تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ}.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف أخْبَر اللهُ جلَّ وعزَّ عمَّن قد وصَفه بالخشوعِ له بالطاعةِ أنه يَظُنُّ أنه مُلاقِيه، والظنُّ شكٌّ، والشاكُّ في لقاءِ اللهِ جلَّ ثناؤه عندَك باللهِ كافرٌ؟
قيل: إن العربَ قد تُسَمِّى اليقينَ ظنًّا، والشكَّ ظنًّا، نظيرَ تسميتِهم الظُّلمةَ سُدْفةً، والضياءَ سُدفةً، والمُغيثَ صارخًا، والمُسْتَغِيثَ صارخًا، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأسماءِ التي تُسمِّى بها الشيءَ وضدَّه، ومما يَدُلُّ على أنَّه يُسَمَّى به اليقينُ، قولُ دُرَيْدِ ابنِ الصِّمَّةِ ¬الأصمعيات ص 107، وشرح ديوان الحماسة 2/ 812.¥:
فقلتُ لهم ظُنُّوا بألْفَىْ مُدَجَّجٍ ... سَراتُهمُ ¬السراة، جمع سري، والسرى الرئيس، وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد له نظير؛ لأنه لا يجمع فعيل على فعلة. المصباح (س ر ى).¥ في الفارسيِّ المُسَرَّدِ ¬السَّرْد: اسم جامع للدروع وسائر الحلق، والمسرد: تداخل الحلق بعضها في بعض. اللسان (س ر د).¥
يَعْني بذلك: تَيَقَّنوا ألفَىْ مُدَجَّجٍ تَأْتِيكم.
وقولُ عَمِيرةَ بنِ طارقٍ ¬الأضداد لابن الأنبارى ص 14، والنقائض 1/ 53، 2/ 785.¥:
بأن تَغْتَزوا ¬في الأصل: "تعتزوا" وفي م: "يعتزوا"، وفي ت 1، ت 2: "تعبروا". وغير منقوطة في ص والمثبت من مصادر التخريج.¥ قوْمى وأَقْعُدَ فيكمُ ... وأَجْعَلَ منى الظنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا
يعنى: وأجْعَل منى اليَقينَ غيبًا مُرَجَّمًا.
والشواهدُ مِن أشعارِ العربِ وكلامِها على أنَّ الظنَّ في معنى اليقينِ أكثرُ مِن أن تُحْصَي، وفيما ذكَرْنا لمَن وُفِّق لفهمِه كِفايةٌ.
ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَرَأي الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53]. وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك جاء تفسيرُ المُفَسِّرِين.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}. قال: الظنُّ ههنا يقينٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (493) من طريق آدم به.¥.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ، قال: كلُّ ظنٍّ في القرآنِ يَقينٌ، {إِنِّي ظَنَنْتُ} [الحاقة: 20]، و {ظَنُّوا} ¬ذكره ابن كثير في التفسير 1/ 125 عن المصنف.¥.
حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ الحَفَرىُّ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ ظنٍّ في القرآنِ فهو عِلْمٌ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 126 عن المصنف. وقال ابن كثير: وهذا سند صحيح. وأخرجه الثورى في تفسيره ص 45، قال: قال مجاهد. . .¥.
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسْباطُ، عن السديِّ: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}: أمَّا {يَظُنُّونَ} فَيَسْتَيْقِنون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 104 عقب الأثر (494) من طريق عمرو به.¥.
حَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}: علِموا أنهم ملاقو ربهم. قال: هي كقولِه: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ}. يقولُ: علِمْتُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 126 عن ابن جريج.¥. حَدَّثَنِي يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}. قال: لأنهم لَمْ يُعايِنوا، فكان ظنُّهم يَقينًا، وليس ظنًّا في شكٍّ. وقرَأ: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ}.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: {أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: {مُلَاقُو رَبِّهِمْ}. فأُضِيف المُلاقون إلى الربِّ جلَّ وعزَّ، وقد علِمْتَ أن معناه: الذين يَظُنُّون أنهم يَلْقَوْن ربَّهم؟ وإذا كان المعنى كذلك، فمِن كلامِ العربِ تركُ الإضافةِ وإثباتُ النونِ، وإنما تُسْقِطُ النونَ وتُضِيفُ في الأسماءِ المبْنِيَّةِ مِن الأفعالِ إذا كانت بمعنى "فَعَل"، فأما إذا كانت بمعنى "يفْعَل"، و"فاعِل"، فشأنُها إثباتُ النونِ وتركُ الإضافةِ.
قيل: لا تَدافُعَ بينَ جميعِ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ وأَلْسُنِها في إجازةِ إضافةِ الاسمِ المَبنيِّ من "فَعَل" و"يفعَلُ"، وإسقاطِ النونِ، وهو بمعنى "يفْعَل"، و"فاعِل" -أعْنِى بمعنى الاسْتِقْبالِ وحالِ الفعلِ- ولمَّا يَنْقَضِ، فلا وجهَ لمسألةِ السائلِ عن ذلك لمَ قيل.
