تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}.
قال أبو جعفرٍ: وفي هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على صحةِ قولِ مَن قال: إن إبليسَ أُخْرِج مِن الجنةِ بعدَ الاسْتكبارِ عن السجودِ {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شيءتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}. فقد تبَينَّ أن إبليسَ إنما أزَلَّهما عن طاعةِ اللهِ بعدَ أن لُعِن وأظْهَر التكَبُّرَ؛ لأن سجودَ الملائكةِ لآدمَ كان بعدَ أن نُفخ فيه الروحُ، وحينئذٍ كان امْتِناعُ إبليسَ مِن السجودِ له، وعند الامتناعِ مِن ذلك حلَّت عليه اللعنةُ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكرَه عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أن عدوَّ اللهِ إبليسَ أقْسَم بعِزَّةِ اللهِ لَيُغْوِيَنَّ آدمَ وذريَّتَه وزوجَتَه، إلا [عبادَ اللهِ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "عباده".¥ المُخْلَصِين منهم، بعد أن لعَنه اللهُ، وبعدَ أن أُخْرِج مِن الجنةِ، وقبلَ أن يَهْبِطَ إلى الأرضِ، وعلَّم اللهُ آدمَ الأسماءَ كلَّها.
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما فرَغ اللهُ مِن إبليسَ ومُعاتَبتِه، وأبَى إلا المعصيةَ، أوقَع اللهُ عليه اللعنةَ، ثم أخْرَجه مِن الجنةِ، أقْبَل على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: {يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}. إلى قولِه: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ¬تقدم بتمامه في ص 496.¥.
ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في الحالِ التي خُلقت لآدمَ زوجتُه، والوقتِ الذي جُعِلَت له سكنًا؛ فقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فأُخْرِج إبْليسُ مِن الجنةِ حينَ لُعِن، وأُسْكِن آدمُ الجنةَ، فكان يَمْشِى فيها وَحْشًا ¬أي وحده ليس معه غيره. اللسان (و ح ش).¥، ليس له زَوْجٌ يَسْكُنُ إليها، فنام نَوْمةً، فاسْتيقظ وإذا عند رأسِه امرأةٌ قاعدةٌ، خلَقها اللهُ من ضِلَعِه، فسَألَها: من أنْتِ؟ قالت: امْرَأةٌ. قال: ولمَ خُلِقْتِ؟ قالت: تسكنُ إلَىَّ. قالت له الملائكةُ -ينظُرون ما بلغَ علمُه-: ما اسْمُها يا آدمُ؟ قال: حواءُ. قالوا: ولِمَ سميت حواءَ؟ قال: لأنها خُلِقَتْ مِن شيء حيٍّ. فقال اللهُ له: {يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شيءتُمَا} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 103، 104. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (820)، وابن عساكر في تاريخه 7/ 402 من طريق عمرو بن حماد به. و
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 85 (372) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السديِّ من قوله.¥.
فهذا الخبرُ يُنْبِئُ عن أن حَواءَ خُلِقَت بعدَ أن أُسكِن آدمُ الجنةَ، فجُعِلَت له سَكَنًا.
وقال آخَرون: بل خُلِقَت قبلَ أن يُسْكَنَ آدمُ الجنةَ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما فرَغ اللهُ مِن مُعاتَبةِ إبليسَ، أقْبَل على آدمَ وقد علَّمَه الأسْماءَ كلَّها، فقال: {يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}. إلى قولِه: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}. ثم ألْقَى السِّنَةَ على آدمَ -فيما بلَغَنا عن أهلِ الكتابِ مِن أهلِ التَّوْراةِ، وغيرِهم مِن أهلِ العلمِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ وغيرِه- ثم أخَذ ضِلَعًا مِن أضْلاعِه مِن شِقِّه الأيسرِ، ولأَم مكانَه لحمًا، وآدمُ نائمٌ لم يَهْبُبْ مِن نَوْمِه حتى خلَق اللهُ مِن ضِلَعِه تلك زوجتَه حَوَّاءَ، فسوَّاها امرأةً ليَسْكُنَ إليها، فلما كشَف عنه السِّنَةَ وهبَّ مِن نومتِه رآها إلى جنبِه، فقال -فيما يزْعُمون واللهُ أعلمُ-: لحْمى ودمى وزوجتى. فسكَن إليها، فلمّا زوَّجه اللهُ، وجعَل له سكنًا من نفسِه، قال له قِبَلًا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "فتلا". وقِبلا: عيانا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولى أمره أو كلامه أحدا من ملائكته. النهاية 4/ 8.¥: {يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شيءتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ
الظَّالِمِينَ} ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 104. وذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 112 عن ابن إسحاق به.¥.
