تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: {وَآمِنُوا}: صدِّقوا، كما قد قدَّمْنا البيانَ عنه قبلُ ¬تقدم في ص 254.¥. ويَعْنى بقولِه: {بِمَا أَنْزَلْتُ}. ما أنْزَل على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن القرآنِ. ويعنى بقولِه: {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}. أن القرآنَ مُصَدِّقٌ لما مع اليهودِ مِن بني إسرائيل مِن التوراةِ، فأمَرهم بالتَّصْديقِ بالقرآنِ، وأخْبَرَهم أن في تصديقِهم بالقرآنِ تصديقًا منهم للتوراةِ، لأن الذي في القرآنِ مِن الأمرِ بالإقرارِ بنبوَّةِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتصديقِه واتِّباعِه، نظيرُ الذي مِن ذلك في التوراةِ والإنجيلِ، ففي تصديقِهم بما أُنْزل على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تصديقٌ منهم لما معهم مِن التوراةِ، وفي تكذيبِهم به تكذيبٌ منهم لما معهم مِن التوراةِ.
وقولُه جل ثناؤُه: {مُصَدِّقًا}. قطعٌ مِن الهاءِ المتروكةِ في {أَنْزَلْتُ} ¬في ص، م: "أنزلته".¥
مِن ذكر "ما". ومعنى الكلامِ: وآمِنوا بالذي أنْزَلْتُه مصدقًا لما معكم أيُّها اليهودُ. والذي معهم هو التوراةُ والإنجيلُ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى ابنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ الله تعالى ذكرُه: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}. يقولُ: {بِمَا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "إنما".¥ أَنْزَلْتُ} القرآنُ، {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} التوراةُ والإنجيلُ ¬تفسير مجاهد ص 201، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 96 (445)، بدون ذكر التوراة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ص 16 (مخطوط) إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}. يقولُ: يا معشرَ أهلِ الكتابِ، آمِنوا بما أنْزَلْتُ على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مصدِّقًا لما معكم، يقولُ: لأنهم يَجِدون محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 96 (444) من طريق آدم به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: كيف قيل: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} والخطابُ خبرٌ ¬في ص، م: "فيه".¥ لجميعٍ، وقولُه ¬سقط من: م.¥: {كَافِرٍ} واحدٌ؟ وهل نُجِيزُ -إن كان ذلك جائزًا- أن يَقولَ قائلٌ: لا تكونوا أولَ رجلٍ قام؟
قيل له: إنما يَجوزُ توحيدُ ما أُضِيف إليه "أفَعْل" وهو خبرٌ لجميعٍ، إذا كان اسمًا مشتقًّا مِن "فَعَلَ ويَفْعُلُ"؛ لأنه يؤدِّى عن المرادِ معه المحذوفَ مِن الكلامِ، وهو "مَن"، ويَقومُ مَقامَه في الأداءِ عن معنى ما كان يؤَدِّى عنه "مَن"، مِن الجمعِ والتأنيثِ، وهو في لفظٍ واحدٍ. ألا تَرَى أنك تقولُ: ولا تكونوا أولَ مَن يَكْفُرُ به. فـ"مَن" بمعنى جمعٍ، وهو غيرُ مُتَصَرِّفٍ تَصَرُّفَ الأسماءِ للتثنيةِ والجمعِ والتأنيثِ، فإذا أُقِيم الاسمُ المشتقُّ مِن "فَعَلَ ويَفْعُلُ" مُقامَه، جرَى وهو موحَّدٌ مَجْراه في الأداءِ عما كان يُؤَدِّى عنه "مَنْ" مِن معنى الجمعِ والتأنيثِ، كقولِك: الجيشُ مُنْهَزِمٌ ¬في م: "ينهزم".¥، والجُنْدُ مُقْبِلٌ ¬في م: "يقبل".¥. فتُوَحِّدُ الفعلَ لتوحيدِ لفظِ الجيشِ والجندِ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ: الجيشُ رجلٌ، والجندُ غلامٌ. حتى تقولَ: الجندُ غِلْمانٌ، والجيشُ رجالٌ. لأن الواحدَ مِن عددِ الأسماءِ التي هي غيرُ مشتقةٍ مِن "فَعَلَ ويَفْعُلُ" لا يُؤَدِّى عن معنى الجماعةِ منهم، ومِن ذلك قولُ الشاعر ¬ذكره أبو زيد في النوادر ص 152، والفراء في معانى القرآن 1/ 33.¥:
وإذا هُمُ طعِموا فأَلْأَمُ طاعِمٍ ... وإذا هُمُ جاعوا ¬في النوادر: "عاعوا". وهي رواية في البيت.¥ فشرُّ جِياعِ
فوحَّد مرَّةً على ما وصَفْتُ مِن نيةِ "مَن"، وإقامةِ الظاهرِ مِن الاسمِ الذي هو مشتقٌّ مِن "فَعَلَ ويَفْعُلُ" مُقامَه، وجمَع أُخرى على الإخراجِ على عددِ الأسماءِ المُخْبَرِ عنهم، ولو وحَّد حيثُ جمَع أو جمَع حيثُ وحَّد، كان صوابًا جائزًا.