وإنما اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في السببِ الذي مِن أجلِه أُضِيفَ وأُسْقِطَت النونُ؛ فقال نحْويُّو البصرةِ: أُسْقِطَت النونُ مِن {مُلَاقُو رَبِّهِمْ} وما أشْبَهَه مِن الأفعالِ التي في لفظِ الأسماءِ، وهي في معنى "يفعل"، أو في ¬في ص، ر، م: "وفى".¥ معنى ما لَمْ يَنْقَضِ [من الفعلِ] ¬سقط من: ص، ر، م.¥، اسْتِثْقالًا لها، وهي مُرادةٌ، كما قال جل ثناؤُه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]. وكما قال: {إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ} [القمر: 27]. ولمَّا يُرْسِلْها بعدُ، وكما قال الشاعر ¬الكتاب لسيبويه 1/ 171، وذكر الاختلاف في نسبته في الخزانة ومما قيل: إنه مصنوع. ثم قال: والله أعلم بالحال. الخزانة 8/ 219.¥:
هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجتِنا ... أوَ عبدَ رَبٍّ أخا عَوْنِ بنِ مِخْراقِ
فأضاف "باعث ¬في الأصل، م، ت 1، ت 2: "باعثا".¥ " إلى "الدينارِ" ولمَّا يَبْعَثْ، ونصَب "عبدَ ربٍّ" عطفًا على موضعِ "دينارٍ"؛ لأنه في معنى ¬في م: "موضع".¥ نصبٍ وإن خُفِض، وكما قال الآخرُ ¬الكتاب 1/ 186، وينظر الخلاف في نسبته في الخزانة 4/ 283.¥:
والحافظو عورةِ العَشِيرةِ لا ... يَأْتِيهمُ مِن وَرائِهم نَطَفُ ¬النطف: العيب والشر والفساد. القاموس المحيط (ن ط ف).¥
بنصبِ "العورةِ" وخفضِها، فالخفضُ على الإضافةِ، والنصبُ على حذفِ النونِ اسْتِثْقالًا وهي مُرادةٌ. وهذا قولُ نحويِّي البصرةِ.
وأما نحْويُّو الكوفةِ فإنهم قالوا: جائزٌ في {مُلَاقُو رَبِّهِمْ} الإضافةُ، وهو في معنى "يَلْقَوْن"، وإسقاطُ النونِ منه؛ لأنه في لفظِ الأسماءِ، فله في الإضافةِ إلى الأسماءِ حظُّ الأسماءِ، وكذلك حكمُ كلِّ اسمٍ كان له نَظيرًا. قالوا: وإذا أُثْبِتت في شيءٍ من ذلك النونُ وتُركت الإضافةُ، فإنما تفعلُ ذلك به لأنَّ له معنى "يفعل" الذي لَمْ يَكنْ ولم يَجِبْ بعدُ. قالوا: فالإضافةُ فيه للفظِ، وتركُ الإضافةِ للمعنى.
فتأويلُ الآيةِ إذن: واسْتَعِينوا على الوَفاءِ بعَهْدى بالصبرِ عليه والصلاةِ، وإن الصلاةَ لكبيرةٌ إلَّا على الخائِفِين عِقابي، المُتَواضِعِين لأمْرِي، المُوقِنين بلِقائى والرجوعِ إليَّ بعدَ مَماتِهم.
وإنما أخْبَر اللهُ جل ثناؤُه أن الصلاةَ كبيرةٌ إلَّا على مَن هذه صفتُه؛ لأنَّ مَن كان غيرَ مُوقِنٍ بمَعادٍ، ولا مُصَدِّقٍ بمَرْجِعٍ ولا ثَوابٍ ولا عِقابٍ، فالصلاةُ عندَه عَناءٌ وضَلالٌ؛ لأنه لا يَرْجُو بإقامتِها إدراكَ نفعٍ، ولا دفعَ ضُرٍّ، وحُقَّ لمَن كانت هذه الصفةُ صفتَه أن تكونَ الصلاةُ عليه كبيرةً، وإقامتُها عليه ثقيلةً، وله فادحةً.
وإنما خفَّت على المؤمنين المُصَدِّقِين بلقاءِ اللهِ عزَّ وجلَّ، الراجِين عليها جَزيلَ ثَوابِه، الخائِفين بتَضْييعِها أليمَ عقابِه، لِمَا يَرْجُون بإقامتِها في مَعادِهم مِن الوصولِ إلى ما وعَد اللهُ عليها أهلَها، ولِمَا يَحْذَرون بتَضْييعِها ما أوْعَد مُضَيِّعِيها. فأمَر اللهُ تعالى ذكرُه أحبارَ بني إسرائيل الذين خاطَبهم بهذه الآياتِ أن يَكونوا مِن مُقِيمِيها، الراجِين ثوابَها، إذا كانوا أهلَ يقينٍ أنهم إلى اللهِ جلَّ وعزَّ راجِعون، وإياه في القيامةِ مُلاقُون.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)}.
قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: {وَأَنَّهُمْ} مِن ذكرِ الخاشِعِين، والهاءُ التي في {إِلَيْهِ} مِن ذكرِ الربِّ جلَّ وعزَّ في قولِه: {مُلَاقُو رَبِّهِمْ} فتأويلُ الكلمةِ: وإنها لكبيرةٌ إلَّا على الخاشِعينِ المُوقِنينِ أنهم إلى ربِّهم راجِعون.
ثم اخْتُلِف في تأويلِ "الرجوعِ" الذي في قولِه: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به المثنى بنُ إبراهيمَ، قال؛ حَدَّثَنَا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. قال: يَسْتَيْقِنون أنهم يَرْجعون إليه يومَ القيامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 104 (495) من طريق آدم به.¥.
وقال آخَرون: معنى ذلك أنهم إليه يَرْجعون بموتِهم.
وأولى التأويلَيْن بالآيةِ القولُ الذي قاله أبو العاليةِ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤه قال في الآية التي قبلَها: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]. فأخْبَر جلَّ ثناؤُه أن مَرْجِعَهم إليه بعد نَشْرِهم وإحيائِهم مِن مَماتِهم، وذلك لا شكَّ يومَ القيامةِ، فكذلك تأويلُ قولِه: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.