قال أبو جعفرٍ: ويقالُ لامرأةِ الرجل: زوْجُه وزَوْجتُه. والزوجةُ بالهاءِ أكثرُ في كلامِ العربِ منها بغيرِ الهاءِ، والزوجُ بغيرِ الهاءِ يقالُ: إنها لغةٌ لأزْدِ شَنُوءةَ. فأمّا الزوجُ الذي لا اختلافَ فيه بينَ العربِ فهو زوجُ المرأةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شيءتُمَا}.
قال أبو جعفرٍ: أمّا الرَّغَدُ، فإنه الواسِعُ مِن العيشِ الهَنِئِ الذي لا يُعَنِّى صاحبَه، يقالُ: أرْغَد فلانٌ. إذا أصاب واسعًا مِن العيشِ الهَنِئِ، كما قال امرُؤُ القيسِ بنُ حُجْرٍ ¬لم نجده في ديوان امرئ القيس بهذه الرواية، ولكن لامرئ القيس قصيدة على نفس الوزن بها بيت شبيه، لعله المراد وليس فيه موضع الشاهد، وهو:
بينما المرء شهاب ثاقب ... ضرب الدهر ثناه فخمد
ديوان امرئ القيس ص 217.¥:
بينَما المرءُ تَراهُ ناعِمًا ... يأمنُ الأحْداثَ في عيشٍ رغدْ
وكما حدَّثنا به موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا}: والرَّغَدُ الهنِئُ ¬ذكره الحافظ في الفتح 8/ 164 عن المصنف من طريق السديِّ عن رجاله. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 (375) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السديِّ من قوله. وهو تمام الأثر المتقدم في ص 547.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسَى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهِدٍ قولَه: {رَغَدًا}. قال: لا حِسابَ عليهم ¬تفسير مجاهد ص 203، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 (374).¥.
حدَّثنا المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شيءتُمَا}. أي: لا حسابَ عليهم.
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: {وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا}. قال: الرَّغَدُ سَعَةُ المَعيشةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 85 (373) عن أبى زرعة، عن المنجاب به.¥.
فمعنى الآيةِ: وقلْنا يا آدمُ اسْكُن أنت وزوجُك الجنةَ، وكُلَا مِن الجنةِ رِزقًا واسعًا هَنيئًا مِن العيش حيثُ شيءتُما.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شيءتُمَا}: ثم أتى ¬في م: "إن".¥ البلاءُ الذي كُتِب على الخلقِ على آدمَ، كما ابتُلِى الخلقُ قبلَه، إن اللهَ تعالى ذكرُه أحَلَّ له ما في الجنةِ أن يَأْكلَ منها رَغَدًا حيثُ شاءَ، غيرَ شجرةٍ واحدةٍ نُهِى عنها، وقَدَّم إليه فيها، فما زال به البلاءُ حتى وقَع بالذي نُهِى عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}.
قال أبو جعفرٍ: والشجَرُ في كلامِ العربِ كلُّ ما قام على ساقٍ، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]. يعنى بالنَّجْمِ ما نجَم مِن الأرضِ مِن نَبْتٍ، وبالشجَرِ ما اسْتَقَلَّ على ساقٍ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في عينِ الشجَرةِ التي نُهِىَ عن أكلِ ثمرِها آدمُ عليه السلام؛ فقال بعضُهم: هي السُّنْبُلةُ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ الحِمَانيُّ، عن النضرِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الشجَرةُ التي نُهِىَ آدمُ عنها ¬في م: "عن أكل ثمرها".¥ السُّنْبُلةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 (377)، وأبو الشيخ في العظمة (1059) من طريق محمد بن إسماعيل به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 52 إلى ابن المنذر وابن عساكر. والنضر بن عبد الرحمن متروك.¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ ¬في م: "عتيبة". وينظر تهذيب الكمال 22/ 345.¥، جميعًا عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ في قولِه: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. قال: هي السُّنْبلةُ ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخه 7/ 401 من طريق حصين به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 53 إلى وكيع وعبد بن حميد وأبى الشيخ.¥.
حدّثنا محمد بن بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْدىٍّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن حُصَيْنٍ، عن أبى مالكٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْب وابنُ وَكيعٍ، قالا: حدَّثنا ابنُ إدْريسَ، قال: سمِعْتُ أبى، عن عطيةَ العوفىِّ في قولِه: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. قال: السُّنْبُلةُ".
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الشجَرةُ التي نُهِى عنها آدمُ هي السُّنْبلةُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 عقب الأثر (377) معلقا.¥.
حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثني رجلٌ مِن بنى تَميمٍ، أن ابنَ عباسٍ كتَب إلى أبى الجَلْدِ يَسْألُه عن الشجرةِ التي أكَل منها آدمُ، والشجرةِ التي تاب عندَها؟ فكتَب إليه أبو الجَلْدِ: سأَلْتَنى عن الشجرةِ التي نُهِىَ عنها آدمُ، وهي السُّنْبُلةُ، وسأَلْتَنى عن الشجرةِ التي تاب عندَها آدمُ، وهي الزَّيْتُونةُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثني إبنُ إسحاقَ، عن رجلٍ مِن أهْلِ العلمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ: الشجرةُ التي نُهِىَ عنها آدمُ البُرُّ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 113 عن ابن إسحاق به. وينظر الدر المنثور 1/ 52.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنةَ وابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت الشجرةُ التي نَهَى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه السُّنبلةَ ¬سيأتي بتمامه في تفسير الآية 22 من سورة الأعراف.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ اليمنِ، عن ¬في الأصل: "وعن".¥ وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ اليَمانىِّ أنه كان يقولُ: هي البُرُّ، ولكنَّ الحَبَّةَ منها في الجنةِ ككُلَى البقرِ، ألينُ مِن الزُّبْدِ وأحْلَى مِن العسلِ، وأهلُ التَّوْراةِ يَقُولون: هي البُرُّ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 (378) من طريق سلمة به.¥.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن يعقوبَ بنِ عُتْبةَ، أنه حدَّث أنها الشجرةُ التي تَحَنَّكُ ¬في م: "تحتك".¥ بها الملائكةُ للخَلْدَةِ ¬في ص، م: "للخلد".¥.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، عن جابرِ بنِ يزيدَ بنِ رِفاعةَ، عن مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، قال: هي السنْبُلةُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 عقب الأثر (377) معلقا.¥.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: هي السنبلةُ التي جعَلها اللهُ رِزقًا لولدِه في الدنيا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "عبد الله".¥.
وقال آخَرون: هي الكَرْمةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا [عبيدُ اللهِ] ¬في ر، والمصادر: "الكرم".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 (376) من طريق عبيد الله به.
وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 53 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
وذكر السيوطي 1/ 53 عن المصنف، عن ابن عباس: هي اللوز. وقال: كذا في النسخة، وهي قديمة، وعندي أنها تصحفت من الكرم.¥، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هي الكَرْمةُ ¬¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ في خبرٍ ذكره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}: هي الكَرْمُ، وَتَزْعُمُ اليهودُ أنها الحنْطةُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 53 إلى المصنف عن ابن مسعود. وينظر تاريخ دمشق 7/ 401.¥.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حَمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: الشجرةُ هي الكرْمُ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ، قال: هو العِنَبُ. في قولِه: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن خَلَّادٍ الصَّفَّارِ، عن بَيانٍ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. قال: الكَرْمُ ¬أخرجه وكيع -كما في الدر المنثور 1/ 53 - وأخرجه ابن سعد 1/ 34 من طريق بيان به. وعزاه السيوطي إلى أبى الشيخ.: وينظر تفسير ابن أبي حاتم 1/ 86 (376).¥.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ، قال: الشجرةُ التي نُهِى عنها آدمُ شجرةُ الخمرِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ حسينٍ ¬في ص: "حصين".¥، عن يَعْلَى بنِ مُسْلِمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. قال: الكَرْمُ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 عقب الأثر (376) معلقًا.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن السديِّ، قال: العِنَبُ.
حدَّثنا القاسمُ قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، قال: عِنَبٌ ¬¥.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيّ، عن بَيانٍ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. قال: الكَرْمُ.
وقال آخَرون: هي التِّينةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن بعضِ أصحابِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قال: تينةٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 53 إلى المصنف عن بعض الصحابة.
وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 86 (379) من طريق ابن جريج عن مجاهد. وعزاه السيوطي إلى أبى الشيخ عن مجاهد. وينظر ما تقدم في ص 204.¥.
