/ 148، 161، 176 (الميمنية)، ومسلم (2731)، من طرق عن الجريري به نحوه. وينظر العلل للدارقطني 6/ 245، 246.¥.
في أشكالٍ لما ذكَرْنا مِن الأخبارِ، كرِهْنا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصائِها.
وأصلُ التسبيحِ للهِ عندَ العربِ التنزيهُ له مِن إضافةِ ما ليس مِن صفاتِه إليه، والتبْرِئةُ له مِن ذلك، كما قال أعْشَى بني ثَعْلبةَ ¬ديوانه ص 143.¥:
أَقُولُ لمَّا جاءني فخْرُه ... سبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ
يريدُ: سبحانَ اللهِ مِن فخْرِ علقمةَ. أي: تنزيهًا ¬في ر: "تبرئة".¥ للهِ مما أتَى علقمةُ مِن الافْتِخارِ. على وجهِ النكيرِ ¬في ص، ر: "التكبر"، ت 2: "التنكير".¥ منه لذلك.
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك التسبيحِ والتقْدِيسِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: قولُهم ¬في الأصل، ص، ت 1، ت 2: "قوله".¥: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}: نُصَلِّي لك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال: يَقُولون ¬في الأصل: "يقول".¥: نُصَلِّي لك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 46 إلى المصنف عن ابن مسعود وناس من الصحابة. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 79 (330) من طريق عمرو، عن أسباط، عن السدي من قوله.¥.
وقال آخَرون: نُسَبِّحُ لك التسبيحَ المعلومَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}. قال: التسبيحُ: التسبيحُ ¬تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور 1/ 46 - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 79 (329) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {وَنُقَدِّسُ لَكَ}.
والتقْديسُ هو التطهيرُ والتعظيمُ، ومنه قولُهم: سُبُّوحٌ قُدّوسٌ. يعني بقولِهم: سُبُّوحٌ. تنزيهٌ للهِ جلَّ وعزَّ، وبقولِهم: قُدُّوسٌ. طهارةٌ له وتعظيمٌ. ولذلك قيل للأرضِ: أرضٌ مُقَدَّسةٌ. يعني بذلك المُطَهَّرةَ.
فمعنى قولِ الملائكةِ إذن: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}: نُنَزِّهُك ونُبَرِّئُك مما يُضيفُه إليك أهلُ الشركِ بك، ونُصَلِّي لك. {وَنُقَدِّسُ لَكَ}. نَنْسِبُك إلى ما هو مِن صفاتِك من الطهارةِ من الأدناسِ، وما أضاف إليك أهلُ الكفرِ بك.
وقد قيل: إن تقديسَ الملائكةِ لربِّها صلاتُها له، كما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَنُقَدِّسُ لَكَ}. قال: التقديسُ: الصلاةُ ¬تفسير عبد الرزاق - كما في الدر المنثور 1/ 46 - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 79 (332) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.¥.
وقال بعضهم: {وَنُقَدِّسُ لَكَ}: نُعَظِّمُك ونُمَجِّدُك.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ المُؤَدِّبُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. قال: نُعَظِّمُك ونُمَجِّدُك ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ص 113 (334، 335 - تحقيق د. أحمد عبد الله العماري) من طريق سفيان، عن إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 46 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: {وَنُقَدِّسُ لَكَ}. قال: نُعَظِّمُك ونُكَبِّرُك ¬تفسير مجاهد ص 199، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره ص 113 (333 - تحقيق د. أحمد عبد الله العماري) من طريق ابن أبي نجيح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 46 إلى عبد بن حميد. وينظر تفسير الثوري ص 44.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}: لا نعصِي ولا نأتي شيئًا تَكرهُه ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 103، وتقدم بتمامه في ص 496.¥.
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {وَنُقَدِّسُ لَكَ}. قال: التقديسُ: التطهيرُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 103، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 79 (331) عن أبي زرعة، عن منجاب، عن بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس.¥.
وأما قولُ مَن قال: التقديسُ: الصلاةُ، أو ¬في ر، ت 1، ت 2: "و".¥: التعظيمُ. فإن معنى قولِه ذلك راجعٌ إلى نحوِ ¬سقط من: ر، م.¥ المعنى الذي ذكَرْنا مِن التطهيرِ، من أجلِ أن صلاتَها لربِّها تعظيمٌ منها له، وتطهيرٌ مما يَنسِبُه إليه أهلُ الكفرِ به.
ولو كان ¬في ص، م: "قال".¥ مكانَ: {وَنُقَدِّسُ لَكَ}: ونُقَدِّسُك. كان فصيحًا مِن الكلامِ، وذلك أن العربَ تقولُ: فلانٌ يُسَبِّحُ اللهَ ويُقَدِّسُه، ويُسَبِّحُ للهِ ويُقَدِّسُ له. بمعنًى واحدٍ، وقد جاء بذلك القرآنُ، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا} [طه: 33]. وقال في موضعٍ آخرَ: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 1].
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)}.
اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: {أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} مما اطلَع عليه مِن إبليسَ، وإضمارِه المعصيةَ للهِ وإخْفائِه الكبْرَ، مما اطلَع عليه تعالى ذكرُه منه، وخفِي على ملائكتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. يقولُ: إني قد اطلَعتُ مِن قلبِ إبليسَ على ما لم تَطَّلِعوا عليه مِن كِبْرِه [واغترارِه] ¬في الأصل: "واعتزازه". وتقدم الأثر بتمامه في ص 482 وما بعدها.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يعني: مِن شأنِ إبليسَ ¬تقدم بتمامه في ص 486 - 488.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد، وحدَّثنا محمدُ ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلَقَه لها ¬أخرجه ابن عيينة في تفسيره -كما في الدر المنثور 1/ 46 - وعنه سعيد بن منصور في سننه (184 - تفسير) عن ابن أبي نجيح وغيره، عن مجاهد. وهو في تفسير مجاهد ص 199. وأخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية ص 60 من طريق ابن جريج، عن مجاهد. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عليِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه ¬أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (938) عن أبيه، عن محمد بن بشر به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 79 (334) من طريق علي بن بذيمة به.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عليِّ بنِ بذيمةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّة، عن مُجاهدٍ في قولِه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها.
حدَّثني جعفرُ ¬في الأصل: "يعقوب".¥ بنُ محمدٍ البُزُوريُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ بشرٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. قال: علِم مِن إبليسَ كتْمانَه الكِبْرَ ألا يسْجُدَ لآدمَ.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ ¬بعده في ر: "عن ابن أبي نجيح عن مجاهد".¥، قال: وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ ¬أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (891) من طريق شبل به، بزيادة: وخلقه لها.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، - عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور 1/ 46 - ومن طريقه عبد الله بن أحمد في السنة (938).¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ، وخلَقه لها. وقال مرةً: آدمَ.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت عبدَ الوهابِ بنَ مجاهدٍ يُحدِّثُ عن أبيه في قولِه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ¬في ص: "يعلمون".¥. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها، وعلِم مِن آدمَ الطاعةَ وخلَقه لها.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه والثورىِّ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها ¬تفسير عبد الرزاق -كما في الدر المنثور 1/ 46 - وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في الأمالي (195).¥.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ ¬في ر: "أبي".¥ إسحاقَ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: فيكم ومنكم -ولم يبْدِها لهم- مِن المعصيةِ والفسادِ وسَفْكِ الدماءِ ¬تقدم مطولًا في ص 496.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: إنى أعلمُ ما لا تعلمونَ من أنَّه يكونُ من تلك ¬في م: "ذلك".¥ الخليفةِ أهلُ الطاعةِ والولايةِ للهِ جلَّ ذكْرُه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}: فكان في علمِ اللهِ أنه سيَكونُ مِن [تلك الخليفةِ] ¬في م: "ذلك الخليفة"، وفي ت 1: "تلك الخليقة".¥ أنبباءُ ورسلٌ وقومٌ صالحون وساكنو ¬في الأصل، وتفسير ابن أبي حاتم: "ساكن"، وفي ر، ت 1: "ساكنون".¥ الجنةِ ¬جزء من الأثر المتقدم في ص 491، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 79 (335) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 46 إلى عبد بن حميد.¥.
وهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه يُنبئُ عن أن ملائكتَه التي قالت: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. استَفْظَعَت أن يكونَ للهِ جلَّ ثناؤُه خَلْقٌ يَعْصِيه، وعَجِبَتْ منه إذ أخْبِرت أن ذلك كائنٌ فلذلك قال لهم ربهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يَعْني بذلك واللهُ أعلمُ: إنكم لتَعْجَبون مِن أمرٍ ¬في م: "أمر الله".¥ وتَسْتَفْظِعونه، وأنا أعلمُ أنه في بعضِكم، وتصِفون أنفسَكم بصفةٍ أعلمُ خلافَها مِن بعضِكم، وتُعَرِّضون بأمرٍ قد جعَلْتُه لغيرِكم. وذلك أن الملائكةَ [قالت لربِّها] ¬سقط من: ر، ت 1، ت 2.¥ -لمّا أخبَرها ربُّها بما هو كائنٌ مِن ذريةِ خليفتِه من الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ- قالت لربِّها: ربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ خليفةً مِن غيرِنا، [يكونُ مِن ذريَّتِه] ¬في الأصل: "تكون ذريته تعصيك واجعله".¥ من يَعْصِيك أم منا، فإنا نعَظِّمُك ونصَلِّى لك ونُطِيعُك ولا نَعْصِيك؟ -ولم يكنْ عندَها علمٌ بما قد انطوى كَشْحًا عليه إبليسُ من استكبارِه على ربِّه- فقال لهم ربُّهم: إنِّى أعلمُ غيرَ الذي تقُولونَ من بعضِكم. وذلك هو ما كان مستورًا عنهم مِن أمرِ إبليسَ وانْطِوائِه على ما كان قد انْطَ
وَى عليه مِن الكِبْرِ، وعلى قِيلِهم ذلك، ووصْفِهم أنفسَهم بالعمومِ من الوصفِ، عُوتِبوا.