وأما تأويلُ ذلك فإنه يَعْنى به: يا معشرَ أحبارِ أهلِ الكتابِ، صدِّقوا بما أنْزَلْتُ على رسولي محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن القرآنِ المُصَدِّقِ كتابَكم، والذي عندَكم مِن التوراةِ والإنجيلِ المعهودِ إليكم فيهما أنه رسولي ونبيِّىَ المبعوثُ بالحقِّ، ولا تكونوا أولَ أُمّتِكم ¬في م: "من".¥ كذَّب به وجحَد أنه مِن عندي، وعندَكم مِن العلمِ به ما ليس عندَ غيرِكم.
وكفرُهم به جُحودُهم أنه مِن عندِ اللهِ.
والهاءُ التي في {بِهِ} مِن ذكرِ "ما" التي مع قولِه: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ}.
كما حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ في قولِه: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}: بالقرآنِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 64 إلى المصنف.¥.
ورُوِى عن أبي العاليةِ في ذلك ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. يقولُ: ولا تكونوا أولَ مَن كفَر بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 97 (447) من طريق آدم به.¥.
وقال بعضُهم: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. يعنى: بكتابِكم. ويتَأَوَّلُ أن في تكذيبِهم بمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تكذيبًا منهم بكتابِهم؛ لأن في كتابِهم الأمرَ باتِّباعِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وهذان القولان مِن ظاهرِ ما تَدُلُّ عليه التلاوةُ بعيدانِ، وذلك أن اللهَ جَلَّ ثناؤُه أمَر المُخاطَبِين بهذه الآيةِ في أولِها بالإيمانِ بما أُنْزَل على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال تعالى ذكرُه: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ}. ومَعقولٌ أن الذي أنْزَلَه اللهُ في عصرِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو القرآنُ لا محمدٌ، لأن محمدًا صلواتُ اللهِ عليه رسولٌ مُرْسَلٌ لا تَنْزِيلٌ مُنْزَلٌ، والمُنْزَلُ هو الكتابُ، ثم نهاهم أن يكونوا أولَ مَن يَكْفُرُ بالذي أمَرهم بالإيمانِ به في أولِ الآيةِ -مِن أهلِ الكتابِ، فذلك هو الظاهرُ المفهومُ، ولم يَجْرِ لمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في هذه الآيةِ ذكرٌ ظاهرٌ فيُعادَ عليه بذكرِه مَكْنِيًّا في قولِه: {وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. وإن كان غيرَ مُحالٍ في الكلامِ أن يُذكَرَ مَكْنِىُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذكرٌ ظاهرٌ في الكلامِ.