قال أبو جعفرٍ: والقولُ في ذلك عندنا أن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عبادَه أن آدمَ وزوجَه قد أكَلا مِن الشجرةِ التي نهاهما عن الأكلِ منها، وأتَيا الخَطيئةَ التي نهاهما عن إتيانِها بأكلِهما ما أكَلا منها، بعدَ أن بيَّن اللهُ لهما عَينَ الشجرةِ التي نهاهما عن الأكلِ منها، وأشار لهما إليها بقولِه: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. ولم يَضَعِ اللهُ لعبادِه المخاطَبِين بالقرآنِ دَلالةً على أي أشجارِ الجنةِ كان نَهْيُه آدمَ عليه السلامُ أن يَقْرَبَها، بنصٍّ عليها باسمِها، ولا بدَلالةٍ عليها، ولو كان للهِ جلّ ثناؤُه في العلمِ بأي ذلك مِن أي رضًا، لم يُخْلِ عبادَه مِن نَصْبِ دَلالةٍ لهم عليها يَصِلون بها إلى معرفةِ عينِها، ليُطعوه بعلمِهم بها، كما فعَل ذلك في كلِّ ما في العلمِ به له رضًا.
فالصوابُ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه نهَى آدمَ عليه إلسلامُ وزوجتَه عن أكلِ شجرةٍ بعينِها مِن أشجارِ الجنةِ دون سائرِ أشجارِها، فخالَفا إلى ما نهاهما اللهُ عنه، فأكلا منها كما وصَفَهُما اللهُ به، ولا علمَ عندَنا [بأي ذلك من أي] ¬في م: "أي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة، فإني يأتى ذلك من أتى".¥. وقد قِيلَ: كانت شجرةَ البُرِّ. وقيل: كانت شجرةَ العِنَبِ. وقيل: كانت شجرةَ التِّينِ. وجائزٌ أن تكونَ واحدةً منها، وذلك [عِلْمٌ إذا عُلِم] ¬في م: "إن علمه عالم".¥ لم يَنْفَعِ العالمَ به علمُه، وإنْ جَهِله جاهلٌ لم يضُرَّه جهلُه به.
القولُ في تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)}.
قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ العربيةِ في تأويلِ قولِه: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}، فقال بعضُ نحْوىِّى الكوفيين: تأويلُ ذلك: ولا تَقْرَبا هذه الشجرةَ، فإنكما إن قرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين. فصار الثانى في موضعِ جوابِ الجزاءِ، وجوابُ الجزاءِ يَعْمَلُ فيه أؤَلُه، كقولِك: إن تَقُمْ أَقُمْ. فتَجْزِمُ الثانىَ بجزمِ الأوَّلِ، فكذلك قولُه: {فَتَكُونَا} لماّ وقَعَتِ الفَاءُ في موضعِ شرطِ الأوَّلِ نُصِب بها، وصُيِّرَت بمنزلةِ "كى" في نصبِها الأفعالَ المستقبلةَ، للزومِها الاستقبالَ، إذ كان أصلُ الجزاءِ الاستقبالَ.
وقال بعضُ نحويِّي أهلِ البصرةِ: تأويلُ ذلك: لا يكُنْ منكما قُرْبُ هذه الشجرةِ، فأن تكونا مِن الظالمين. غيرَ أنه زعَم أنّ "أن" غيرُ جائزٍ إظهارُها مع {لَا}، ولكنَّها مُضْمَرةٌ لابد منها ليَصحَّ الكلامُ بعطفِ اسمٍ -وهى "أن"- على اسمٍ، كما غيرُ جائزٍ في قولِهم: عسى أن يَفْعَلَ: عسى الفعلُ. ولا في قولِك: ما كان لِيَفْعَلَ: ما كان لأن يَفْعَلَ.
وهذا القولُ الثانى يُفْسِدُه إجماعُ جميعِهم على تخطئةِ قولِ القائلِ: سرَّنى تقومُ يا هذا. وهو يُرِيدُ: سرَّنى قيامُك. فكذلك يجِبُ أن يكونَ خطأً على هذا المذهب قولُ القائلِ: لا تقمْ. إذا كان المعنى: لا يكن منك قيامٌ. وفي إجْماعِ جميعِهم على صحةِ قولِ القائلِ: لا تَقُمْ. وفسادِ قولِ القائلِ: سرَّنى تَقُومُ. بمعنى: سرَّنى قيامُك - الدليلُ الواضحُ على فسادِ دعوى المُدَّعِى أن مع {لَا} التي في قوله: {وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}. ضميرَ "أن"، وصحةِ القولِ الآخرِ.
وفى قولِه: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}. وجهان مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يَكونَ {فَتَكُونَا} في نيةِ العطفِ على قولِه: {وَلَا تَقْرَبَا} فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: ولا تَقْرَبا هذه الشجرةَ، ولا تكونا من الظالمين. فيكونَ {فَتَكُونَا} حينَئذٍ في معنى الجزمِ مجزومًا بما جُزِم به: {وَلَا تَقْرَبَا}. كما يقولُ القائلُ: لا تُكَلِّمْ عَمْرًا وتُؤْذِه. كما قال امرُؤُ القيسِ ¬ديوانه ص 174.¥.