وكذلك لا معنى لقولِ مَن زعَم أن العائدَ مِن الذِّكْرِ في {بِهِ} على "ما" التي في قوله: {لِمَا مَعَكُمْ}. لأن ذلك وإن كان مُحْتَمِلًا ظاهرَ الكلامِ، فإنه بعيدٌ مما يَدُلُّ عليه ظاهرُ التِّلاوةِ والتنزيلِ؛ لما وصَفْنا قبلُ مِن أن الأمرَ ¬في م: "المأمور".¥ بالإيمانِ به في أولِ الآيةِ هو القرآنُ، فكذلك الواجب أن يكونَ النهىُ عن الكفرِ به في آخرِها هو القرآنَ. فأما أن يكونَ المأمورُ بالإيمانِ به غيرَ المنهىِّ عن الكفرِ به في كلامٍ واحدٍ وآيةٍ واحدةٍ، فذلك غيرُ الأشهرِ الأظهرِ في الكلامِ، هذا مع بُعْدِ معناه في التأويلِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}: وعندَكم فيه مِن العلمِ ما ليس عندَ غيرِكم ¬سيرة ابن هشام 1/ 534، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 97 (446) من طريق سلمة به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}.
يقولُ: لا تَأْخُذوا عليه أجرًا. قال: وهو مَكتوبٌ عندَهم في الكتابِ الأولِ: يا بنَ آدمَ، علِّمْ مَجَّانًا كما عُلِّمْتَ مَجّانًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 97 (449) والخطيب في الكفاية ص 153 من طريق آدم به. وأخرجه ابن على 3/ 1023 - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه 18/ 179 - ، وأبو نعيم في الحلية 2/ 220، والخطيب ص 154 من طريق أبي جعفر به نحوه. وأخرجه أبو خيثمة في العلم (68) عن إسحاق بن سليمان الرازى عن أبى جعفر عن الربيع قوله.¥.
وقال آخَرون بما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا}. يَقولُ: لا تَأْخُذوا طَمعًا قليلًا وتَكْتُموا اسمَ اللهِ، فذلك الطَّمَعُ هو الثمنُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 97 (451) من طريق عمرو به.¥.
فتأويلُ الآيةِ إذن: لا تَبِيعوا ما آتيْتُكم مِن العلمِ بكتابي وآياتِه بثمنٍ خَسيسٍ وعَرَضٍ مِن الدنيا قليلٍ. وبيعُهم إياه تركُهم إبانةَ ما في كتابِهم مِن أمرِ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- للناسِ وأنه مَكتوبٌ فيه أنه النبيُّ الأميُّ الذي يَجِدونه مَكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، بثمنٍ قليلٍ، وهو رِضاهم بالرِّياسةِ على أتْباعِهم مِن أهلِ ملَّتِهم ودينِهم، وأخذِهم الأجرَ ممَّن بيَّنوا له ذلك على ما بيَّنوا له منه.
وإنما قلْنا: معنى ذلك: لا تَبِيعوا؛ لأن مُشْتَرِىَ الثمنِ القليلِ بآياتِ اللهِ بائعٌ الآياتِ بالثمنِ، فكلُّ واحدٍ مِن الثمنِ والمُثَمَّنِ مَبِيعٌ لصاحبِه، وصاحبُه به مُشْتَرٍ ¬في الأصل: "مُشْتَرًى".¥.
وأما معنى ذلك على ما تأوَّله أبو العاليةِ: فبيِّنوا للناسِ أمرَ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولا تَبْتَغوا عليه منهم أجرًا. فيكونُ حينَئذٍ نهيُه عن أخذِ الأجرِ على تَبْيينِه هو النهىَ عن شراءِ الثمن القليلِ بآياتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعز: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)}.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ: فاتَّقونِ في بيعِكم آياتي بالخَسِيسِ مِن الثمنِ، وشِرائِكم بها القليلَ مِن العِوضِ ¬في م، ت 1، ت 2: "العرض".¥، وكفرِكم بما أنْزَلْتُ على رسولي، وجُحودِكم نبوَّةَ نبيِّى ¬في م: "نبيه".¥ - أن أُحِلَّ بكم ما أحْلَلْتُ بأسلافِكم ¬في م: "بأخلافكم".¥ الذين سلَكوا سبيلَكم مِن المَثُلاتِ والنَّقِماتِ.