فقلتُ له صوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ ... فَيُذْرِكَ مِن أُخرَى القَطاةِ ¬القطاة: موضع الردف عن الدابة خلف الفارس. اللسان (ق ط و).¥ فَتَزْلَقِ
فجزَم "يُذْرك" بما جزَم به "لا تَجْهَدَنَّه"، كأنه كرَّر النهىَ.
والثانى: أن يكونَ {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}. بمعنى جوابِ النهىِ، فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: تَقْرَبا هذه الشجرةَ، فإنكما إن قَرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين. كما تقولُ: لا تَشْتُمْ زيدًا ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "عمرًا".¥ فيَشْتُمَك مُجازاةً. فيكونَ {فَتَكُونَا} حينَئذٍ في موضعِ نَصبٍ إذ كان حرفًا عُطِفَ على غيرِ شكلِه، لمَّا كان في {وَلَا تَقْرَبَا} حرفٌ عاملٌ فيه لا ¬في ص، م: "ولا".¥ يَصْلُحُ إعادتُه في {فَتَكُونَا}، فنُصِب على ما قد بيَّنْتُ في أولِ هذه المسألةِ.
وأما تأويلُ قولِه: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}. فإنه يعنى به: فتكونا من المُتَعدِّين إلى غيرِ ما أُذِن لهم فيه وأُبيح لهم. وإنما عَنَى بذلك أنكما إن قرِبْتُما هذه الشجرةَ كنتما على مِنْهاجِ مَن تَعدَّى حُدودي، وعَصَى أمري، واسْتَحلَّ مَحارِمي، لأنَّ الظالمين بعضُهم أولياءُ بعضٍ، واللهُ وليُّ المُتَّقِين.
وأصلُ الظلمِ في كلامِ العربِ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ ¬تقدم في ص 184.¥:
إلَّا أَوارِىَّ ¬في الأصل، م: "الأوارى". ويروى بالوجهين، وقد تقدم بدون الألف واللام في جميع النسخ في الموضع السابق.¥ لَأيًا ما أُبَيِّنُها ... والنُّؤْىُ كالحوضِ بالمَظْلومةِ الجَلَدِ
فجعَل الأرضَ مظلومةً؛ لأنَّ الذي حفَر فيها النُّؤْىَ حفَر في غيرِ موضعِ الحفرِ، فجعَلها مظلومةً [لوضعِ الحُفْرةِ] ¬في ص: "لموضع الحفر".¥ منها في غيرِ موضعِها. ومِن ذلك قولُ ابنِ قَمِيئةَ في صفةِ غَيْثٍ ¬كذا نسبه المصنف، وورد هذا البيت في ديوان ابن قميئة ص 207 على أنَّه من الشعر المنسوب إليه وليس في مخطوطة الديوان. والصواب أنه للحادرة، ينظر المفضليات ص 44، وديوان شعر الحادرة ص 308.¥:
ظلَم البِطاحَ ¬البطاح: بطون الأودية. التاج (ب ط ح).¥ به ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بها". وفي المفضليات: "له". والمثبت من الأصل، ص موافق لما في ديوان شعر الحادرة.¥ انْهلالُ ¬انهل المطر انهلالا: سال بشدة. اللسان (هـ ل ل).¥ حَريصةٍ ¬الحريصة: السحابة التي تقشر وجه الأرض بمطرها. التاج (ح ر ص).¥ ... فَصَفَا النِّطافُ ¬النطاف: القليل من الماء، وقيل: هي الماء الصافى قلَّ أو كثر. اللسان (ن ط ف).¥ له بُعَيْدَ المُقْلَعِ ¬المقلع: الإقلاع؛ وهو الإمساك والكف. التاج (ق ل ع).¥
وظلمُه إياه مَجِيئُه في غيرِ أوانِه، وانصبابُه في غيرِ مَصَبِّه. ومنه ظلمُ الرجلِ جَزورَه، وهو نحرُه إياه لغيرِ علَّةٍ، وذلك عندَ العربِ وَضْعُ النحرِ في غيرِ موضعِه.
وقد يتفَرَّعُ الظُّلْمُ في معانٍ يَطولُ بإحْصائِها الكِتابُ، سنُبيِّنُها في أماكنِهِا إذا أتيْنا عليها، إنِ اللهُ شاء ذلك، وأصلُ ذلك كُلِّه ما وصَفْنا من وضعِ الشيءِ في غيرِ موضِعِه.